حكايات ألف ليلة 03 المارد والصياد
يُحكى أنه في قديم الزمانِ وسالفِ العصرِ والأوانِ، كان هناك رجلٌ طيبُ القلبِ يعملُ صيادًا للأسماكِ. كان هذا الصيادُ يعيشُ في بيتٍ صغيرٍ مع زوجتِهِ وأولادِهِ الثلاثةِ، وكانوا يعيشون حياةً بسيطةً جدًا، فقد كان الصيادُ فقيرًا لا يملكُ من حطامِ الدنيا الكثيرَ. وكان من عادةِ هذا الصيادِ القنوعِ أنه لا يرمي شبكتَهُ في البحرِ كلَّ يومٍ إلا أربعَ مراتٍ فقط، راضيًا بما يقسمُهُ اللهُ له من رزقٍ.
وفي يومٍ من الأيامِ، خرجَ الصيادُ إلى شاطئِ البحرِ كعادتِهِ، والقى شبكتَهُ في الماءِ وانتظرَ قليلًا، ثم حاولَ جذبَها فوجدَها ثقيلةً جدًا. استبشرَ الصيادُ خيرًا وظنَّ أنه اصطادَ سمكةً كبيرةً، ولكنه عندما أخرجَ الشبكةَ بجهدٍ جهيدٍ، وجدَ فيها حمارًا ميتًا قد تسببَ في تمزيقِ خيوطِ الشبكةِ. حزنَ الصيادُ كثيرًا، ولكنه لم ييأس، فقامَ بإصلاحِ الثقوبِ وألقى الشبكةَ للمرةِ الثانيةِ. ولشدةِ دهشتِهِ، خرجتِ الشبكةُ هذه المرةَ وهي تحملُ زيرًا كبيرًا مليئًا بالطينِ والرملِ. وفي المرةِ الثالثةِ، لم يجد في شبكتِهِ سوى الحصى والحجارةِ وقشورِ المحارِ.
شعرَ الصيادُ بضيقٍ شديدٍ، فرفعَ يديهِ إلى السماءِ وتضرعَ إلى اللهِ أن يرزقَهُ ما يسدُّ به جوعَ أطفالِهِ، ثم استجمعَ قواهُ وألقى الشبكةَ للمرةِ الرابعةِ والأخيرةِ. وعندما سحبَها، شعرَ بثقلٍ غيرِ مسبوقٍ، وبعدَ عناءٍ طويلٍ أخرجَ قُمقُمًا من النحاسِ الأصفرِ، ووجدَ فوهتَهُ مسدودةً بقطعةٍ من الرصاصِ وعليها ختمٌ عجيبٌ. فرحَ الصيادُ وقال في نفسِهِ: "هذا القمقمُ ثمينٌ، سأبيعُهُ في سوقِ النحاسِ بعشرةِ دنانيرَ ذهبيةٍ وأشتري بها طعامًا لعائلتي".
ولكنَّ الفضولَ تملكُ الصيادَ، فأرادَ أن يعرفَ ما بداخلِ هذا القمقمِ المختومِ. أحضرَ سكينًا وحاولَ فتحَ السدادةِ الرصاصيةِ حتى نجحَ في ذلكَ، ثم قلبهُ لينظرَ ما فيه، فلم ينزل منه شيءٌ. وفجأةً، تصاعدَ من القمقمِ دخانٌ كثيفٌ أخذَ يرتفعُ في السماءِ حتى حجبَ ضوءَ الشمسِ، ثم بدأ هذا الدخانُ يتشكلُ ويتحولُ إلى ماردٍ عملاقٍ مخيفٍ. كان الماردُ ضخمًا جدًا، رأسُهُ تلمسُ السحابَ وقدميهِ في الترابِ، وله فمٌ كالمغارةِ وعينانِ كالسراجينِ المشتعلينِ.
ارتمى الصيادُ على الأرضِ من شدةِ الرعبِ، فصاحَ الماردُ بصوتٍ يشبهُ الرعدَ: "أبشر أيها الصيادُ بقتلكَ في هذه الساعةِ!". تعجبَ الصيادُ وقال وهو يرتعِدُ: "لماذا تقتلُني وأنا من أنقذكَ من سجنِكَ؟". فأخبرهُ الماردُ أنه من الجنِ الذين عصوا النبيَّ سليمانَ، فحبسَهُ في هذا القمقمِ وألقاهُ في البحرِ. وقال الماردُ: "لقد بقيتُ في البحرِ مئاتِ السنينِ، وفي المائةِ عامٍ الأولى قلتُ من يخرجني سأغنيهِ للأبدِ، وفي المائةِ الثانيةِ قلتُ سأفتحُ له كنوزَ الأرضِ، ولكن لم يخرجني أحدٌ، فغضبتُ وقلتُ من يخرجني الآنَ سأقتلُهُ وأجعلُهُ يختارُ الميتةَ التي يحبُّها".
أدركَ الصيادُ أنه في خطرٍ حقيقيٍ، ففكرَ بسرعةٍ وقال للماردِ: "أيها الماردُ العظيمُ، لا أصدقُ أنكَ كنتَ داخلَ هذا القمقمِ الصغيرِ، فأنتَ ضخمٌ جدًا وهذا القمقمُ لا يتسعُ حتى ليدكِ". غضبَ الماردُ لعدمِ تصديقِ الصيادِ وقال: "سأريكَ كيفَ كنتُ فيه!". ثم تحولَ الماردُ إلى دخانٍ مرةً أخرى ودخلَ في القمقمِ شيئًا فشيئًا حتى اختفى تمامًا بالداخلِ. وفي تلكَ اللحظةِ، سارعَ الصيادُ الذكيُّ وأمسكَ بالسدادةِ الرصاصيةِ وأغلقَ القمقمَ بإحكامٍ مرةً أخرى.
صاحَ الماردُ من الداخلِ يرجو الصيادَ أن يخرجَهُ، لكنَّ الصيادَ قال: "سألقيكَ في البحرِ وأحذرُ كلَّ الناسِ من اصطيادِكَ". أخذَ الماردُ يتوسلُ ويبكي ويعاهدُ الصيادَ أنه لن يؤذيَهُ أبدًا، بل سيجازيهِ خيرًا ويدلُّهُ على رزقٍ وفيرٍ. وعندما تأكدَ الصيادُ من صدقِ عهدِ الماردِ، فتحَ القمقمَ فخرجَ الماردُ ووفى بوعدِهِ. أخذَ الماردُ الصيادَ إلى بحيرةٍ بعيدةٍ خلفَ الجبالِ، كانت مياهُها صافيةً وفيها أسماكٌ ملونةٌ بالأبيضِ والأحمرِ والأزرقِ والأصفرِ.
اصطادَ الصيادُ أربعَ سمكاتٍ ملونةٍ وذهبَ بها إلى قصرِ الملكِ، فتعجبَ الملكُ من جمالِها وأعطى الصيادَ أربعَمائةِ دينارٍ ذهبيٍ. عادَ الصيادُ إلى بيتِهِ سعيدًا، وأصبحَ من الأغنياءِ بفضلِ ذكائِهِ وصبرِهِ، وعاشَ مع عائلتِهِ في رغدٍ وهناءٍ، وتعلمَ الجميعُ أنَّ العقلَ دائمًا ما ينتصرُ على القوةِ.