حكايات ألف ليلة 05 الملك يونان والحكيم دويان
يُحْكَى أَنَّهُ كَانَ فى قَدِيمِ الزَّمَانِ، ووَسَالِفِ الْعَصْرِ وَالْأَوَانِ، فِي أَرْضِ رُومَان مَلِكٌ عَظِيمُ الشان، يُسمَّى المَلِكَ (يُونَان). وكَانَ الملكُ (يُونَان) ذا مَالِ كَثِيرٍ وأَعْوانِ، وَلَمْ يَكُنْ يُنَغَصُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ سِوَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ أُصِيبَ الملك بِبَرَص في جلْدِهِ، حَارَتْ في علاجه الأطباء، وعَجَزَتْ عَنْ مُدَاوَاتِهِ الحكماء. وبِسَبَبٍ ذَلِكَ الْمَرَضِ كَانَ المَلِكُ كَثِيرَ الْحُزْنِ، عَارِضًا عَنْ لِقَاءِ النَّاسِ، فَعَاشَ في شَبْهِ عَزْلَةٍ، يُصَرِّفُ شُئونَ مُلْكِهِ مِنْ دَاخِلِ قصره.
وذَاتَ يَوْمٍ قَدِمَ إِلَى مَدِينَةِ المَلِكِ (يُونَان) حَكِيمٌ نَابِهُ يُقَالُ لَهُ الحَكِيمُ (دويان). كَانَ الحَكِيمُ (دُويَان) عَالِمًا بِأَصُولِ الطَّبِ والحِكْمَةِ، دَرَسَ الأَعْشَابَ والنَّبَاتَاتِ، وَعَلِمَ مَضَارَّهَا ومَنَافِعَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ سَمِعَ مِنَ النَّاسِ عَنْ إِصَابَةِ مَلِكِهِمْ بِمَرَضِ الْبَرَصِ الَّذِي عَجَزَتِ الأَطِبَّاءُ والحَكَمَاءُ عَنْ مُدَاوَاتِهِ. وفي الْيَوْمِ التَّالِي تَوَجَّهَ الحَكِيمُ (دُويَان) إِلَى قَصْرِ المَلِكِ (يُونَان) فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى المَلِكِ حَيَّاهُ، وعَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ: "أَيُّها الملك، بَلَغَنِي مَا أَلَمَّ بِكَ مِنَ مَرَضِ، حَارَ فِي عِلاجه الأطباء، وقَدْ حَضَرْتُ لأُدَاوِيكَ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ، دُونَ أَنْ أَسْقِيَكَ دواء، أَوْ أَدْهِنَكَ بدهان".
فَلَمَّا سَمِعَ المَلِكُ كَلَامَهُ، تَعَجَّبَ مِنْهُ وَقَالَ: "إِنْ شَفَيْتَنِي مِنْ هَذَا الْمَرَضِ - كَمَا تَقُولُ - أَغْدَقْتُ عَلَيْكَ الْأَمْوَالَ والْهَدَايَا، وأَغْنَيْتُكَ وقَرَّبْتُكَ مِنِّى، وحَقَّقْتُ لَكَ كُلَّ ما تَتَمَنَّاهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ". فقال الحَكِيمُ (دُويَان): "إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَشْفِيكَ مِنْ مَرَضِكَ، دُونَ تَعَب ولا مَشَقَةٍ". فسأله الملك عن وقت البدء، فأجابه الحكيم بأن العلاج سيبدأ غداً بإذن الله.
عَادَ الحَكِيمُ إِلَى بَيْتِهِ، جَهَزَ الْعَقَاقِيرَ والأَدْوِيَةَ، ثُمَّ قَامَ بِخَلْطِهَا مَعًا حَتَّى صَارَتْ عَجِينَةً، فَصَنَعَ مِنْهَا صَوْلَجَانًا مُجَوَّفًا مِنَ الدَّاخِلِ ووضع بداخلِهِ عَصا لتقويته، وصَنَعَ لَهُ كُرَةً. وفي الْيَوْمِ التَّالِي طَلَبَ مِنَ المَلِكِ أَنْ يَرْكَبَ جَوَادَهُ إِلَى الْمَيْدَانِ، وَيَلْعَبُ بِالكُرَةِ والصولجان. وأخبره أن يقبض على الصولجان بقوة ويضرب الكرة حتى يَعرق كفه وينفذ الدواء إلى جسده، ثم يغتسل وينام.
نَفَذَ المَلِكُ ما أَمَرَهُ بِهِ الحَكِيمُ، وعِنْدَمَا اسْتَيْقَظَ لَمْ يَجِدْ بِجَسَدِهِ أَيَّ أَثَرٍ لِلْبَرَص، ورَأَى جَسَدَهُ نَقِيًّا مِثْلَ الْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ. ففرح الملك فرحاً عظيماً، وأكرم الحكيم إكراماً كبيراً وقربه إليه. لكن هَذَا التَّقْرِيبُ أَثَارَ حَسَدَ وَزِيرٍ لَئيمٍ بَخِيلٍ، قَرَّرَ أَنْ يُغْرِى المَلِكَ بالحكيم ليقتله. وأخذ الوزير يوسوس للملك بأن الحكيم جاسوس وأنه كما عالجه بشيء أمسكه بيده، فإنه يستطيع قتله بشيء يمسكه بيده أيضاً.
اقْتَنَعَ المَلِكُ بكلام الوزير، وأَمَرَ بِإِحْضَارِ الحَكِيمِ لِيَقْتُلَهُ. تَعَجَّبَ الحَكِيمُ وطَلَبَ مِنَ المَلِكِ الرَّحْمَةَ قَائلاً: "أيها الملك لا تقتلني، يسلط الله عليك من يقتلك". لكن الملك صمم على قتله. عندها طلب الحكيم مهلة ليودع أهله ويحضر كتاباً عجيباً للملك، وأخبره أن في هذا الكتاب سراً: إذا قُطعت رأس الحكيم ووُضعت في طبق، ثم فتح الملك الكتاب وقرأ أسطراً معينة، فإن الرأس ستكلمه.
وفي اليوم التالي، حضر الحكيم ومعه الكتاب وقارورة فيها "ذرور"، وطلب طبقاً كبيراً. وبعد أن نُفذ الحكم، وُضعت الرأس في الطبق كما قال الحكيم، وطلب من الملك فتح الكتاب. حاول الملك فتح الكتاب، فوجد صفحاته ملصوقة، فوضع أصبعه في فمه وبله بريقه ليقلب الصفحات. استمر الملك في تقليب الصفحات التي كانت مسمومة، حتى سرى السم في جسده ومات في الحال، ونجا الحكيم بعلمه من الموت قبل أن يُنفذ الحكم فيه، بوضع خطة ذكية كشفت سوء عاقبة الظلم.
