المزرعة السعيدة - البقرة الرشيقة

الْبَقَرَةُ الرَّشِيقَةُ


الْيَوْمُ هُوَ أَوَّلُ أَيَّامِ الرَّبِيعِ، حَيْثُ اسْتَنْشَقَ الزَّرْعُ عَبِيرَ النَّضَارَةِ، وَتَبَسَّمَتِ الْأَنْهَارُ وَفَاحَ عَبِيرُهَا الزَّكِيُّ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَفِي هَذَا الْجَوِّ الْبَدِيعِ، قَرَّرَتْ حَيَوَانَاتُ الْمَزْرَعَةِ الاحْتِفَالَ بِقُدُومِ الرَّبِيعِ، وَقَضَاءَ الْيَوْمِ فِي اللَّعِبِ وَالْمَرَحِ وَإِقَامَةِ الْمُسَابَقَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ بَيْنَهُمْ.

قَالَ الْحِصَانُ (نَبْهَانُ): "مَا رَأَيْكُمْ يَا أَصْدِقَائِي أَنْ نَبْدَأَ بِإِقَامَةِ مُسَابَقَةٍ فِي الْجَرْيِ لِنَعْرِفَ مَنِ الْأَسْرَعُ مِنْ بَيْنِنَا؟". رَحَّبَ الْجَمِيعُ بِالْفِكْرَةِ فِي حَمَاسٍ شَدِيدٍ، وَقَامَ الْأَرْنَبُ (أرنوب) بِتَحْدِيدِ خَطِّ الْبِدَايَةِ بِدِقَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَقَ نَبْهَانُ صَفَّارَتَهُ لِتُعْلِنَ انْطِلَاقَ التَّحَدِّي، وَهَكَذَا بَدَأَتِ الْمُسَابَقَةُ.

جَرَى الْمُتَسَابِقُونَ بِكُلِّ مَا أُوتُوا مِنْ قُوَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَصَلَ الْأَرْنَبُ أرنوب أَوَّلًا إِلَى خَطِّ النِّهَايَةِ لِخِفَّتِهِ، وَتَتَابَعَ وُصُولُ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْدَهُ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ. وَبَيْنَمَا كَانُوا يَسْتَرِيحُونَ، وَقَفَ الْجَمِيعُ يَنْظُرُونَ فِي تَعَجُّبٍ وَدَهْشَةٍ إِلَى الْبَقَرَةِ (رَشِيقَةَ) الَّتِي تَأَخَّرَتْ كَثِيرًا فِي الْوُصُولِ عَنْ بَقِيَّةِ الرِّفَاقِ.

وَعِنْدَمَا وَصَلَتِ الْبَقَرَةُ رَشِيقَةُ أَخِيرًا، وَقَفَتْ تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا بِصُعُوبَةٍ وَهِيَ تَقُولُ: "هَلْ وَصَلَ أَحَدٌ قَبْلِي؟". ضَحِكَتِ الْحَيَوَانَاتُ مِنْ سُؤَالِهَا، وَقَالَ الدِّيكُ (فَصِيحٌ) سَاخِرًا: "أَنْتِ الْأَخِيرَةُ بِجَدَارَةٍ يَا رَشِيقَةُ! لَقَدْ ظَلَمَكِ مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْكِ هَذَا الِاسْمَ، أَلَمْ يَرَ أَنَّكِ ضَخْمَةٌ جِدًّا وَسَمِينَةٌ؟!".

اغْتَاظَتِ الْبَقَرَةُ رَشِيقَةُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَتَعَالَتْ ضَحِكَاتُ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ حَوْلِهَا. وَبَعْدَ قَلِيلٍ، حَضَرَ صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ وَمَعَهُ فَأْسٌ كَبِيرَةٌ، وَأَخَذَ يُحَاوِلُ بِكُلِّ جُهْدِهِ قَطْعَ إِحْدَى الْأَشْجَارِ الْقَدِيمَةِ، لَكِنَّهُ فَشِلَ فِي ذَلِكَ لِقُوَّةِ جُذُوعِهَا، فَانْصَرَفَ وَتَرَكَ الشَّجَرَةَ مَكَانَهَا بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ فِيهَا شَرْخًا كَبِيرًا.

بَدَأَتِ الْحَيَوَانَاتُ فِي اللَّعِبِ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ انْصِرَافِ صَاحِبِ الْمَزْرَعَةِ، فَقَالَ الدِّيكُ فَصِيحٌ: "مَا رَأْيُكُمْ أَنْ نُقِيمَ مُبَارَاةً مُثِيرَةً فِي كُرَةِ الْقَدَمِ؟". قَالَتْ رَشِيقَةُ فِي فَرَحٍ وَتَلَهُّفٍ: "فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ، أَنَا أُحِبُّ لُعْبَةَ كُرَةِ الْقَدَمِ كَثِيرًا".

لَكِنَّ الْحِصَانَ نَبْهَانَ قَاطَعَهَا قَائِلًا: "يَا سَيِّدَةُ بَقَرَةُ، نَحْنُ نَعْتَذِرُ لَكِ، فَلَنْ تَسْتَطِيعِي الْمُشَارَكَةَ مَعَنَا لِأَنَّكِ سَمِينَةٌ جِدًّا، وَلَوْ وَقَعْتِ عَلَى الْأَرْضِ لَنْ تَتَمَكَّنِي مِنَ النُّهُوضِ إِلَّا بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ".

رَدَّتْ الْبَقَرَةُ رَشِيقَةُ بِثِقَةٍ: "لَكِنَّ بِنْيَانِي الْجَسَدِيَّ قَوِيٌّ لِلْغَايَةِ، وَأَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْكُلَ الْكُرَةَ بِقُوَّةٍ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ غَيْرِي". فَقَالَ الدِّيكُ فَصِيحٌ مُسْتَهْزِئًا: "أَنْتِ لَا تَصْلُحِينَ يَا عَزِيزَتِي إِلَّا لِمُبَارَيَاتِ الْمُصَارَعَةِ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ الصِّغَارِ، أَوْ لِرَفْعِ الْأَثْقَالِ الضَّخْمَةِ فَقَطْ!".

حَزِنَتْ الْبَقَرَةُ رَشِيقَةُ وَقَالَتْ: "سَأَتْرُكُكُمْ الْآنَ وَأَذْهَبُ لِأَتَنَاوَلَ غِذَائِي الصِّحِّيَّ وَأُحَافِظَ عَلَى قُوَّتِي وَمَتَانَةِ بِنْيَانِي". وَاتَّجَهَتْ إِلَى حُقُولِ الْعُشْبِ، وَأَخَذَتْ تَأْكُلُ وَهِيَ تَمْتَمُ فِي غَيْظٍ: "سَأَقُومُ بِعَمَلِ حِمْيَةٍ غِذَائِيَّةٍ (رِجِيمٍ) قَاسِيَةٍ، وَسَوْفَ أُصْبِحُ رَشِيقَةً بِالْفِعْلِ لِأُثْبِتَ لَهُمْ خَطَأَهُمْ".

فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، بَدَأَتِ الْمُبَارَاةُ، فَمَرَّرَ الْخَرُوفُ الْكُرَةَ إِلَى الْأَرْنَبِ، الَّذِي قَذَفَهَا بِدَوْرِهِ إِلَى الدِّيكِ، فَطَارَ الدِّيكُ فِي الْهَوَاءِ وَغَيَّرَ مَسَارَ الْكُرَةِ لِيُعِيدَهَا إِلَى الْخَرُوفِ، فَارْتَدَّتِ الْكُرَةُ وَاصْطَدَمَتْ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ الَّتِي حَاوَلَ صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ قَطْعَهَا.

اهْتَزَّتِ الشَّجَرَةُ بِعُنْفٍ وَمَالَتْ، وَاسْتَعَدَّتْ لِلسُّقُوطِ فَوْقَ رُؤُوسِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَذْعُورَةِ، وَهُنَا جَرَتْ الْبَقَرَةُ رَشِيقَةُ بِسُرْعَةٍ نَاحِيَةَ الشَّجَرَةِ وَدَفَعَتْهَا بِقُوَّةِ جَسَدِهَا، فَأَزَاحَتْهَا بَعِيدًا قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ عَلَى أَصْدِقَائِهَا وَتُؤْذِيَهُمْ. انْبَهَرَ الْجَمِيعُ بِشَجَاعَتِهَا، وَقَالَ الدِّيكُ: "لَقَدْ أَبْعَدْتِ الشَّجَرَةَ الضَّخْمَةَ وَكَأَنَّهَا كُرَةٌ صَغِيرَةٌ! لَقَدْ أَصْبَحْتِ تَصْلُحِينَ لِتَكُونِي حَارِسَةَ مَرْمَى مَاهِرَةً".

قَالَتْ الْبَقَرَةُ رَشِيقَةُ بِتَوَاضُعٍ: "سَأُفَكِّرُ فِي هَذَا الْأَمْرِ". ضَحِكَ الْخَرُوفُ وَقَالَ بِمَحَبَّةٍ: "صَحِيحٌ أَنَّ جَسَدَكِ ثَقِيلٌ، وَلَكِنَّ رُوحَكِ خَفِيفَةٌ وَقَلْبَكِ طَيِّبٌ، وَنَحْنُ جَمِيعًا نُحِبُّكِ لِأَجْلِ هَذَا". وَهَكَذَا، أَمْضَى الْجَمِيعُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فِي مَرَحٍ وَسَعَادَةٍ وَصَفَاءٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم