ذَكَاءُ الْقَاضِي
ذَاتَ يَوْمٍ سَمِعَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي دَوْلَةٍ مِنْ دُوَلِ الْخِلَافَةِ قَاضٍ عَادِلٌ، أَقَرَّ الْعَدْلَ بِذَكَائِهِ وَفِطْنَتِهِ وَقُوَّةِ مُلَاحَظَتِهِ، وَلِذَلِكَ فَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمَيِّزَ الْحَقِيقَةَ وَيَتَعَرَّفَ الْجَانِيَ وَالْمَجْنَى عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْحَقِيقَةُ خَافِيَةً، أَوْ كَانَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ يَمْلِكُ حُجَّةً أَقْوَى مِنَ الْآخَرِ. وَقَدْ شَوَّقَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ، فَقَرَّرَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي، حَتَّى يَتَحَقَّقَ بِنَفْسِهِ مِنْ صِحَّةِ مَا يُشَاعُ عَنْ ذَكَائِهِ. تَنَكَّرَ الْخَلِيفَةُ فِي زِيِّ تَاجِرٍ عَرَبِيٍّ وَرَكِبَ جَوَادَهُ قَاصِدًا الْمَدِينَةَ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا ذَلِكَ الْقَاضِي، فَوَصَلَهَا بَعْدَ رِحْلَةِ سَفَرٍ طَوِيلَةٍ.
وَعِنْدَ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ رَأَى الْخَلِيفَةُ رَجُلًا كَسِيحًا، مَلَابِسُهُ الْمُهَلْهَلَةُ الْقَدِيمَةُ تُوحِي بِفَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ، فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ، وَنَزَلَ عَنْ جَوَادِهِ، فَقَدَّمَ لَهُ بَعْضَ النُّقُودِ، فَشَكَرَهُ الْفَقِيرُ الْكَسِيحُ وَدَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ. وَهَمَّ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَرْكَبَ جَوَادَهُ، لِيُوَاصِلَ رِحْلَتَهُ إِلَى دَاخِلِ الْمَدِينَةِ، لَكِنَّ الرَّجُلَ الْكَسِيحَ تَشَبَّثَ بِرِدَائِهِ فِي قُوَّةٍ قَائِلًا: أَيُّهَا السَّيِّدُ الْكَرِيمُ، صَنَعْتَ فِيَّ مَعْرُوفًا وَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ فَأَتِمَّهُ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مُتَعَجِّبًا وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُ يَا رَجُلُ؟! هَلْ تُرِيدُ نُقُودًا أُخْرَى؟! فَقَالَ الرَّجُلُ الْكَسِيحُ: أَنَا رَجُلٌ كَسِيحٌ كَمَا تَرَى وَلَا أَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ.. سَأَكُونُ شَاكِرًا لَكَ لَوْ حَمَلْتَنِي فَوْقَ ظَهْرِ جَوَادِكَ إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ. فَأَشْفَقَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَأَجْلَسَهُ فَوْقَ ظَهْرِ الْجَوَادِ، ثُمَّ قَادَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى دَاخِلِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى السُّوقِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ التُّجَّارُ مِنْ كُلِّ أَنْحَاءِ الدَّوْلَةِ. وَهُنَاكَ قَالَ الْخَلِيفَةُ لِلرَّجُلِ الْكَسِيحِ: لَقَدْ وَصَلْنَا إِلَى السُّوقِ، فَانْزِلْ عَنْ جَوَادِي حَتَّى أُوَاصِلَ سَيْرِي. فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ مُسْتَنْكِرًا، وَقَالَ: أَنَا أَنْزِلُ عَنْ جَوَادِي وَأَتْرُكُهُ لَكَ؟! مُحَالٌ.. مُحَالٌ. فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: مَاذَا تَقُولُ يَا رَجُلُ؟! هَلْ هَذَا جَزَاءُ إِحْسَانِي إِلَيْكَ؟! هَيَّا انْزِلْ عَنْ جَوَادِي. فَصَاحَ الرَّجُلُ الْكَسِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ لِيُسْمِعَ النَّاسَ: أَنَا صَاحِبُ الْجَوَادِ.. اشْهَدُوا يَا نَاسُ.. هَذَا الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغِلَّ ضَعْفِي لِيَسْرِقَ جَوَادِي. وَتَجَمَّعَ النَّاسُ حَوْلَهُمَا، وَأَخَذُوا يَلُومُونَ الْخَلِيفَةَ، الَّذِي بَدَا مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِمْ لِصًّا يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَغِلَّ قُوَّتَهُ ضِدَّ ذَلِكَ الْمِسْكِينِ لِيَسْرِقَ جَوَادَهُ. وَعَبَثًا حَاوَلَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُفْهِمَهُمْ أَنَّهُ صَاحِبُ الْجَوَادِ، وَيُقْسِمُ لَهُمْ بِأَغْلَظِ الْأَيْمَانِ أَنَّ الْجَوَادَ جَوَادُهُ، فَسَخِرَ مِنْهُ أَحَدُهُمْ قَائِلًا: كُلُّ اللُّصُوصِ يُقْسِمُونَ مِثْلَكَ هَكَذَا، وَفِي النِّهَايَةِ يَثْبُتُ أَنَّهُمْ لُصُوصٌ. وَبِرَغْمِ ذَلِكَ تَمَالَكَ الْخَلِيفَةُ نَفْسَهُ، وَتَقَدَّمَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ قَائِلًا: إِذَا كُنْتُمَا مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى الْجَوَادِ، فَاذْهَبَا إِلَى الْقَاضِي هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَسْتَطِيعُ الْفَصْلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَتَحْدِيدَ صَاحِبِ الْجَوَادِ الْحَقِيقِيِّ. فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: أَنَا مُوَافِقٌ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى الْقَاضِي.. دُلُّونِي عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكَسِيحُ فِي تَبَجُّحٍ: وَأَنَا سَأَذْهَبُ إِلَيْهِ، لِيُعِيدَ لِي جَوَادِي الَّذِي يُحَاوِلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ سَرِقَتَهُ مِنِّي.
قَادَ الْخَلِيفَةُ الْجَوَادَ وَالْكَسِيحُ رَاكِبٌ خَلْفَهُ.. وَعِنْدَ نِهَايَةِ السُّوقِ شَاهَدَ الْخَلِيفَةُ بَائِعَ سَمْنٍ يَقْبِضُ عَلَى يَدِ أَحَدِ الزَّبَائِنِ، وَيَدُ الزَّبُونِ مَلِيئَةٌ بِالنُّقُودِ، وَهُوَ يَصْرُخُ مُتَأَلِّمًا، وَقَدْ تَجَمَّعَ حَوْلَهُمَا النَّاسُ: آه.. آه.. اتْرُكْ يَدِي.. إِنَّكَ تُؤْلِمُنِي. فَيَرُدُّ عَلَيْهِ السَّمَّانُ مُعَنِّفًا: لَنْ أَتْرُكَ يَدَكَ أَيُّهَا اللِّصُّ، حَتَّى تُعِيدَ إِلَيَّ نُقُودِي. فَيَصْرُخُ الزَّبُونُ مُتَأَلِّمًا: بَلْ هِيَ نُقُودِي، لَنْ أَتْرُكَ يَدَكَ حَتَّى تُعِيدَهَا إِلَيَّ أَوْ أَكْسِرَهَا. فَقَالَ الْخَلِيفَةُ مُخَاطِبًا السَّمَّانَ: لِمَاذَا تَقْبِضُ عَلَى يَدِهِ هَكَذَا أَيُّهَا السَّمَّانُ؟! فَقَالَ السَّمَّانُ: لَقَدْ جَاءَ هَذَا الرَّجُلُ لِيَشْتَرِيَ مِنِّي سَمْنًا، فَمَلَأْتُ لَهُ ذَلِكَ الْإِبْرِيقَ.. ثُمَّ طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَفُكَّ لَهُ قِطْعَةً ذَهَبِيَّةً مِنْ ذَاتِ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَأَفْرَغْتُ كِيسَ نُقُودِي لِأَعُدَّ لَهُ الْبَاقِي، فَخَطَفَ نُقُودِي وَأَرَادَ الْهَرَبَ بِهَا، لَكِنَّنِي أَمْسَكْتُ بِيَدِهِ. فَقَالَ الزَّبُونُ: لَا تُصَدِّقُوهُ، بَلْ أَنَا الَّذِي أَخْرَجْتُ كِيسَ نُقُودِي وَأَفْرَغْتُهُ فِي يَدِي لِأَدْفَعَ لَهُ ثَمَنَ السَّمْنِ، فَأَمْسَكَ بِيَدِي مُحَاوِلًا سَرِقَةَ نُقُودِي. فَتَعَجَّبَ الْحَاضِرُونَ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ: لَا نَدْرِي مَنْ مِنْكُمَا الظَّالِمُ وَمَنِ الْمَظْلُومُ.. وَقَالَ آخَرُ: مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ تَذْهَبَا إِلَى الْقَاضِي هَارُونَ، لِيَحْكُمَ بَيْنَكُمَا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْمُحَيِّرَةِ. وَسَارَ الْأَرْبَعَةُ قَاصِدِينَ دِيوَانَ الْقَاضِي الْعَادِلِ، فَدَخَلُوا إِلَى الْفِنَاءِ، حَيْثُ يَنْتَظِرُ الْمُتَخَاصِمُونَ دَوْرَهُمْ لِلدُّخُولِ عَلَى الْقَاضِي. وَهُنَاكَ شَاهَدَ الْخَلِيفَةُ فَلَّاحًا وَأَحَدَ الْعُلَمَاءِ يَقِفَانِ فِي انْتِظَارِ الدُّخُولِ عَلَى الْقَاضِي وَمَعَهُمَا جَارِيَةٌ، وَكُلٌّ مِنَ الْعَالِمِ وَالْفَلَّاحِ يَدَّعِي أَنَّ الْجَارِيَةَ مِلْكُهُ، وَأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَاهَا مِنْ حُرِّ مَالِهِ. فَتَعَجَّبَ الْخَلِيفَةُ فِي نَفْسِهِ قَائِلًا: هَذِهِ ثَلَاثُ قَضَايَا مُعَقَّدَةٌ، كُلٌّ مِنْهَا أَصْعَبُ مِنَ الْأُخْرَيَيْنِ.. تُرَى كَيْفَ سَيَتَمَكَّنُ ذَلِكَ الْقَاضِي الْمِسْكِينُ مِنَ الْفَصْلِ فِيهَا؟! وَهَلْ حَقًّا سَيَقْضِي فِيهَا بِالْعَدْلِ كَمَا يُشَاعُ عَنْهُ؟!
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَتِ الْجَلْسَةُ. فَحَكَى السَّمَّانُ قِصَّتَهُ كَمَا حَدَثَتْ، وَحَاوَلَ الزَّبُونُ الِاعْتِرَاضَ، فَنَهَرَهُ الْقَاضِي وَطَلَبَ مِنْهُ السُّكُوتَ حَتَّى يَأْتِيَ دَوْرُهُ. وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِأَيِّ مِنْهُمَا شُهُودٌ، أَمَرَهُمَا الْقَاضِي بِتَرْكِ النُّقُودِ وَالْعَوْدَةِ فِي الْغَدِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْعَالِمِ وَالْفَلَّاحِ، فَادَّعَى الْعَالِمُ أَنَّهُ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ لِتَخْدُمَ زَوْجَتَهُ، بَيْنَمَا زَعَمَ الْفَلَّاحُ أَنَّهَا هَرَبَتْ مِنْهُ. وَبَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي عَدَمُ وُجُودِ صَكٍّ أَوْ شُهُودٍ مَقْبُولِينَ لَدَيْهِمَا، أَمَرَهُمَا أَيْضًا بِتَرْكِ الْجَارِيَةِ لَدَيْهِ لِلْفَصْلِ فِي أَمْرِهَا غَدًا. وَأَخِيرًا جَاءَ دَوْرُ الْخَلِيفَةِ وَالْكَسِيحِ، فَقَصَّ الْخَلِيفَةُ مَا جَرَى، بَيْنَمَا كَذَّبَهُ الْكَسِيحُ بِمُنْتَهَى الْجُرْأَةِ. فَطَلَبَ الْقَاضِي تَرْكَ الْجَوَادِ وَمُغَادَرَةَ الدِّيوَانِ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، حَضَرَ الْجَمِيعُ لِيَسْمَعُوا الْأَحْكَامَ. نَادَى الْقَاضِي عَلَى السَّمَّانِ وَقَالَ لَهُ: "خُذْ نُقُودَكَ أَيُّهَا السَّمَّانُ"، ثُمَّ أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّبُونِ ثَلَاثِينَ جَلْدَةً لِأَنَّهُ لِصٌّ مُحْتَالٌ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْعَالِمِ وَقَالَ: "خُذْ جَارِيَتَكَ أَيُّهَا الْعَالِمُ"، وَأَمَرَ بِجَلْدِ الْفَلَّاحِ خَمْسِينَ جَلْدَةً. وَأَخِيرًا، أَخَذَ الْخَلِيفَةَ وَالْكَسِيحَ إِلَى الْإِسْطَبْلِ، وَطَلَبَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا التَّعَرُّفَ عَلَى جَوَادِهِ مِنْ بَيْنِ عِشْرِينَ جَوَادًا. تَعَرَّفَ كِلَاهُمَا عَلَى الْجَوَادِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِالْجَوَادِ لِلْخَلِيفَةِ، وَأَمَرَ بِجَلْدِ الْكَسِيحِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً.
انْبَهَرَ الْخَلِيفَةُ بِدِقَّةِ الْأَحْكَامِ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَعْرِفَتِهِ لِلْحَقِيقَةِ. فَشَرَحَ لَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ وَضَعَ نُقُودَ السَّمَّانِ فِي الْمَاءِ، فَطَفَتْ بَقَايَا السَّمْنِ، فَعَرَفَ أَنَّهَا لَهُ. وَأَمَّا الْجَارِيَةُ، فَقَدِ اخْتَبَرَهَا فِي مَلْءِ الْمِحْبَرَةِ، فَأَدَّتِ الْمَهَمَّةَ بِبَرَاعَةٍ لَا تَمْلِكُهَا إِلَّا جَارِيَةُ عَالِمٍ. وَأَمَّا الْجَوَادُ، فَقَالَ الْقَاضِي: "لَمْ يَكُنْ هَدَفِي أَنْ تَتَعَرَّفَ أَنْتَ عَلَى الْجَوَادِ، بَلْ أَنْ يَتَعَرَّفَ الْجَوَادُ عَلَيْكَ؛ فَقَدْ صَهَلَ الْجَوَادُ حِينَ اقْتَرَبْتَ مِنْهُ، بَيْنَمَا حَاوَلَ رَفْسَ الْكَسِيحِ حِينَ اقْتَرَبَ هُوَ". حِينَئِذٍ كَشَفَ الْخَلِيفَةُ عَنْ هُوِيَّتِهِ وَأَثْنَى عَلَى عَدْلِ الْقَاضِي وَذَكَائِهِ، فَأَجَابَهُ الْقَاضِي بِتَوَاضُعٍ أَنَّ إِقْرَارَ الْعَدْلِ هُوَ أَسْمَى مُكَافَأَةٍ.