الديك المصارع
اشْتَرَى صَاحِبُ الْمَزْرَعَةِ دِيكًا جَدِيدًا، وَكَانَ شَكْلُ الدِّيكِ بَهِيًّا جَمِيلًا، وَرِيشُهُ مَنْفُوشًا جِدًّا، يَسِيرُ فِي خُيَلَاءَ وَثِقَةٍ شَدِيدَةٍ مَرْفُوعَ الْعُرْفِ، وَيَلْمَعُ الرِّيشُ الذَّهَبِيُّ الْقَلِيلُ وَسَطَ رِيشِهِ الْأَسْوَدِ الْكَثِيفِ، فَكَانَ يَبْدُو كَأَنَّهُ مَلِكٌ يَرْتَدِي تَاجًا مِنَ الذَّهَبِ.
نَظَرَتِ الْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا إِلَيْهِ فِي إِعْجَابٍ شَدِيدٍ وَانْدِهَاشٍ، وَتَسَاءَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: "هَلْ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ هَذَا دِيكًا عَادِيًّا كَبَاقِي الدِّيُوكِ الَّتِي نَعْرِفُهَا؟". قَالَتْ إِحْدَى الدَّجَاجَاتِ لِلْآخَرِينَ: "لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّهُ مُصَارِعٌ قَوِيٌّ جِدًّا، وَمَعْرُوفٌ بِشَجَاعَتِهِ النَّادِرَةِ وَبَطُولَتِهِ وَسَطَ جَمِيعِ الدِّيُوكِ".
اقْتَرَبَتِ الدَّجَاجَةُ مِنَ الدِّيكِ الْجَدِيدِ فِي مَوَدَّةٍ وَقَالَتْ لَهُ: "نَحْنُ جَمِيعًا سُعَدَاءُ جِدًّا بِقُدُومِكَ إِلَى مَزْرَعَتِنَا". فَرَدَّ عَلَيْهَا الدِّيكُ بِتَعَالٍ وَتَكَبُّرٍ قَائِلًا: "هَلْ تُنَادِينَنِي هَكَذَا مِنْ غَيْرِ أَلْقَابٍ؟ أَلَا تَعْرِفِينَ أَنَّنِي بَطَلُ مُصَارَعَةٍ مَشْهُورٌ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ يَهَابُنِي؟".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، صَاحَ كَتْكُوتٌ صَغِيرٌ كَانَ يَقِفُ قَرِيبًا مِنْهُمَا، وَأَمْسَكَ بِقَدَمِ الدِّيكِ الضَّخْمَةِ وَهُوَ يَقُولُ بِبَرَاءَةٍ: "أَرْجُوكَ، عَلِّمْنِي كَيْفَ أُصْبِحُ مُصَارِعًا مَشْهُورًا وَقَوِيًّا مِثْلَكَ؟". نَظَرَ الدِّيكُ إِلَى الْكَتْكُوتِ الصَّغِيرِ بِسُخْرِيَةٍ وَقَالَ لَهُ: "أَوْسِعِ الطَّرِيقَ أَيُّهَا الصَّغِيرُ، فَمَا زِلْتَ ضَعِيفًا جِدًّا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ".
لَمْ يَسْكُتِ الْكَتْكُوتُ الصَّغِيرُ، بَلْ قَالَ لِنَفْسِهِ: "أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مُصَارِعًا مَشْهُورًا، وَمُنْذُ قَلِيلٍ كُنْتُ خَارِجًا مِنَ الْبَيْضَةِ، وَقَدْ سَمَّتْنِي أُمِّي الدَّجَاجَةُ بِاسْمٍ جَمِيلٍ، فَهَلْ يُضْرَبُ مَنْ لَهُ اسْمٌ رَقِيقٌ؟ أَنَا كَتْكُوتٌ شُجَاعٌ أَيْضًا، وَدَائِمًا يَقُولُونَ لِي إِنَّنِي أَشْطَرُ كَتْكُوتٍ فِي الْمَزْرَعَةِ".
ثُمَّ رَمَحَ الْكَتْكُوتُ فِي الْأَرْضِ بِقَدَمِهِ الصَّغِيرَةِ وَهُوَ يَقُولُ مُفْتَخِرًا: "أَنَا بِرَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ قَوِيَّةٍ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَكْسِرَ قِشْرَةَ الْبَيْضَةِ الصَّلْبَةِ، وَخَرَجْتُ مِنْهَا وَحْدِي مِنْ غَيْرِ مُسَاعَدَةٍ مِنْ أَحَدٍ! يَبْدُو أَنَّ هَذَا الدِّيكَ مَغْرُورٌ جِدًّا، وَيَسْتَهِينُ بِقُدْرَتِي لِأَنَّنِي صَغِيرُ الْحَجْمِ".
وَمِنْ شِدَّةِ غَضَبِ الْكَتْكُوتِ، نَقَرَ قَدَمَ الدِّيكِ نَقْرَةً سَرِيعَةً، فَفَزِعَ الدِّيكُ وَصَاحَ مِنَ الْأَلَمِ، ثُمَّ أَخَذَ يُلَاحِقُ الْكَتْكُوتَ فِي أَرْجَاءِ الْمَزْرَعَةِ وَهُوَ يَصْرُخُ: "سَأُعَلِّمُكَ أَدَبَ التَّعَامُلِ مَعَ الْأَقْوِيَاءِ!". فَرَّ الْكَتْكُوتُ هَارِبًا بِسُرْعَةٍ وَاخْتَبَأَ تَحْتَ جَنَاحِ أُمِّهِ الدَّجَاجَةِ لِيَحْتَمِيَ بِهَا.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ يَنْعَمُ بِالْهُدُوءِ، هَجَمَ نَسْرٌ ضَخْمٌ وَمُخِيفٌ عَلَى الْمَزْرَعَةِ، وَوَقَفَ عَلَى غُصْنِ إِحْدَى الْأَشْجَارِ الْعَالِيَةِ يَتَرَبَّصُ بِالْفَرائِسِ. ارْتَعَبَتِ الْحَيَوَانَاتُ وَاسْتَنْجَدُوا بِالدِّيكِ "الْمُصَارِعِ" لِيَحْمِيَهُمْ، لَكِنَّ الدِّيكَ عِنْدَمَا رَأَى النَّسْرَ، تَجَمَّدَ فِي مَكَانِهِ وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُهُ فِي خَوْفٍ شَدِيدٍ وَهُوَ يَرْتَجِفُ وَيَقُولُ: "مَا هَذَا؟ إِنَّهَا مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهَا!".
حَاوَلَ الدِّيكُ أَنْ يَجْمَعَ بَقَايَا قُوَّتِهِ، فَنَفَشَ رِيشَهُ لِيَبْدُو ضَخْمًا، وَاسْتَعَدَّ لِمُوَاجَهَةِ النَّسْرِ الْمُفْتَرِسِ. طَارَ النَّسْرُ نَحْوَهُ بِسُرْعَةِ الْبَرْقِ، وَأَمْسَكَهُ بِمَخَالِبِهِ مِنْ عُرْفِهِ، وَلَكِنَّ الدِّيكَ بِمَشَقَّةٍ كَبِيرَةٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ بَيْنِ مَخَالِبِهِ، وَأَخَذَ يَجْرِي وَيَهْرُبُ بَيْنَ الْحَظَائِرِ، بَيْنَمَا ظَلَّ النَّسْرُ يُلَاحِقُهُ وَيَنْتِفُ رِيشَهُ الْأَسْوَدَ وَالذَّهَبِيَّ حَتَّى بَدَا الدِّيكُ فِي مَنْظَرٍ مُزْرٍ.
شَعَرَ الدِّيكُ بِالْخِزْيِ وَالْخَيْبَةِ أَمَامَ حَيَوَانَاتِ الْمَزْرَعَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَضْحَكُ مِنْ مَنْظَرِهِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ بَحُزْنٍ: "لَقَدْ ضَاعَتْ هَيْبَتِي وَانْكَشَفَ أَمْرِي". وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ، تَسَلَّلَ الْكَتْكُوتُ الصَّغِيرُ بِذَكَاءٍ نَحْوَ السُّورِ الْخَلْفِيِّ لِلْمَزْرَعَةِ حَيْثُ كَانَ يُوجَدُ بُوقٌ مَعْدَنِيٌّ كَبِيرٌ، فَوَقَفَ خَلْفَهُ وَأَخَذَ يَصْرُخُ فِيهِ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، فَخَرَجَتِ الْأَصْوَاتُ مِنَ الْبُوقِ مُضَخَّمَةً وَعَالِيَةً وَمُرْعِبَةً جِدًّا.
ارْتَعَدَ النَّسْرُ عِنْدَمَا سَمِعَ هَذَا الصَّوْتَ الْغَرِيبَ وَالْمُدَوِّيَ، فَظَنَّ أَنَّ خَطَرًا كَبِيرًا يَهْدِدُهُ، فَطَارَ مُبْتَعِدًا عَنِ الْمَزْرَعَةِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا أَبَدًا. حِينَهَا أَدْرَكَ الدِّيكُ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ بِالْمَظَاهِرِ فَقَطْ، وَقَرَّرَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الْكَتْكُوتِ الصَّغِيرِ كَيْفَ يَكُونُ ذَكِيًّا وَرَزِينًا، بَيْنَمَا بَدَأَ الدِّيكُ يُعَلِّمُ الْكَتْكُوتَ فُنُونَ الْمُصَارَعَةِ، وَصَارَا صَدِيقَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ.