روبِنسون كروزو

رُوبِنْسُون كُرُوزُو


وُلِدَ رُوبِنْسُون كُرُوزُو فِي مَدِينَةِ «يُورْك» الإِنْكِلِيزِيَّةِ مِنْ عَائِلَةٍ ثَرِيَّةٍ. كَانَ رُوبِنْسُون شَاباً فَتِيّاً وَجَمِيلاً، يَعْشَقُ الْمُغَامَرَاتِ وَالسَّفَرَ، وَيَحْلُمُ دَائِماً بِاكْتِشَافِ الْبِحَارِ الْبَعِيدَةِ. لِذَلِكَ قَرَّرَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يُغَادِرَ مَنْزِلَ وَالِدِهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ حَيَاةَ التَّرَفِ وَالثَّرَاءِ، وَأَنْ يَتَخَلَّى عَنْ عِيشَةِ الرَّفَاهِ كَيْ يَعِيشَ مُغَامَرَةً مُمْتِعَةً وَجَمِيلَةً. حَاوَلَ وَالِدُهُ كَثِيراً أَنْ يُثْنِيَهُ عَنْ قَرَارِهِ وَيُحَذِّرَهُ مِنْ مَخَاطِرِ الْبَحْرِ، فَاقْتَنَعَ رُوبِنْسُون بِكَلامِ أَبِيهِ لِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، لَكِنَّ نِدَاءَ الْمُغَامَرَةِ كَانَ أَقْوَى. بَعْدَهَا الْتَقَى بِصَدِيقِهِ «تَشَارْلز» الَّذِي كَانَ يَنْوِي الذَّهَابَ إِلَى لَنْدَنَ فِي إِحْدَى سُفُنِ أَبِيهِ الْكَبِيرَةِ، وَأَخَذَ يُقْنِعُ رُوبِنْسُون بِالذَّهَابِ مَعَهُ قَائِلاً لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ لَنْ تُكَلِّفَهُ شَيْئاً.

وَهَكَذَا انْطَلَقَ رُوبِنْسُون ذَاتَ يَوْمٍ، وَذَهَبَ إِلَى الْمَرْفَأِ حَيْثُ وَجَدَ تَشَارْلز بِانْتِظَارِهِ عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ. بِمُجَرَّدِ أَنْ أَبْحَرَتِ السَّفِينَةُ، أَخَذَتِ الأَمْوَاجُ تَرْتَفِعُ، فَبَدَأَ رُوبِنْسُون يَشْعُرُ بِالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ مِنْ دُوَارِ الْبَحْرِ. وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ هَدَأَ الْبَحْرُ وَسَكَنَتِ الرِّيحُ، فَشَعَرَ رُوبِنْسُون بِالطُّمَأْنِينَةِ، لَكِنَّ تَشَارْلز سَأَلَهُ بِمَرَاحٍ: كَيْفَ حَالُكَ الْيَوْمَ يَا صَدِيقِي؟ لا بُدَّ وَأَنَّكَ قَدْ شَعَرْتَ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ فِي اللَّيْلَتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ حِينَ وَاجَهَتْنَا رِيحٌ قَلِيلَةٌ. فَتَعَجَّبَ رُوبِنْسُون مِنْ وَصْفِهِ لِلْعَاصِفَةِ بِأَنَّهَا "رِيحٌ قَلِيلَةٌ".

بَقِيَ الْبَحْرُ هَادِئاً لِعِدَّةِ أَيَّامٍ، وَعِنْدَ الْمَسَاءِ حَلَّ ظَلامٌ دَامِسٌ، وَأَصْبَحَتِ الأَمْوَاجُ أَكْثَرَ ارْتِفَاعاً، وَهَبَّتْ عَاصِفَةٌ قَوِيَّةٌ أَخَافَتِ الْجَمِيعَ، وَاقْتَلَعَتِ السَّارِيَةَ الأَمَامِيَّةَ لِلسَّفِينَةِ. أَخَذَتِ السَّفِينَةُ تَهْتَزُّ وَتَتَمَايَلُ بِعُنْفٍ مَعَ الْعَاصِفَةِ، وَالْمَوْجُ مَلأَ السَّطْحَ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ الرُّعْبِ مِنْ حَنَاجِرِ الرِّجَالِ. سَادَتِ الْفَوْضَى، وَأَخَذَ الْقُبْطَانُ يَصِيحُ بِيَأْسٍ: ارْمُوا الأَمْتِعَةَ كَيْ نُخَفِّفَ ثِقْلَ السَّفِينَةِ. لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُجْدِ نَفْعاً، فَالسَّفِينَةُ بَدَأَتْ تَغْرَقُ وَتَنْزِلُ أَسْفَلَ فَأَسْفَلَ، وَالرِّجَالُ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ أَنْ يُنْقِذَهُمْ. كَانَ الْقُبْطَانُ يُحَاوِلُ إِرْسَالَ إِشَارَاتِ النَّجْدَةِ، لَكِنَّ الْعَاصِفَةَ حَطَّمَتْ جِهَازَ الإِرْسَالِ وَتَحَطَّمَتِ السَّفِينَةُ بِالْكَامِلِ بِمَنْ عَلَيْهَا.

لَمْ يَنْجُ أَحَدٌ إِلا رُوبِنْسُون الَّذِي أَسْعَفَهُ اللهُ بِقِطْعَةٍ مِنَ الْخَشَبِ طَفَا فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْهَكُ الْقُوَى. أَخَذَ يُجَدِّفُ بِيَدَيْهِ بِشَكْلٍ عِشْوَائِيٍّ فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ وَالأَمْوَاجِ الْمُخِيفَةِ، حَتَّى خَارَتْ قُوَاهُ الْجَسَدِيَّةُ. وَمَا إِنْ بَدَأَتْ خِيُوطُ الصَّبَاحِ تُشْرِقُ حَتَّى لَمَحَ مِنْ بَعِيدٍ أَرْضَ الْيَابِسَةِ، فَاسْتَجْمَعَ بَقَايَا قُوَّتِهِ وَصَارَعَ الأَمْوَاجَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الشَّاطِئِ، وَارْتَمَى عَلَى صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ غَارِقاً فِي إِغْمَاءٍ طَوِيلٍ. عِنْدَمَا اسْتَيْقَظَ، أَخَذَ يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ غَيْرَ مُصَدِّقٍ أَنَّهُ النَّاجِي الْوَحِيدُ، فَشَكَرَ اللهَ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِخَوْفٍ شَدِيدٍ لِأَنَّهُ وَحِيدٌ فِي جَزِيرَةٍ مَجْهُولَةٍ.

أَخَذَ يَمْشِي لِيَكْتَشِفَ الْمَكَانَ، فَوَجَدَ أَنَّ الْجَزِيرَةَ خَالِيَةٌ مِنْ جَمِيعِ مَظَاهِرِ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ. صُدِمَ رُوبِنْسُون، لَكِنَّ إِرَادَتَهُ الْقَوِيَّةَ جَعَلَتْهُ يَخْتَارُ الْحَيَاةَ، فَقَرَّرَ التَّعَايُشَ مَعَ هَذَا الْوَاقِعِ. بَدَأَ بِجَمْعِ الأَخْشَابِ وَالأَغْصَانِ لِيَبْنِيَ كُوخاً صَغِيراً. وَسَاعَدَهُ الْحَظُّ حِينَ وَجَدَ حُطَامَ سَفِينَةٍ قُرْبَ الشَّاطِئِ، فَأَخَذَ مِنْهَا مَا يَلْزَمُهُ لِلْبِنَاءِ وَالأَدَوَاتِ. اسْتَغْرَقَ بِنَاءُ الْكُوخِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، كَانَ يَنَامُ خِلالَهَا فَوْقَ شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ خَوْفاً مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُفْتَرِسَةِ. كَانَ يَصْطَادُ السَّمَكَ يَوْمِيّاً لِيَسُدَّ جُوعَهُ، وَيُوقِدُ النَّارَ لِلتَّدْفِئَةِ وَلِإِخَافَةِ الْوُحُوشِ.

مَضَتْ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ بِأَمَانٍ، حَتَّى هَبَّتْ عَاصِفَةٌ هَدَمَتْ جُزْءاً مِنْ كُوخِهِ، وَأُصِيبَ رُوبِنْسُون بِحُمَّى شَدِيدَةٍ جَعَلَتْهُ يُصَارِعُ الْمَوْتَ لِثَلاثَةِ أَيَّامٍ. رَأَى فِي مَنَامِهِ وَالِدَيْهِ وَهُمَا يَبْكِيَانِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ شُفِيَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ بِفَضْلِ اللهِ. بَعْدَ ذَلِكَ بِفَتْرَةٍ، بَدَأَ يَسْمَعُ أَصْوَاتاً غَرِيبَةً وَمُخِيفَةً تُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْبَشَرِ، وَوَجَدَ بَقَايَا عِظَامٍ بَشَرِيَّةٍ عَلَى الشَّاطِئِ، فَأَدْرَكَ أَنَّ هُنَاكَ "آكِلِي لُحُومِ الْبَشَرِ" يَزُورُونَ الْجَزِيرَةَ.

فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، تَهَيَّأَ رُوبِنْسُون بِبُنْدُقِيَّتِهِ الَّتِي وَجَدَهَا فِي الْحُطَامِ، وَرَأَى أُولَئِكَ الْمُتَوَحِّشِينَ يَسْتَعِدُّونَ لِأَكْلِ سَجِينٍ. أَطْلَقَ رُوبِنْسُون طَلْقَةً فِي الْهَوَاءِ، فَفَزِعُوا وَهَرَبُوا، وَتَرَكُوا الرَّجُلَ الثَّالِثَ حَيّاً. أَنْقَذَهُ رُوبِنْسُون، وَسَمَّى الرَّجُلَ نَفْسَهُ «فْرَايِدَاي» (الْجُمُعَةَ)، وَتَعَاهَدَ أَنْ يَكُونَ خَادِمَهُ الْمُخْلِصَ. عَاشَا مَعاً لِسَنَوَاتٍ، يَحْمِيَانِ بَعْضَهُمَا وَيُفَكِّرَانِ فِي الْهَرَبِ.

فِي لَيْلَةٍ مَا، هَجَمَ أَسَدٌ ضَارٍ عَلَى كُوخِهِمَا بَعْدَ أَنْ أَطْفَأَتِ الْعَاصِفَةُ النَّارَ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِيهِمَا. دَارَتْ مَعْرَكَةٌ عَنِيفَةٌ، طَعَنَ فِيهَا فْرَايِدَاي الأَسَدَ، وَتَمَكَّنَ رُوبِنْسُون مِنْ قَتْلِهِ بِرَصَاصَةٍ فِي رَقَبَتِهِ بَعْدَ مُحَاوَلَةٍ فَاشِلَةٍ. وَبَعْدَ عِشْرِينَ عَاماً مِنَ الْعُزْلَةِ، مَرَّتْ سَفِينَةٌ كَبِيرَةٌ أَنْقَذَتْهُمَا وَأَعَادَتْهُمَا إِلَى الْوَطَنِ. عَادَ رُوبِنْسُون لِيَجِدَ وَالِدَيْهِ قَدْ تَوَفِّيَا، لَكِنَّهُ بَدَأَ حَيَاةً جَدِيدَةً مُسْتَعِدّاً لِبِنَاءِ أُسْرَةٍ تَعِيشُ بِأَمَانٍ وَسَعَادَةٍ بَعْدَ تِلْكَ الرِّحْلَةِ الشَّاقَّةِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم