الأرنب والعصفورة
كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي مَنْزِلٍ صَغِيرٍ دَافِئٍ، يَعِيشُ أَرْنَبٌ صَغِيرٌ مَعَ أُمِّهِ الرَّؤُوفِ.
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، شَعَرَ الْأَرْنَبُ الصَّغِيرُ بِرَغْبَةٍ شَدِيدَةٍ فِي الِاكْتِشَافِ، فَتَوَجَّهَ إِلَى أُمِّهِ قَائِلًا: «أَرِيدُ يَا أُمِّي أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْبَيْتِ لِأَلْعَبَ».
لَكِنَّ الْأُمَّ الْحَكِيمَةَ، الَّتِي تَعْرِفُ مَخَاطِرَ الْغَابَةِ، نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِحَنَانٍ وَحَذَّرَتْهُ قَائِلَةً: «حَذَارِ يَا بُنَيَّ، حَتَّى لَا يَأْكُلَكَ الذِّئْبُ».
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، اضْطُرَّتِ الْأَرْنَبَةُ الْأُمُّ لِلْخُرُوجِ لِتَشْتَرِيَ حَاجَاتِ الْبَيْتِ الضَّرُورِيَّةِ، وَتَرَكَتِ الصَّغِيرَ وَحِيدًا بَعْدَ أَنْ أَوْصَتْهُ بِالْبَقَاءِ.
جَلَسَ الْأَرْنَبُ فِي غُرْفَتِهِ، لَكِنَّ عَقْلَهُ كَانَ يَسْرَحُ بَعِيدًا فِي الْحَقْلِ الْفَسِيحِ، يَتَخَيَّلُ جَمَالَ الْوَرْدِ، وَطَعْمَ الْخَسِّ اللَّذِيذِ، وَحَلَاوَةَ الْجَزَرِ.
لَمْ يَسْتَطِعِ الْأَرْنَبُ مُقَاوَمَةَ فُضُولِهِ، فَلَمْ يُطِقِ الْبَقَاءَ حَبِيسَ الْجُدْرَانِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَعْصِيَ أَمْرَ أُمِّهِ وَيَخْرُجَ.
بَيْنَمَا كَانَ يَهُمُّ بِالِابْتِعَادِ، رَأَتْهُ عُصْفُورَةٌ طَيِّبَةٌ، فَنَادَتْهُ مُشْفِقَةً: «ادْخُلْ يَا أَرْنُوب، حَتَّى لَا يَخْطَفَكَ الذِّئْبُ».
لَكِنَّ الْأَرْنَبَ الْمَغْرُورَ بِنَفْسِهِ رَدَّ عَلَيْهَا بِتَكَبُّرٍ: «وَمَا شَأْنُكِ أَنْتِ أَيَّتُهَا الْعُصْفُورَةُ الصَّغِيرَةُ؟».
أَجَابَتْهُ الْعُصْفُورَةُ بِهُدُوءٍ: «صَحِيحٌ أَنَا صَغِيرَةُ الْجِسْمِ، وَلَكِنِّي أَكْبَرُ مِنْكَ فِي السِّنِّ، وَأَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْكَ».
لَمْ يُبَالِ الْأَرْنَبُ بِنَصِيحَتِهَا، وَرَاحَ يَقْفِزُ بَيْنَ الْأَعْشَابِ مَسْرُورًا بِيَوْمِهِ.
وَفَجْأَةً، ظَهَرَ لَهُ الذِّئْبُ الْمَاكِرُ، وَبِابْتِسَامَةٍ مُزَيَّفَةٍ سَأَلَهُ: «إِلَى أَيْنَ أَنْتَ ذَاهِبٌ أَيُّهَا الْأَرْنَبُ اللَّطِيفُ؟».
أَجَابَ الصَّغِيرُ بِبَرَاءَةٍ: «أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى الْحَقْلِ». ضَحِكَ الذِّئْبُ ضِحْكَةً خَبِيثَةً وَقَالَ: «إِذَنْ تَعَالَ مَعِي فَإِنَّ عِنْدِي أَجْمَلَ حَقْلٍ»، فَانْخَدَعَ الْأَرْنَبُ وَسَارَ مَعَهُ وَهُوَ غَارِقٌ فِي فَرَحِهِ.
رَأَتِ الْعُصْفُورَةُ هَذَا الْمَشْهَدَ الْمُخِيفَ، فَطَارَتْ فَوْقَهُمَا وَصَرَخَتْ: «ارْجِعْ يَا أَرْنُوب، فَإِنَّ الذِّئْبَ سَيَأْكُلُكَ!».
لَكِنَّ الْأَرْنَبَ الَّذِي أَعْمَاهُ الطَّمَعُ صَاحَ بِهَا: «لَا شَأْنَ لَكِ بِي».
وَصَلَ الِاثْنَانِ إِلَى حَقْلِ الذِّئْبِ، وَيَا لَلْعَجَبِ! كَانَ مَلِيئًا بِالْوُرُودِ وَالْخَسِّ وَالْجَزَرِ وَالْكُرُنْبِ، فَرُاحَ الْأَرْنَبُ يَأْكُلُ وَيَلْعَبُ دُونَ حَذَرٍ.
ثُمَّ قَالَ الذِّئْبُ بِمَكْرٍ: «تَعَالَ مَعِيَ الْآنَ لِنَرَى دَاخِلَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ فِيهِ أَشْيَاءَ جَمِيلَةً».
قَفَزَ الْأَرْنَبُ خَلْفَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الذِّئْبِ.
بَدَأَ الْأَرْنَبُ يَتَفَحَّصُ الْمَكَانَ وَيُقَارِنُهُ بِمَنْزِلِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ عِنْدَكَ كُرْسِيًّا مِثْلَ الَّذِي عِنْدَنَا»، فَأَجَابَهُ الذِّئْبُ: «نَعَمْ، لِأَجْلِسَ عَلَيْهِ».
ثُمَّ قَالَ: «وَعِنْدَكَ سَرِيرٌ أَيْضًا»، فَرَدَّ الذِّئْبُ: «نَعَمْ، لِأَنَامَ عَلَيْهِ».
وَحِينَمَا وَقَعَ نَظَرُ الْأَرْنَبِ عَلَى مَوْقِدٍ وَوِعَاءٍ فِيهِ مَاءٌ يَغْلِي، سَأَلَ عَنْهُمَا، فَكَشَّرَ الذِّئْبُ عَنْ أَنْيَابِهِ الطَّوِيلَةِ وَقَالَ بَصَوْتٍ مُرْعِبٍ: «نَعَمْ، لِأَسْلُقَ فِيهِ لَحْمَكَ، وَآكُلَكَ!».
ارْتَجَفَ الْأَرْنَبُ مِنَ الْفَزَعِ، وَأَدْرَكَ خَطَأَهُ الْفَادِحَ، فَبَكَى مُرًّا وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «لَيْتَنِي سَمِعْتُ كَلَامَ أُمِّي، وَكَلَامَ الْعُصْفُورَةِ الصَّغِيرَةِ».
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ، سَمِعَ صَوْتَ أُمِّهِ الْحَنُونَ تُنَادِيهِ مِنَ الْخَارِجِ، فَانْتَفَضَ وَقَفَزَ مُسْرِعًا نَحْوَ الْبَابِ.
جَرَى الذِّئْبُ خَلْفَهُ بِكُلِّ قُوَّتِهِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ سَقَطَ فِي حُفْرَةٍ عَمِيقَةٍ كَانَتِ الْأَرْنَبَةُ الْأُمُّ قَدْ حَفَرَتْهَا لَهُ بِذَكَاءٍ.
وَهَكَذَا نَجَا الْأَرْنَبُ، وَشَكَرَتِ الْأُمُّ الْعُصْفُورَةَ الَّتِي حَذَّرَتْهَا، ثُمَّ عَادَتْ تُوَبِّخُ صَغِيرَهَا لِيَتَعَلَّمَ أَنَّ فِي سَمَاعِ كَلَامِ الْكِبَارِ النَّجَاةَ وَالْأَمَانَ.