بِيتَر بَان
فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ مَدِينَةِ لَنْدَنَ الْجَمِيلَةِ، كَانَتِ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ «وِينْدِي دَارْلِينغ» ذَاتُ الْعَيْنَيْنِ الْخَضْرَاوَيْنِ الْوَاسِعَتَيْنِ تَجْلِسُ كُلَّ مَسَاءٍ لِتَقُصَّ عَلَى أَخَوَيْهَا الصَّغِيرَيْنِ «مَايكِل» وَ«جُون» حِكَايَاتٍ مَلِيئَةً بِالسِّحْرِ وَالْخَيَالِ.
كَانَتْ تُحَدِّثُهُمَا عَنْ سِنْدِرِيلَا وَالْأَمِيرِ، وَعَنْ سْنُووَايْت، وَعَنْ مُغَامَرَاتِ الْقَرَاصِنَةِ وَالْهُنُودِ الْحُمْرِ فِي أَرْضِ الْأَحْلَامِ.
لَكِنَّ أَجْمَلَ قِصَصِهَا كَانَتْ عَنِ الطِّفْلِ الْأُعْجُوبَةِ «بِيتَر بَان»، ذَلِكَ الْفَتَى الَّذِي هَرَبَ مِنْ عَالَمِ الْبَشَرِ إِلَى «أَرْضِ الْأَبَدِيَّةِ» لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى صَغِيراً لَا يَكْبَرُ أَبَداً.
كَانَتْ «وِينْدِي» مُعْجَبَةً جِدّاً بِبِيتَر بَان؛ فَهِيَ تَرَاهُ فَتًى مُذْهِلًا، مُهَذَّبًا وَشُجَاعًا، اخْتَارَ الْعَيْشَ بَعِيداً لِيُحَافِظَ عَلَى بَرَاءَةِ طُفُولَتِهِ.
وَفِي لَيْلَةٍ هَادِئَةٍ، بَعْدَ أَنْ أَنْهَتْ «وِينْدِي» حِكَايَتَهَا وَنَامَ أَخَوَاهَا، حَدَثَتِ الْمُفَاجَأَةُ.
لَقَدْ ظَهَرَ «بِيتَر بَان» بِنَفْسِهِ، وَبِصُحْبَتِهِ الْجِنِّيَّةُ الصَّغِيرَةُ «تِينْكَرْبِل» الَّتِي لَا تُفَارِقُهُ أَبَداً.
دَخَلَ «بِيتَر» مِنَ النَّافِذَةِ الْمَفْتُوحَةِ لِغُرْفَةِ النَّوْمِ، فَقَدْ كَانَ يُلَاحِقُ ظِلَّهُ الَّذِي هَرَبَ مِنْهُ.
اسْتَيْقَظَتْ «وِينْدِي» لِتَجِدَ بَطَلَ قِصَصِهَا حَقِيقَةً أَمَامَ عَيْنَيْهَا.
أَخْبَرَهَا «بِيتَر» أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي دَائِماً لِيَقِفَ تَحْتَ نَافِذَتِهَا وَيَسْتَمِعَ إِلَى قِصَصِهَا الْمُشَوِّقَةِ، ثُمَّ يَعُودَ لِيَرْوِيَهَا لِلْأَوْلَادِ التَّائِهِينَ فِي «أَرْضِ الْأَبَدِيَّةِ».
تَعَلَّقَ قَلْبُ «بِيتَر» بِـ «وِينْدِي»، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تُرَافِقَهُ لِتَعِيشَ مَعَهُ فِي أَرْضِهِ السِّحْرِيَّةِ، حَيْثُ تَقَعُ عِنْدَ النَّجْمَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْيَمِينِ مِنْ سَمَاءِ لَنْدَنَ.
تَرَدَّدَتْ «وِينْدِي» قَلِيلًا خَوْفاً عَلَى أَخَوَيْهَا، لَكِنَّ «بِيتَر» طَمْأَنَهَا بِأَنَّهُمَا يُمْكِنُهُمَا الْقُدُومُ مَعَهَا.
وَبِكُلِّ حَمَاسٍ، نَثَرَ «بِيتَر» غُبَارَ الْجِنِّيَّاتِ السِّحْرِيَّ عَلَى «وِينْدِي» وَأَخَوَيْهَا، فَارْتَفَعُوا جَمِيعاً فِي الْهَوَاءِ وَطَارُوا عَبْرَ السَّمَاءِ نَحْوُ النَّجْمَةِ الْبَعِيدَةِ.
لَكِنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَكُنْ خَالِيَةً مِنَ الْمَتَاعِبِ، فَقَدِ اشْتَعَلَتِ الْغَيْرَةُ فِي قَلْبِ الْجِنِّيَّةِ «تِينْكَرْبِل» بِسَبَبِ حُبِّ «بِيتَر» لِـ «وِينْدِي».
سَبَقَتْهُمْ «تِينْكَرْبِل» إِلَى «أَرْضِ الْأَبَدِيَّةِ» وَخَدَعَتِ الْأَوْلَادَ التَّائِهِينَ بِقَوْلِهَا إِنَّ عِمْلَاقاً شِرِّيراً قَادِمٌ لِأَذِيَّتِهِمْ. صَدَّقَهَا الْأَوْلَادُ وَرَشَقُوا «وِينْدِي» بِالْحِجَارَةِ فَأُصِيبَتْ، لَكِنَّ «بِيتَر» سَارَعَ لِحِمَايَتِهَا.
وَبَعْدَ أَنْ عَرَفَ الْأَوْلَادُ الْحَقِيقَةَ، أَحَبُّوا «وِينْدِي» وَأَدْرَكُوا أَنَّهَا صَدِيقَةٌ طَيِّبَةٌ.
ازْدَادَ غَضَبُ «تِينْكَرْبِل» وَابْتَعَدَتْ، لِيَقُومَ الْقُرْصَانُ الشِّرِّيرُ «الْكَابْتِن هُوك» -عَدُوُّ «بِيتَر» اللَّدُودُ- بِاخْتِطَافِهَا لِيَنْتَقِمَ مِنْ خَصْمِهِ.
اسْتَغَلَّ «هُوك» غَيْرَةَ الْجِنِّيَّةِ وَجَعَلَهَا تُخْبِرُهُ عَنْ مَكَانِ مَنْزِلِ «بِيتَر» السِّرِّيِّ، ثُمَّ قَامَ بِاخْتِطَافِ «وِينْدِي» وَأَحْضَرَهَا إِلَى سَفِينَتِهِ.
عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ تُصْبِحَ قُرْصَانَةً تَرْوِي الْقِصَصَ لِرِجَالِهِ، فَتَظَاهَرَتْ بِالتَّفْكِيرِ لِتَكْسِبَ الْوَقْتَ.
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كَانَ «هُوك» قَدْ تَبِعَ خُطَاهَا بِسِرِّيَّةٍ حَتَّى عَرَفَ مَكَانَ مَخْبَأِ «بِيتَر».
ذَاتَ يَوْمٍ، وَبَعْدَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، خَرَجَ الْجَمِيعُ لِلَّعِبِ بَيْنَمَا بَقِيَ «بِيتَر» نَائِماً لِتَعَبِهِ.
قَبْلَ رَحِيلِهَا، وَضَعَتْ لَهُ «وِينْدِي» قَطَرَاتِ مَاءٍ عَذْبٍ فِي وَرْدَةٍ حَمْرَاءَ لِتَكُونَ «قَطَرَاتِ الْحَيَاةِ».
دَخَلَ «هُوك» خِلْسَةً وَوَضَعَ سُمّاً قَاتِلًا فِي تِلْكَ الْقَطَرَاتِ وَرَحَلَ وَهُوَ يَضْحَكُ.
اسْتَنْجَدَتْ «وِينْدِي» بِالْجِنِّيَّةِ «تِينْكَرْبِل» لِإِنْقَاذِ «بِيتَر»، فَطَارَتِ الْجِنِّيَّةُ وَتَلَقَّتِ السُّمَّ بَدَلًا عَنْهُ.
بَكَى «بِيتَر» حُزْناً عَلَيْهَا، وَبَيْنَمَا كَانَ يَحْتَضِنُهَا، بَدَأَ نُورُهَا السِّحْرِيُّ يَشِعُّ مِنْ جَدِيدٍ حَتَّى نَجَتْ مِنَ الْمَوْتِ.
انْطَلَقَ «بِيتَر» وَ«تِينْكَرْبِل» مَعاً وَخَاضُوا مَعْرَكَةً شُجَاعَةً ضِدَّ «هُوك» وَقَرَا صِنَتِهِ، وَنَجَحُوا فِي إِنْقَاذِ «وِينْدِي» وَالْأَوْلَادِ.
بَعْدَ هَذَا الِانْتِصَارِ، اشْتَاقَتْ «وِينْدِي» لِمَنْزِلِهَا فِي لَنْدَنَ وَقَرَّرَتِ الْعَوْدَةَ. حَزِنَ «بِيتَر» كَثِيراً، وَرَغْمَ حُبِّهِ لَهَا، رَفَضَ الرَّحِيلَ مَعَهَا لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَكْبَرَ كَالْبَشَرِ.
وَدَّعَهَا بِهَمْسٍ رَقِيقٍ طَالِباً مِنْهَا أَنْ تَتْرُكَ نَافِذَتَهَا مَفْتُوحَةً لِيَزُورَهَا دَائِماً وَيَسْمَعَ حِكَايَاتِهَا.
عَادَتْ «وِينْدِي» وَكَبِرَتْ وَأَصْبَحَتْ أُمّاً، بَيْنَمَا بَقِيَ «بِيتَر بَان» طِفْلًا بَرِيئاً فِي أَرْضِ الْأَبَدِيَّةِ، يَعِيشُ بَيْنَ أَحْلَامِهِ، مُذَكِّراً إِيَّانَا بِأَنَّ الْحَيَاةَ لِقَاءٌ وَفِرَاقٌ.