الدَّجَاجَةُ الذَّكِيَّةُ
كَانَتْ هُنَاكَ دَجَاجَةٌ مَغْرُورَةٌ مُعْجَبَةٌ بِصَوْتِهَا كَثِيرًا، فَهِيَ تَقْضِي يَوْمَهَا كُلَّهُ فِي الغِنَاءِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ قَائِلَةً: "كَاكْ.. كَاكْ" دُونَ أَنْ تَتَوَقَّفَ لَحْظَةً وَاحِدَةً. وَبِسَبَبِ هَذَا الضَّجِيجِ، كَانَتْ جَمِيعُ الدَّجَاجَاتِ فِي المَزْرَعَةِ مُسْتَاءَاتٍ جِدًّا مِنْ غِنَائِهَا الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا فِي الحَقِيقَةِ كَانَ قَبِيحًا وَمُزْعِجًا لِلْغَايَةِ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، اقْتَرَبَ ثَعْلَبٌ مَكَّارٌ مِنَ الدَّجَاجَةِ، وَبَدَأَ يَرْقُصُ أَمَامَهَا طَرَبًا وَهُوَ يَتَظَاهَرُ بِالاِسْتِمْتَاعِ. قَالَ لَهَا الثَّعْلَبُ بِخُبْثٍ: "إِنَّ صَوْتَكِ يَا عَزِيزَتِي هُوَ أَجْمَلُ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ فِي العَالَمِ كُلِّهِ". وَلِأَنَّ الغُرُورَ كَانَ قَدْ تَمَلَّكَ قَلْبَ الدَّجَاجَةِ، صَدَّقَتْ كَلَامَهُ المَعْسُولَ فَوْرًا، وَسَمَحَتْ لَهُ بِالاِقْتِرَابِ مِنْهَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ. طَلَبَ مِنْهَا الثَّعْلَبُ أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي الغِنَاءِ لِيَسْتَمْتِعَ بِلَحْنِهَا، وَبَيْنَمَا كَانَتْ هِيَ غَارِقَةً فِي غُرُورِهَا، انْقَضَّ عَلَيْهَا فَجْأَةً وَقَامَ بِرَبْطِهَا بِإِحْكَامٍ.
بَعْدَ أَنْ وَقَعَتِ الدَّجَاجَةُ فِي الأَسْرِ، قَالَ الثَّعْلَبُ بِطَمَعٍ: "الآنَ أُرِيدُ أَنْ أَصِيدَ بَقِيَّةَ الدَّجَاجِ أَيْضًا". هُنَا، بَدَأَتِ الدَّجَاجَةُ تُفَكِّرُ بِسُرْعَةٍ فِي حِيلَةٍ لِتُنْقِذَ نَفْسَهَا وَصَدِيقَاتِهَا. قَالَتْ لِلثَّعْلَبِ: "أَيُّهَا الثَّعْلَبُ، أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَنْتَقِمَ مِنْ بَقِيَّةِ الدَّجَاجِ لِأَنَّهُنَّ يَسْخَرْنَ مِنِّي دَائِمًا عِنْدَمَا أُغَنِّي، لِذَلِكَ سَأُسَاعِدُكَ لِتَأْكُلَهُنَّ جَمِيعًا دُفْعَةً وَاحِدَةً".
فَرِحَ الثَّعْلَبُ كَثِيرًا وَسَأَلَهَا بِحَمَاسٍ: "وَكَيْفَ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّتُهَا الدَّجَاجَةُ المُدْهِشَةُ؟". فَأَجَابَتْهُ الدَّجَاجَةُ بِذَكَاءٍ: "عَلَيْكَ أَنْ تَقِفَ وَتُغَنِّيَ بِأَعْلَى صَوْتِكَ وَأَنْتَ مُغْمِضُ العَيْنَيْنِ تَمَامًا؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الدَّجَاجِ يُحْبِبْنَ الغِنَاءَ، وَسَوْفَ يَأْتِينَ إِلَيْكَ وَهُنَّ يَرْقُصْنَ طَرَبًا، وَحِينَهَا يُمْكِنُكَ الإِمْسَاكُ بِهِنَّ بِسُهُولَةٍ". أُعْجِبَ الثَّعْلَبُ بِالفِكْرَةِ، وَبَدَأَ بِالغِنَاءِ بِصَوْتٍ عَالٍ وَهُوَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ.
سَمِعَتِ الدَّجَاجَاتُ صَوْتَ الثَّعْلَبِ، فَعَرَفْنَ أَنَّ هُنَاكَ خَطَرًا يُهَدِّدُ صَدِيقَتَهُنَّ. هَجَمَتِ الدَّجَاجَاتُ كُلُّهُنَّ عَلَى الثَّعْلَبِ كَأَنَّهُنَّ جَيْشٌ وَاحِدٌ، وَبَدَأْنَ بِضَرْبِهِ وَالنَّقْرِ فِيهِ حَتَّى قَفَزَ مِنْ مَكَانِهِ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ. فَرَّ الثَّعْلَبُ هَارِبًا وَهُوَ يَجُرُّ أَذْيَالَ الخَيْبَةِ، بَيْنَمَا قَامَتِ الدَّجَاجَاتُ بِتَحْرِيرِ صَدِيقَتِهِنَّ وَهُنَّ يَقُلْنَ لَهَا: "حَقًّا، إِنَّ ذَكَاءَكِ هُوَ الَّذِي أَنْقَذَنَا جَمِيعًا مِنْ خَطَرِ هَذَا الثَّعْلَبِ".
أَمَّا الثَّعْلَبُ، فَقَدْ كَانَ يَتَلَوَّى مِنَ الأَوْجَاعِ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى عُكَّازَاتٍ، وَقَالَ بِنَدَمٍ: "لَقَدْ أَصْبَحْتُ أُضْحُوكَةً فِي عَالَمِ الثَّعَالِبِ بَعْدَ أَنْ خَدَعَتْنِي الدَّجَاجَةُ بِذَكَائِهَا".
