امْتِحَانُ تَجْرِبَةٍ

امْتِحَانُ تَجْرِبَةٍ

عَمْرٌو تِلْمِيذٌ بِالصَّفِّ الْخَامِسِ الِابْتِدَائِيِّ، وَكَانَ عَمْرٌو مِنْ أَلْمَعِ وَأَشْهَرِ التَّلَامِيذِ فِي مَدْرَسَتِهِ، فَمُنْذُ الْتِحَاقِهِ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَتَرْتِيبُهُ الْأَوَّلُ عَلَى زُمَلَائِهِ.

وَلِذَا كَانَ مُدِيرُ الْمَدْرَسَةِ وَالْمُدَرِّسُونَ يُحِبُّونَهُ وَيَحْتَرِمُونَهُ، وَدَائِماً مَا يُقَرِّبُونَهُ مِنْهُمْ يَتَبَادَلُونَ مَعَهُ الْحِوَارَ، وَيَتَجَاذَبُونَ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ.

وَكَانَ عَمْرٌو مَصْدَرَ فَخْرٍ لِأُسْرَتِهِ، كَمَا كَانَ مَحْبُوباً لَدَى أَقْرِبَائِهِ وَجِيرَانِهِ، وَكَانُوا كُلَّ عَامٍ يُقَدِّمُونَ لَهُ الْهَدَايَا الَّتِي يَعْتَزُّ بِهَا، حَتَّى إِنَّهُ اشْتَرَى  «دُولَاباً» صَغِيراً لِيَحْتَفِظَ فِيهِ بِتِلْكَ الْهَدَايَا، الَّتِي يَعُدُّهَا مِنْ أَعَزِّ ذِكْرَيَاتِهِ.

وَكَمَا يُقَالُ: دَوَامُ الْحَالِ مِنَ الْمُحَالِ، إِذْ يَحْدُثُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ، مَا الَّذِي حَدَثَ يَا تَرَى؟ لَقَدْ تَبَدَّلَ حَالُ عَمْرٍو بِمَا يُثِيرُ الْعَجَبَ.

إِذْ يَدَعُ كُتُبَهُ جَانِباً، وَلَا يَسْتَمِرُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَمُرَاجَعَةِ الدُّرُوسِ. وَكَانَ كُلَّمَا يَفْتَحُ كِتَاباً يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إنَّنِي أَعْرِفُ كُلَّ مَا بِالْكِتَابِ، فَلِمَاذَا أُذَاكِرُ وَأُتْعِبُ نَفْسِي، كَفَى اسْتِذْكَاراً، فَقَدْ ذَاكَرْتُ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. هَكَذَا فَكَّرَ عَمْرٌو، وَهَكَذَا تَبَدَّلَ حَالُهُ، حَتَّى إِنَّ عَاَدِلَ جَارَهُمْ وَزَمِيلَهُ فِي الْفَصْلِ، انْقَطَعَ عَنِ الذَّهَابِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِذْكَارِ مَعَهُ حِينَ وَقَفَ عَلَى تَفْكِيرِ صَدِيقِهِ وَرَأْيِهِ، وَعَكَفَ عَادِلٌ يَسْتَذْكِرُ دُرُوسَهُ فِي بَيْتِهِ. اقْتَنَعَ عَمْرٌو بِمَا فَكَّرَ فِيهِ، وَمَا قَرَّرَهُ، وَقَدْ شَعَرَ بِطُولِ وَقْتِ فَرَاغِهِ، فَانْطَلَقَ فِي لَعِبِهِ وَلَهْوِهِ مَعَ أَقْرَانِهِ فِي الشَّارِعِ. وَكَانَ يَسْتَمِرُّ فِي لَعِبِهِ سَاعَاتٍ، وَحِينَ يَلْحَقُ بِهِ التَّعَبُ يَعُودُ إِلَى مَنْزِلِهِ، يُشَاهِدُ بَرَامِجَ التِّلِفِزْيُونِ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ عَشَاءَهُ، وَمَا يَلْبَثُ أَنْ يَقُومَ إِلَى فِرَاشِهِ لِيَغُطَّ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ.

إِضَافَةً إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ حَالُ عَمْرٍو، فَقَدْ أَصَابَهُ الْغُرُورُ، فَقَدْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ زُمَلَائِهِ، فَانْبَرَى يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ، وَيَتَرَفَّعُ عَنْ مُحَادَثَتِهِمْ، أَوْ مُصَاحَبَتِهِمْ، أَوْ مُشَارَكَتِهِمْ فِي أَنْشِطَةِ الْمَدْرَسَةِ، حَتَّى الْأَنْشِطَةُ الثَّقَافِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ نَأَى بِنَفْسِهِ عَنْهَا. وَكَانَ دَائِماً مَا يُرَدِّدُ فِي نَفْسِهِ: كَيْفَ أَتَعَامَلُ مَعَ أُولَئِكَ الزُّمَلَاءِ، إِنَّنِي الْأَوَّلُ عَلَى الْمَدْرَسَةِ كُلَّ عَامٍ، وَإِنَّنِي أَحْسَنُ التَّلَامِيذِ وَأَفْضَلُهُمْ جَمِيعاً، فَكَيْفَ أُصَاحِبُهُمْ، وَأَهْبِطُ بِشَخْصِي إِلَى مُسْتَوَاهُمْ؟ كَيْفَ؟!. وَكَانَ لَا يَخْجَلُ أَنْ يَجْهَرَ بِذَلِكَ، وَيُعْلِنَهَا صَرِيحَةً عَلَى مَسْمَعٍ وَمَرْأَى زُمَلَائِهِ، وَلِذَا ابْتَعَدُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَوْناً، أَوْ يَقْتَرِبُوا مِنْهُ. لَقَدْ تَرَكُوهُ وَحْدَهُ بِلَا صَاحِبٍ وَبِدُونِ رَفِيقٍ، وَاسْتَمَرَّ عَمْرٌو عَلَى حَالِهِ أَيَّاماً وَأَسَابِيعَ.

وَقَدْ لَاحَظَتْ أُمُّهُ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْرَاضٍ غَرِيبَةٍ مِنْ عَدَمِ اسْتِذْكَارِهِ، وَعَدَمِ سُؤَالِ أَصْدِقَائِهِ عَنْهُ وَتَوَدُّدِهِمْ إِلَيْهِ، وَأَيْضاً انْقِطَاعِ جَارِهِمْ عَادِلٍ عَنْ زِيَارَتِهِ أَوِ الِاسْتِذْكَارِ مَعَهُ. 

اسْتَغْرَبَتِ الْأُمُّ، وَمَا لَبِثَتْ أَنْ سَأَلَتْهُ بِلَبَاقَةٍ كَعَادَتِهَا: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ صَدِيقُكَ عَادِلٌ مَرِيضاً، فَلَمْ أَرَهُ يَأْتِي لِزِيَارَتِنَا أَوْ يَحْضُرُ لِلِاسْتِذْكَارِ مَعَكَ؟. أَجَابَهَا عَمْرٌو بِدُونِ تَفْكِيرٍ: أَرَاكِ مُتَعَجِّبَةً يَا أُمِّي؟ قَالَتْ: طَبْعاً. فَقَالَ: إِنَّ عَادِلاً دُونَ مُسْتَوَايَ، فَكَيْفَ أُصَاحِبُهُ أَوْ أُذَاكِرُ مَعَهُ؟ قَالَتِ الْأُمُّ: وَلَكِنَّكَ لَا تُذَاكِرُ مُطْلَقاً. رَدَّ عَمْرٌو: أُذَاكِرُ؟! مَاذَا أُذَاكِرُ يَا أُمِّي، وَأَنَا أَعْرِفُ كُلَّ مَا بِالْكُتُبِ؟! فَقَالَتْ: وَلَوْ.. لَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ الدُّرُوسِ حَتَّى لَا تَنْسَاهَا. فَأَجَابَ: وَكَيْفَ أَنْسَاهَا يَا أُمِّي؟.. عُمُوماً سَأُرَاجِعُهَا قَبْلَ الِامْتِحَانِ.

وَلَا يُغَيِّرُ عَمْرٌو مَوْقِفَهُ، مَاضِياً فِي غُرُورِهِ، حِينَ كَانَ عَادِلٌ مُسْتَمِرّاً فِي مُذَاكَرَتِهِ الْيَوْمِيَّةِ وَمُواظِباً عَلَيْهَا بِدُونِ أَنْ يُضَيِّعَ وَقْتَهُ فِي اللَّعِبِ، وَكَانَتْ أُمْنِيَتُهُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِمُسْتَوَاهُ لِيَكُونَ قَرِيباً مِنْ رَفِيقِهِ وَصَدِيقِهِ عَمْرٍو. انْقَضَتْ أَيَّامُ إِجَازَةِ نِصْفِ السَّنَةِ، وَعَادَ التَّلَامِيذُ لِيَنْتَظِمُوا فِي دُرُوسِهِمْ، وَكَانَتْ إِدَارَةُ الْمَدْرَسَةِ قَدِ ارْتَأَتْ ضَرُورَةَ عَقْدِ امْتِحَانِ تَجْرِبَةٍ لِتَلَامِيذِ الصَّفِّ الْخَامِسِ، لِيَقِفَ التَّلَامِيذُ عَلَى مُسْتَوَاهُمُ الدِّرَاسِيِّ، فَيُواصِلَ الْمُتَفَوِّقُونَ اجْتِهَادَهُمْ، وَيَقِفَ الضُّعَفَاءُ عَلَى نِقَاطِ ضَعْفِهِمْ، وَتَكُونَ فُرْصَتُهُمْ لِأَنْ يَلْحَقُوا بِأَقْرَانِهِمْ. وَبِالْفِعْلِ أَعْلَنَتِ الْمَدْرَسَةُ عَنْ ذَلِكَ الِامْتِحَانِ، وَحَدَّدَتْ أَيَّامَهُ عَلَى نَمَطِ امْتِحَانِ آخِرِ الْعَامِ، كَمَا قَرَّرَتِ الْإِدَارَةُ مَنْحَ جَوَائِزَ لِلثَّلَاثَةِ الْأَوَائِلِ.

سُرَّ عَمْرٌو لِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَالَ مُحَدِّثاً نَفْسَهُ: الْجَائِزَةُ الْأُولَى لِي أَنَا، فَأَنَا أَوَّلُ الْمُتَفَوِّقِينَ فِي الِامْتِحَانِ، أَلَمْ أَكُنْ ذَلِكَ طِيلَةَ الْأَعْوَامِ السَّابِقَةِ؟. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ عَادِلٌ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ضِمْنَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ.. وَمَضَى عَمْرٌو فِي غَيِّهِ وَغُرُورِهِ مُوَاصِلاً لَعِبَهُ وَلَهْوَه، فِي حِينَ كَانَ عَادِلٌ مَاضِياً فِي مُذَاكَرَتِهِ لَا يُضَيِّعُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً فِي اللَّعِبِ.. حَتَّى حَانَ مَوْعِدُ الِامْتِحَانِ. الْيَوْمُ الْأَوَّلُ: امْتِحَانُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. كَانَ عَمْرٌو جَالِساً فِي تَكَبُّرِهِ وَخُيَلَائِهِ، وَبَاقِي الزُّمَلَاءِ يَسْتَشْعِرُونَ الرَّهْبَةَ وَخَاصَّةً «عَادِل». وَقَامَ الْأُسْتَاذُ بِتَوْزِيعِ أَوْرَاقِ الْأَسْئِلَةِ، وَسُرْعَانَ مَا انْهَمَكَ التَّلَامِيذُ فِي قِرَاءَةِ الْأَسْئِلَةِ، ثُمَّ أَمْسَكَ كُلُّ تِلْمِيذٍ قَلَمَهُ، وَبَدَأُوا فِي الْإِجَابَةِ عَلَيْهَا فِي سَلَامَةٍ.. إِلَّا عَمْرًا!.

فَقَدْ قَرَأَ السُّؤَالَ الْأَوَّلَ، وَحَاوَلَ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُحَرِّكِ الْقَلَمَ عَلَى وَرَقَةِ الْإِجَابَةِ، وَقَرَأَ السُّؤَالَ الثَّانِي وَفَكَّرَ فِي إِجَابَتِهِ، وَأَيْضاً لَمْ يَعْرِفِ الْإِجَابَةَ!. وَقَرَأَ السُّؤَالَ الثَّالِثَ.. وَالرَّابِعَ.. وَالْخَامِسَ، فَكَّرَ وَفَكَّرَ بِدُونِ جَدْوَى، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَكْتُبَ كَلِمَةً وَاحِدَةً!. فَالْمَعْلُومَاتُ بَاهِتَةٌ مُشَوَّشَةٌ فِي ذِهْنِهِ، نَظَرَ مَنْ حَوْلَهُ خِلْسَةً وَقَدْ عَلَاهُ الضِّيقُ، زُمَلَاؤُهُ جَمِيعاً يَكْتُبُونَ، وَعَادِلٌ مُسْتَمِرٌّ فِي الْكِتَابَةِ.. وَالثِّقَةُ بَادِيَةٌ فِي مُحَيَّاهُ، عِنْدَئِذٍ حَدَّثَ عَمْرٌو نَفْسَهُ: كُلُّهُمْ يَكْتُبُونَ - وَعَادِلٌ أَيْضاً يَكْتُبُ! مُسْتَحِيلٌ! لَا بُدَّ أَنْ أُجِيبَ عَنْ كُلِّ الْأَسْئِلَةِ، فَأَنَا أَوَّلُ الْمَدْرَسَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ أَتَسَلَّمَ الْجَائِزَةَ الْأُولَى كَعَادَتِي .

وَكَتَبَ عَمْرٌو.. كَتَبَ كَلَاماً يُوَافِقُ مَعْلُومَاتِهِ الْبَاهِتَةَ.. وَكَانَ تَائِهاً.. لَا يَدْرِي مَدَى صِحَّةِ مَا يَكْتُبُ! . وَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ حَزِيناً، مُنْكَسِرَ النَّفْسِ، وَبَدَأَ يُرَاجِعُ الرِّيَاضِيَّاتِ آمِلاً أَنْ يُعَوِّضَ مَا فَاتَهُ فِي امْتِحَانِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُرَاجَعَةِ كُلِّ مَا تَمَّ دِرَاسَتُهُ، نَظَراً لِقِصَرِ الْوَقْتِ، وَلِتَعَبِهِ وَإِرْهَاقِهِ، فَقَامَ لِلرُّقَادِ.. . وَمَا حَدَثَ فِي امْتِحَانِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، حَدَثَ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ، وَالدِّينِ، وَالْعُلُومِ، وَالْمَوَادِّ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَفِي كُلِّ الْمَوَادِّ! . انْتَظَرَ عَمْرٌو نَتِيجَةَ الِامْتِحَانِ، يَشْمَلُهُ الْأَسَفُ، وَتَغْمُرُهُ الرَّهْبَةُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ الدِّرَاسِيَّةِ، فِي حِينَ كَانَ عَادِلٌ مُنْتَظِراً فِي شَوْقٍ، وَكُلُّ أَمَلِهِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ عَمْرٍو.. أَوْ قَرِيباً مِنْهُ؟ 

وَفِي يَوْمِ ظُهُورِ النَّتِيجَةِ، ذَهَبَ عَمْرٌو إِلَى الْمَدْرَسَةِ، أَلْقَى نَظْرَةً عَلَى قَائِمَةِ الْأَسْمَاءِ وَالتَّرْتِيبِ، الِاسْمُ الْأَوَّلُ: عَادِلٌ!! عَادِلٌ!! وَلَيْسَ عَمْرًا!! إِنَّهَا أَوَّلُ مَرَّةٍ!.. وَقَرَأَ الِاسْمَ الثَّانِي.. وَالثَّالِثَ.. وَالْعَاشِرَ.. نَزَلَ بِعَيْنَيْهِ.. حَيْثُ قَرَأَ اسْمَهُ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي وَرَدَتْ بِالذَّيْلِ وَالْمُؤَخَّرَةِ! . دَقَّ قَلْبُهُ فِي رَهْبَةٍ، وَشَمَلَهُ الذُّهُولُ.. وَكَانَ عَادِلٌ أَسْعَدَ التَّلَامِيذِ جَمِيعاً، وَالدَّوَافِعُ مَعْرُوفَةٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ حَزِيناً مِنْ أَجْلِ زَمِيلِهِ وَصَدِيقِهِ عَمْرٍو! . فَلَمْ يَنْسَ عَادِلٌ أَنْ عَمْرًا دَفَعَهُ لِلْمُذَاكَرَةِ، وَشَجَّعَهُ عَلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَغَرَسَ فِي نَفْسِهِ الْأَمَلَ.. تَوَجَّهَ عَادِلٌ إِلَى صَدِيقِهِ عَمْرٍو، فَرَأَى دُمُوعَهُ تَتَسَاقَطُ مِنْ عَيْنَيْهِ، فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَئِذٍ رَبَّتَ كَتِفَهُ قَائِلًا: لَا تَحْزَنْ يَا صَدِيقِي، إِنَّهُ امْتِحَانُ تَجْرِبَةٍ، وَمَا زَالَتِ الْفُرْصَةُ سَانِحَةً، وَمَا زَالَ الْوَقْتُ مُمْتَدّاً إِلَى مَوْعِدِ امْتِحَانِ آخِرِ الْعَامِ، وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَسْتَعِيدَ مُسْتَوَاكَ 

وَفِي يَوْمِ الْحَفْلِ.. تُوَزَّعُ الْجَوَائِزُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُتَفَوِّقِينَ، وَكَانَ عَمْرٌو بَيْنَ التَّلَامِيذِ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَى الْمَسْرَحِ، بَلْ بَعِيداً عَنِ الْأَضْوَاءِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.. . كَانَ دَائِماً نَجْمَ الْحَفْلِ، وَالْكَوْكَبَ اللَّامِعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ. وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ، تَذَكَّرَ حِوَارَهُ مَعَ أُمِّهِ، وَتَذَكَّرَ كَلَامَ صَدِيقِهِ الْمُخْلِصِ عَادِلٍ . عِنْدَئِذٍ أَفَاقَ، وَقَرَّرَ أَنْ يَعُودَ إِلَى سِيرَتِهِ الْأُولَى، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ دَعَا عَادِلاً لِيُواصِلَا مَا انْقَطَعَ، وَاسْتَمَرَّا حَتَّى امْتِحَانِ آخِرِ الْعَامِ، وَظَهَرَتِ النَّتِيجَةُ، وَكَانَ عَمْرٌو أَوَّلَ التَّلَامِيذِ، وَجَاءَ عَادِلٌ الْأَوَّلَ «مُكَرَّراً» وَكَانَا سَعِيدَيْنِ . وَتَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْجَائِزَةَ الْأُولَى فِي حَفْلٍ كَبِيرٍ بَيْنَ التَّصْفِيقِ وَالتَّهْلِيلِ، وَعِبَارَاتِ التَّهَانِي.. ابْتَسَمَ عَمْرٌو، فِي حِينَ كَانَتْ دُمُوعُ الْفَرْحَةِ تَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَتَسِيلُ فَوْقَ خَدَّيْهِ، وَكَانَ قَدْ تَعَلَّمَ دَرْساً مُفِيداً، هُوَ: أَنَّ الْغُرُورَ وَالتَّوَانِيَ طَرِيقُ الْفَشَلِ

إرسال تعليق

أحدث أقدم