مغامرات سندباد 14 مَارِدِ المِصْبَاحِ وَأَمِيرَةِ شِيرَازَ الحَزِينَةِ
بَيْنَمَا كَانَ سِنْدِبَادُ وَرَفِيقُهُ حَسَنٌ فِي رِحْلَةٍ شَاقَّةٍ، بَحَثَتْ يَاسَمِينَةُ عَنْ وَاحَةٍ لِلرَّاحَةِ، وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ كَانَ سِنْدِبَادُ يَمْلِكُ مِصْبَاحًا سِحْرِيًّا عَجِيبًا، وَحِينَ شَرَعَ فِي تَنْظِيفِهِ لِيَمْلَأَهُ بِالمَاءِ، انْطَلَقَ مِنْهُ مَارِدٌ ضَخْمٌ هَتَفَ قَائِلًا: "أَنَا مَارِدُ المِصْبَاحِ، أُطِيعُ أَوَامِرَ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ المِصْبَاحَ، اطْلُبْ مِنِّي مَا تُرِيدُ وَأَنَا أُلَبِّيكَ".
حَاوَلَ حَسَنٌ اسْتِغْلَالَ المَارِدِ فِي أُمُورٍ بَسِيطَةٍ مِثْلِ رَفْعِ مَائِدَةِ الطَّعَامِ أَوْ إِحْضَارِ سَرِيرٍ مُرِيحٍ لِيَنَامَ فِيهِ سِنْدِبَادُ وَيَصِلَ إِلَى بَغْدَادَ وَهُوَ نَائِمٌ.
لَكِنَّ المَارِدَ غَضِبَ وَحَذَّرَ سِنْدِبَادَ مِنْ التَّصَرُّفِ دُونَ تَفْكِيرٍ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ سَيِّدًا لَهُ إِذَا كَانَ يَتَّكِلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِ طَلَبَهُ فَقَطْ حِينَ يَكُونُ فِي مَأْزِقٍ خَطِيرٍ.
تَوَجَّهَ الرِّفَاقُ نَحْوَ مَدِينَةِ "شِيرَازَ"، وَفِي الطَّرِيقِ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَةَ حَاكِمِ المَدِينَةِ، وَالَّتِي تُوصَفُ بِأَنَّهَا خَارِقَةُ الجَمَالِ، آتِيَةٌ لِحُضُورِ مِهْرَجَانٍ سَنَوِيٍّ.
وَبَيْنَمَا كَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ قَافِلَتَهَا، بَرَزَ سِنْدِبَادُ وَاعْتَرَضَ طَرِيقَ الأَمِيرَةِ "بَدْرِ الزَّمَانِ"، مِمَّا أَدَّى إِلَى مُثُولِهِ أَمَامَ الحَاكِمِ.
وَيَا لَلْمُفَاجَأَةِ، فَقَدْ كَانَتِ الأَمِيرَةُ تَعِيشُ فِي حُزْنٍ كَئِيبٍ مُنْذُ وَفَاةِ وَالِدَتِهَا قَبْلَ سَنَةٍ، وَلَمْ تَفْلَحْ كُلُّ الوَسَائِلِ فِي إِعَادَةِ البَسْمَةِ إِلَيْهَا، إِلَّا أَنَّ جُرْأَةَ سِنْدِبَادَ جَعَلَتْهَا تَبْتَسِمُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
تَقْدِيرًا لِهَذَا الصَّنِيعِ، عَرَضَ الحَاكِمُ عَلَى سِنْدِبَادَ مُكَافَأَةً، فَطَلَبَ سِنْدِبَادُ أَنْ يَكُونَ نَدِيمًا وَصَدِيقًا لِلأَمِيرَةِ.
لَكِنَّ الحَاكِمَ وَوَزِيرَهُ، رَغْبَةً مِنْهُمَا فِي إِبْعَادِ هَذَا التَّاجِرِ المُتَنَقِّلِ، وَضَعَا لَهُ شَرْطًا تَعْجِيزِيًّا، وَهُوَ أَنْ يُحْضِرَ فِي صَبَاحِ الغَدِ سَبْعِينَ رَسُولًا يَحْمِلُونَ سَبْعِينَ صُنْدُوقًا مُرَصَّعًا بِالجَوَاهِرِ.
رَأَى الوَزِيرُ أَنَّ سِنْدِبَادَ "مُتَشَرِّدٌ" لَا يَصْلُحُ لِمُصَادَقَةِ الأَمِيرَةِ أَوْ خِلَافَةِ الحَاكِمِ. لَكِنَّ سِنْدِبَادَ اسْتَنْجَدَ بِمَارِدِ المِصْبَاحِ، وَفِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ، ذُهِلَ الحَاكِمُ بِوُصُولِ سَبْعِينَ رَسُولًا مَعَهُمْ كُنُوزٌ لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
لَمْ يَنْتَهِ التَّحَدِّي عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، إِذْ حَرَّضَ الوَزِيرُ الحَاكِمَ عَلَى طَلَبِ بَيْتٍ عَظِيمٍ يَلِيقُ بِمَقَامِ صَدِيقِ الأَمِيرَةِ، فَمَنَحُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ لِبِنَاءِ قَصْرٍ مُنِيفٍ.
اعْتَقَدَ حَسَنٌ أَنَّ سِنْدِبَادَ قَدْ أَصَابَهُ خَلَلٌ فِي عَقْلِهِ لِقُبُولِهِ هَذَا الوَعْدِ المُسْتَحِيلِ، وَحَاوَلَ إِقْنَاعَهُ بِالرَّحِيلِ إِلَى بَغْدَادَ قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ أَمْرُهُمْ.
بَقِيَ سِنْدِبَادُ صَامِدًا عَلَى وَعْدِهِ لِلأَمِيرَةِ، وَفِي آخِرِ لَحْظَةٍ، لَبَّى المَارِدُ النِّدَاءَ وَبَنَى قَصْرًا بَاهِرًا أَذْهَلَ الجَمِيعَ.
وَهَكَذَا، وَفَى سِنْدِبَادُ بِوُعُودِهِ كُلِّهَا، وَأَثْبَتَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ نَدِيمًا لِلأَمِيرَةِ "بَدْرِ الزَّمَانِ" بَعْدَ أَنْ حَقَّقَ المُعْجِزَاتِ بِيَقِينِهِ وَبِمَعُونَةِ مَارِدِ المِصْبَاحِ.
