ثَوْرَةُ الْعُصْفُور

ثَوْرَةُ الْعُصْفُورِ

أَسَائِلُ نَفْسِي دَوْماً: أَيْنَ وَمَتَى رَأَيْتُهَا؟ هَلْ رَأَيْتُهَا فِي مَنَامِي، أَمْ فِي يَقَظَتِي؟! وَلَا عَجَبَ، فَإِنَّهَا أَجْمَلُ الْحَدَائِقِ جَمِيعاً! تُسَوِّرُهَا الْأَشْجَارُ الْبَاسِقَةُ، وَتَكْسُو أَرْضَهَا الْحَشَائِشُ الْخَضْرَاءُ السُّنْدُسِيَّةُ، وَتَنْتَشِرُ فِيهَا أَحْوَاضُ الْوَرْدِ وَالْأَزْهَارِ وَصُنُوفُ الْأَشْجَارِ، وَتَنْسَابُ فِيهَا جَدَاوِلُ الْمِيَاهِ الْفِضِّيَّةِ الرَّقْرَاقَةِ، مَا أَبْهَاهَا! مَا أَعْطَرَ عَبِيرَهَا وَمَا أَرَقَّ نَسَائِمَهَا كَأَنَّهَا جَنَّةٌ!!

مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ عَشَّشَتِ الْعَصَافِيرُ فِي إِحْدَى أَشْجَارِهَا، وَكَانَتْ كُلُّ الْعِشَاشِ صَغِيرَةً، إِلَّا عُشّاً وَاحِداً، فَقَدْ بَدَا كَبِيراً يَلْفِتُ النَّظَرَ، وَلَا غَرَابَةَ! إِذْ كَانَتْ تَعِيشُ فِيهِ الْجَدَّةُ مَعَ أَبْنَائِهَا وَأَحْفَادِهَا الْعَصَافِيرِ، وَكَانَتْ تَعِيشُ الْعَصَافِيرُ عِيشَةً هَانِئَةً، وَتَقْضِي أَوْقَاتَهَا فِي حُبٍّ وَسَعَادَةٍ، وَكَانَتْ الشَّجَرَةُ سَعِيدَةً أَيْضاً بِسُكَّانِهَا الْعَصَافِيرِ الْوَادِعَةِ الطَّيِّبَةِ.

كَانَتْ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ شَجَرَةِ الْعَصَافِيرِ شَجَرَةٌ جَرْدَاءُ عَارِيَةٌ مِنَ الْأَوْرَاقِ، وَكَانَ بِهَا عُشٌّ وَحِيدٌ تَمْلِكُهُ الْحِدَأَةُ، وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ الْجَرْدَاءُ لَمْ تَسْكُنْهَا الطُّيُورُ الْوَدِيعَةُ مُنْذُ أَنْ عَشَّشَتْ فِيهَا الْحِدَأَةُ. فَقَدْ كَانَتْ شِرِّيرَةً، شَرِسَةً، سَيِّئَةَ الطِّبَاعِ، وَعَلَى دَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ حُبِّ النَّفْسِ وَالْأَنَانِيَّةِ، فَلَمْ تَكُنْ تُحِبُّ إِخْوَانَهَا الطُّيُورَ، وَلَا تَتَوَدَّدُ إِلَيْهِمْ، وَلَا تَتَعَاوَنُ مَعَهُمْ، أَيْ تَعِيشُ لِنَفْسِهَا فَقَطْ. وَلَمْ تَكُنْ تَصْحُو مِنْ نَوْمِهَا مُبَكِّرَةً، وَتَظَلُّ سَاهِرَةً تُفَكِّرُ وَتُدَبِّرُ فِي أَذَى الطُّيُورِ الصَّغِيرَةِ الضَّعِيفَةِ، بِجَانِبِ مَا تُسَبِّبُهُ لِلنَّاسِ مِنْ مُضَايَقَاتٍ، بِمَا تَخْطَفُهُ مِنَ الْأَفْرَاخِ بِالْمَنَازِلِ الْمُجَاوِرَةِ.

ذَاتَ يَوْمٍ كَانَتِ الْحِدَأَةُ وَاقِفَةً عَلَى أَحَدِ أَغْصَانِ شَجَرَتِهَا الْجَرْدَاءِ تَسْتَطْلِعُ الْمَكَانَ، وَلَفَتَ نَظَرَهَا الْعَصَافِيرُ تَحُوطُ بِالْجَدَّةِ العصفورة، وَالصِّغَارُ تُغَرِّدُ بِأُغْرُودَةِ الْجَدَّةِ، وَالْجَدَّةُ العصفورة غَايَةٌ فِي السَّعَادَةِ. تَأَمَّلَتْهُمُ الْحِدَأَةُ، ثُمَّ حَانَتْ مِنْهَا الْتِفَاتَةٌ إِلَى عُشِّهِمُ الْكَبِيرِ، أَحَسَّتْ بِالضِّيقِ، وَحَدَّثَتْ نَفْسَهَا فِي غَيْظٍ قَائِلَةً: هَذِهِ الْعَصَافِيرُ الصَّغِيرَةُ سَعِيدَةٌ بِعُشِّهَا الْكَبِيرِ الْجَمِيلِ، وَأَنَا.. أَنَا الْحِدَأَةُ الْكَبِيرَةُ تَعِسَةٌ، وَعُشِّي صَغِيرٌ كَئِيبٌ، كَيْفَ أَرَاهُمْ فَرِحِينَ وَأَنَا حَزِينَةٌ دَائِماً؟! وَهَا هُمْ أُولَاءِ يَنْشُدُونَ بِأَصْوَاتِهِمْ تِلْكَ الْأَغَارِيدَ الْعَذْبَةَ، وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُغَرِّدَ مِثْلَهُمْ، فَصَوْتِي مُزْعِجٌ.. لَنْ أَسْكُتَ عَلَى هَذَا أَبَداً، فَكَيْفَ أُطِيقُ ذَلِكَ؟ لَنْ أَحْتَمِلَ.. سَأُسَبِّبُ لَهُمُ الْكَدَرَ وَالنَّكَدَ فَلَا يَمْرَحُونَ، وَأُخْرِسُ أَصْوَاتَهُمْ فَلَا يُغَرِّدُونَ، وَيُصْبِحُونَ تُعَسَاءَ مِثْلِي.. لَكِنْ كَيْفَ؟

جَعَلَتِ الْحِدَأَةُ تُفَكِّرُ فِي طَرِيقَةٍ تُضَايِقُ بِهَا الْعَصَافِيرَ، وَبَعْدَ بُرْهَةٍ تَهَلَّلَ قَلْبُهَا وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: يَا لَهَا مِنْ فِكْرَةٍ! سَأَجْعَلُهُمْ يَصِيحُونَ وَيَبْكُونَ وَيَصْرُخُونَ، وَأَنَا أَضْحَكُ مِنْهُمْ، سَأَضْحَكُ كَثِيراً كَثِيراً. وَانْطَلَقَتِ الْحِدَأَةُ لِتُمَارِسَ شُرُورَهَا وَأَذَاهَا، وَانْصَرَمَ النَّهَارُ، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ. نَامَتِ الْعَصَافِيرُ، وَنَامَتْ كُلُّ الطُّيُورِ، إِلَّا الْحِدَأَةَ، فَإِنَّهَا لَمْ تَنَمْ، وَجَعَلَتْ تَرْمُقُ عُشَّ الْعَصَافِيرِ بِبَصَرِهَا الْحَادِّ، وَتُرَدِّدُ فِي نَفْسِهَا قَائِلَةً: مَتَى يَنْقَضِي اللَّيْلُ وَيَأْتِي الصَّبَاحُ، وَتَطِيرُ الْعَصَافِيرُ وَتَدَعُ الْعُشَّ، مَتَى.. مَتَى؟

وَسَرَحَتِ الْحِدَأَةُ فِي مُسْتَقْبَلِ أَيَّامِهَا، حِينَ يَكُونُ لَهَا أَبْنَاءٌ وَأَحْفَادٌ مِثْلَ جَدَّةِ الْعَصَافِيرِ، لَكِنْ سُرْعَانَ مَا طَرَدَتْ تِلْكَ الْخَيَالَاتِ نَظَراً لِكَسَلِهَا الشَّدِيدِ، وَاسْتَطْرَدَتْ فِي أَحْلَامِهَا حَتَّى غَلَبَهَا النُّعَاسُ، فَنَامَتْ نَوْماً عَمِيقاً طَوِيلاً، صَحَتْ فَجْأَةً، فَأَخَذَتْ تَنْظُرُ حَوْلَهَا كَالْمَخْبُولَةِ، فُوجِئَتْ بِالْعَصَافِيرِ رَاقِدَةً فِي عُشِّهَا، وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ تَنَبَّهَتْ إِلَى أَنَّهَا ظَلَّتْ نَائِمَةً حَتَّى رَجَعَتِ الْعَصَافِيرُ مِنْ أَمَاكِنِ الْحَبِّ، فَاغْتَاظَتْ لِفَوَاتِ فُرْصَتِهَا.

وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَغْلِبْهَا النَّوْمُ، وَظَلَّتْ سَاهِرَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا إِنْ غَدَتِ الْعَصَافِيرُ تَارِكَةً عُشَّهَا حَتَّى أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ، وَرَقَدَتْ بِدَاخِلِهِ، وَتُحَدِّثُ نَفْسَهَا فِي نَشْوَةٍ: مَا أَجْمَلَ عُشَّ الْعَصَافِيرِ وَمَا أَرْحَبَهُ! سَأَنَامُ عَلَى هَذَا الْقَشِّ النَّاعِمِ حَتَّى أَشْبَعَ. نَامَتِ الْحِدَأَةُ نَوْماً مُرِيحاً هَادِئاً، وَبَعْدَ أَنْ طَعِمَتِ الْعَصَافِيرُ حَتَّى مَلَأَتْ بُطُونَهَا، طَارَتِ الْجَدَّةُ وَمِنْ خَلْفِهَا أَبْنَاؤُهَا وَأَحْفَادُهَا فِي سِرْبٍ جَمِيلٍ، قَاصِدِينَ شَجَرَتَهُمْ بِالْحَدِيقَةِ، وَحِينَ وَصَلُوا إِلَى الْعُشِّ، فُوجِئُوا بِالْحِدَأَةِ رَاقِدَةً بِدَاخِلِهِ! أُصِيبَتِ الْعَصَافِيرُ بِالدَّهْشَةِ، وَوَفْقَ إِشَارَةِ الْجَدَّةِ ظَلَّتِ الْعَصَافِيرُ تَلْعَبُ وَتَتَقَافَزُ فَوْقَ الْأَغْصَانِ، حَتَّى تَصْحُوَ الْحِدَأَةُ وَتَدَعَ الْعُشَّ.

صَحَتِ الْحِدَأَةُ مِنْ نَوْمِهَا، عِنْدَئِذٍ دَنَتْ مِنْهَا جَدَّةُ الْعَصَافِيرِ وَقَالَتْ فِي رِقَّةٍ: نَوْماً هَنِيئاً يَا عَزِيزَتِي الْحِدَأَةُ.. لَعَلَّكِ أَخْطَأْتِ عُشَّكِ؟ رَدَّتِ الْحِدَأَةُ فِي دَهَاءٍ قَائِلَةً: لَمْ أُخْطِئْ عُشِّي يَا صَدِيقَتِي، وَلَكِنْ دَاهَمَنِي الْمَرَضُ فَجِئْتُ لِأَسْتَرِيحَ فِي عُشِّكُمْ.. ثُمَّ أَضَافَتْ وَهِيَ تَتَظَاهَرُ بِالضَّعْفِ: وَمَا زِلْتُ أَشْعُرُ بِالْمَرَضِ، وَأَسْتَأْذِنُكُمْ فِي قَضَاءِ فَتْرَةٍ أُخْرَى. سَمِعَتِ الْعَصَافِيرُ شَكْوَى الْحِدَأَةِ، عِنْدَئِذٍ قَالَتْ لَهُمُ الْجَدَّةُ: الْحِدَأَةُ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ، وَيَجِبُ مُسَاعَدَتُهَا، كَمَا أَنَّهَا جَارَتُنَا.

اقْتَنَعَتِ الْعَصَافِيرُ بِرَأْيِ الْجَدَّةِ، إِلَّا عُصْفُوراً صَغِيراً، فَلَمْ يَقْتَنِعْ أَسَاساً بِكَلَامِ الْحِدَأَةِ، وَبِالْأَخَصِّ حِينَ اسْتَطْرَدَتْ قَائِلَةً فِي خُبْثٍ: يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَسْتَرِيحُوا فِي عُشِّي مِنْ تَعَبِ النَّهَارِ، لَا فَرْقَ بَيْنَنَا، عُشِّي عُشُّكُمْ. خُدِعَتِ الْعَصَافِيرُ بِمَا قَالَتْهُ الْحِدَأَةُ، مَا عَدَا الصَّغِيرَ الَّذِي هَمَسَ فِي أُذُنِ جَدَّتِهِ قَائِلاً: كَيْفَ صَدَّقْتِ الْحِدَأَةَ يَا جَدَّتِي؟! إِنَّهَا لَئِيمَةٌ.. مُخَادِعَةٌ... وَتَلُومُهُ الْجَدَّةُ قَائِلَةً: كَلَّا يَا صَغِيرِي الْعَزِيزُ، لَا أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ مِنْكَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ، يَجِبُ أَنْ نُسَاعِدَ الْحِدَأَةَ فِي شِدَّتِهَا، كَمَا يَجِبُ أَنْ نَتَعَاوَنَ مَعَ إِخْوَتِنَا الطُّيُورِ. كَبَتَ الْعُصْفُورُ مَشَاعِرَهُ وَسَكَتَ عَلَى مَضَضٍ.

وَمَا لَبِثَتِ الْجَدَّةُ أَنْ تَقَدَّمَتِ الْعَصَافِيرُ إِلَى عُشِّ الْحِدَأَةِ، وَبِالطَّبْعِ لَمْ يَتَذَوَّقُوا طَعْمَ الرَّاحَةِ فِي عُشِّ الْحِدَأَةِ، وَلَكِنَّهُمْ تَحَمَّلُوا التَّعَبَ مِنْ أَجْلِ جَارَتِهِمْ. وَمَكَثَتِ الْحِدَأَةُ فِي الْعُشِّ حَتَّى وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ، حِينَئِذٍ يَئِسَتِ الْعَصَافِيرُ أَنْ تَدَعَ الْحِدَأَةُ عُشَّهُمْ، وَقَضَوْا فِي عُشِّهَا لَيْلَةً قَلِقَةً. وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، طَارَتِ الْعَصَافِيرُ إِلَى الْحُقُولِ الْمُجَاوِرَةِ، وَكَانَ الْجُوعُ قَدْ قَرَصَ مَعِدَةَ الْحِدَأَةِ فَصَاحَبَتْهُمْ، وَفِي الْعَوْدَةِ رَأَوْهَا تَسْبِقُهُمْ إِلَى عُشِّهِمْ! اسْتَغْرَبَتِ الْعَصَافِيرُ مَسْلَكَ الْحِدَأَةِ، وَتَيَقَّنُوا مِنْ خِدَاعِهَا، وَاسْتِيلَائِهَا عَلَى الْعُشِّ، وَعِنْدَئِذٍ قَالَتِ الْجَدَّةُ لِلْعُصْفُورِ الصَّغِيرِ: لَقَدْ كُنْتَ عَلَى حَقٍّ يَا صَغِيرِي.

اجْتَمَعَتِ الْعَصَافِيرُ لِتَتَشَاوَرَ فِي أَمْرِ الْحِدَأَةِ الْمُعْتَدِيَةِ الْبَاغِيَةِ، سَمِعَتِ الْجَدَّةُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَبْنَاؤُهَا وَأَحْفَادُهَا مِنْ مُحَارَبَةِ الْحِدَأَةِ، كَمَا ارْتَفَعَ صَوْتُ الْعُصْفُورِ الصَّغِيرِ قَائِلاً فِي شَجَاعَةٍ وَثَوْرَةٍ: يَجِبُ أَنْ نُلَقِّنَ الْحِدَأَةَ دَرْساً لَا تَنْسَاهُ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى جَدَّتِهِ مُتَسَائِلاً: مَا قَوْلُكِ يَا جَدَّتِي؟ فَكَّرَتِ الْجَدَّةُ بُرْهَةً ثُمَّ قَالَتْ فِي رَهْبَةٍ: يَجِبُ أَنْ نُحَكِّمَ عُقُولَنَا، وَلَا دَاعِيَ لِلِانْفِعَالِ، كَمَا يَجِبُ أَنْ نَدْرُسَ مِقْدَارَ قُوَّةِ عَدُوِّنَا.. أَنَسِيتُمْ أَنَّ الْحِدَأَةَ قَوِيَّةٌ وَشَرِسَةٌ، وَأَنَّ مِنْقَارَهَا مَسْنُونٌ، وَمَخَالِبَهَا حَادَّةٌ، وَأَخْشَى أَنْ تُلْحِقَ الْأَذَى بِأَحَدِكُمْ.

عِنْدَئِذٍ تَسَاءَلَ أَكْبَرُ الْأَبْنَاءِ: وَمَاذَا تَرَيْنَ يَا أُمِّي؟ قَالَتِ الْجَدَّةُ بِصُعُوبَةٍ: نَهْجُرُ الشَّجَرَةَ وَالْحَدِيقَةَ، وَنَبْحَثُ عَنْ حَدِيقَةٍ أُخْرَى، نَعِيشُ فِيهَا فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ، وَبِلَادُ اللهِ وَاسِعَةٌ! وَاعْتَرَضَ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ قَائِلاً فِي إِصْرَارٍ: لَنْ نَهْجُرَ الشَّجَرَةَ، وَلَا الْحَدِيقَةَ.. كَيْفَ نَهْجُرُ الْحَدِيقَةَ.. وَكَثِيراً مَا طِرْنَا فِي سَمَائِهَا، وَلَعِبْنَا عَلَى أَرْضِهَا؟ كَيْفَ نَهْجُرُ عُشَّنَا وَقَدْ تَرَبَّيْنَا فِيهِ جَمِيعاً..؟ كَيْفَ نَهْجُرُ شَجَرَتَنَا الْمُورِقَةَ؟ لَكَمْ تَقَافَزْنَا وَمَرِحْنَا وَغَرَّدْنَا فَوْقَ أَغْصَانِهَا وَحَوْلَ أَحْوَاضِ الْوَرْدِ وَالزُّهُورِ! وَكَمْ دَاعَبْنَا أَوْرَاقَهَا! وَكَمْ تَنَسَّمْنَا عَبِيرَهَا! صَعْبٌ يَا جَدَّتِي، بَلْ مُسْتَحِيلٌ.. مُسْتَحِيلٌ!!

ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ فِي عَزْمٍ وَقُوَّةٍ: إِنَّهُ مَصِيرُنَا وَلَا بُدَّ مِنْ مُوَاجَهَتِهِ، لَنْ نَهْرُبَ وَلَنْ نَتَخَاذَلَ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَصَدَّى لِلْحِدَأَةِ، وَأَنْ نُدَافِعَ عَنْ عُشِّنَا حَتَّى النِّهَايَةِ مَهْمَا كَانَتِ التَّضْحِيَةُ، وَثِقُوا أَنَّنَا أَقْوَى مِنَ الْحِدَأَةِ بِمَبْدَئِنَا وَبِاتِّحَادِنَا، وَبِهُجُومِنَا الْمُفَاجِئِ عَلَيْهَا، وَالنَّصْرُ حَلِيفُنَا بِإِذْنِ اللهِ. وَعَادَ يَقْطَعُ الصَّمْتَ قَائِلاً فِي ذَكَاءٍ: يَجِبُ أَنْ نُكَثِّفَ الْهُجُومَ، وَنُرَكِّزَ عَلَى نِقَاطِ الضَّعْفِ، عِنْدَئِذٍ نَشُلُّ حَرَكَتَهَا، وَنُسَبِّبُ لَهَا الِارْتِبَاكَ وَالذُّهُولَ، فَلَا تَتَمَكَّنُ حَتَّى مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهَا.

كَانَتِ الْعُيُونُ جَمِيعاً عَلَى الْعُصْفُورِ الصَّغِيرِ تَرْمُقُهُ بِإِعْجَابٍ، وَقَدْ دَبَّتْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةُ، وَاشْتَعَلَتْ حَمَاسَةً، ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى الْجَدَّةِ الَّتِي بَرَقَتْ عَيْنَاهَا وَقَالَتْ فِي صِدْقٍ شَدِيدٍ: لَقَدْ أَصَابَ أَصْغَرُ أَحْفَادِي، وَإِنِّي فَخُورَةٌ بِهِ، وَلَكِنْ.. يَجِبُ أَلَّا تَأْخُذَنَا الْحَمَاسَةُ فَنَنْدَفِعَ بِدُونِ رَوِيَّةٍ فَنَجْنِي مَا لَا يُحْمَدُ عُقْبَاهُ.. وَلْنُخَطِّطْ وَنُدَبِّرْ، وَنُعِدَّ عُدَّتَنَا.. هَيَّا.. فَلَا وَقْتَ نُضِيعُهُ.

وَمَعَ أَوَّلِ خُيُوطِ الصَّبَاحِ انْطَلَقَتِ الْعَصَافِيرُ - وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ - إِلَى حَيْثُ الْحِدَأَةُ النَّائِمَةُ، الْحَالِمَةُ، وَانْقَضُّوا عَلَيْهَا جَمِيعاً يَنْقُرُونَهَا فِي رَأْسِهَا وَعَيْنَيْهَا، فَهَبَّتِ الْحِدَأَةُ مِنْ نَوْمِهَا فَزِعَةً وَأَصَابَهَا الذُّعْرُ وَالرُّعْبُ مِنْ هَوْلِ الْهُجُومِ، وَحَاوَلَتِ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهَا بِمِنْقَارِهَا وَمَخَالِبِهَا، فَخَمَشَتِ الْعُصْفُورَ الصَّغِيرَ فَأَصَابَتْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ قَائِلاً: شَدِّدُوا الْهُجُومَ.. شَدِّدُوا الْهُجُومَ.

وَانْقَضَّتِ الْعَصَافِيرُ بِشَرَاسَةٍ عَلَى الْحِدَأَةِ، فَلَمْ تَسْتَطِعِ الْمُقَاوَمَةَ، وَلَمْ تَجِدْ بَدِيلاً عَنِ الْفِرَارِ مِنَ الْعُشِّ وَالشَّجَرَةِ، وَتَنْطَلِقُ الْعَصَافِيرُ فِي مُطَارَدَتِهَا كَأَنَّهَا النُّورُ، لِتَفِرَّ أَيْضاً مِنَ الْحَدِيقَةِ. عَادَتِ الْعَصَافِيرُ إِلَى الشَّجَرَةِ، وَحَيْثُ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ الْجَرِيحُ لِتَجِدَ الْجَدَّةَ قَائِمَةً عَلَى إِسْعَافِهِ بَيْنَ إِعْجَابِهَا، وَمَا لَبِثَتْ أَنْ تَتَعَاوَنَ أُسْرَةُ الْعَصَافِيرِ فِي بِنَاءِ عُشٍّ جَدِيدٍ أَشَدَّ رَوْعَةً وَجَمَالاً، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِأُغْرُودَةِ النَّصْرِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم