ثَوْرَةُ الْعُصْفُورِ
أَسَائِلُ نَفْسِي دَوْماً: أَيْنَ وَمَتَى رَأَيْتُهَا؟ هَلْ رَأَيْتُهَا فِي مَنَامِي، أَمْ فِي يَقَظَتِي؟!
مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ عَشَّشَتِ الْعَصَافِيرُ فِي إِحْدَى أَشْجَارِهَا، وَكَانَتْ كُلُّ الْعِشَاشِ صَغِيرَةً، إِلَّا عُشّاً وَاحِداً، فَقَدْ بَدَا كَبِيراً يَلْفِتُ النَّظَرَ، وَلَا غَرَابَةَ!
كَانَتْ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ شَجَرَةِ الْعَصَافِيرِ شَجَرَةٌ جَرْدَاءُ عَارِيَةٌ مِنَ الْأَوْرَاقِ، وَكَانَ بِهَا عُشٌّ وَحِيدٌ تَمْلِكُهُ الْحِدَأَةُ، وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ الْجَرْدَاءُ لَمْ تَسْكُنْهَا الطُّيُورُ الْوَدِيعَةُ مُنْذُ أَنْ عَشَّشَتْ فِيهَا الْحِدَأَةُ
ذَاتَ يَوْمٍ كَانَتِ الْحِدَأَةُ وَاقِفَةً عَلَى أَحَدِ أَغْصَانِ شَجَرَتِهَا الْجَرْدَاءِ تَسْتَطْلِعُ الْمَكَانَ، وَلَفَتَ نَظَرَهَا الْعَصَافِيرُ تَحُوطُ بِالْجَدَّةِ العصفورة، وَالصِّغَارُ تُغَرِّدُ بِأُغْرُودَةِ الْجَدَّةِ، وَالْجَدَّةُ العصفورة غَايَةٌ فِي السَّعَادَةِ
جَعَلَتِ الْحِدَأَةُ تُفَكِّرُ فِي طَرِيقَةٍ تُضَايِقُ بِهَا الْعَصَافِيرَ، وَبَعْدَ بُرْهَةٍ تَهَلَّلَ قَلْبُهَا وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: يَا لَهَا مِنْ فِكْرَةٍ! سَأَجْعَلُهُمْ يَصِيحُونَ وَيَبْكُونَ وَيَصْرُخُونَ، وَأَنَا أَضْحَكُ مِنْهُمْ، سَأَضْحَكُ كَثِيراً كَثِيراً
وَسَرَحَتِ الْحِدَأَةُ فِي مُسْتَقْبَلِ أَيَّامِهَا، حِينَ يَكُونُ لَهَا أَبْنَاءٌ وَأَحْفَادٌ مِثْلَ جَدَّةِ الْعَصَافِيرِ، لَكِنْ سُرْعَانَ مَا طَرَدَتْ تِلْكَ الْخَيَالَاتِ نَظَراً لِكَسَلِهَا الشَّدِيدِ، وَاسْتَطْرَدَتْ فِي أَحْلَامِهَا حَتَّى غَلَبَهَا النُّعَاسُ، فَنَامَتْ نَوْماً عَمِيقاً طَوِيلاً، صَحَتْ فَجْأَةً، فَأَخَذَتْ تَنْظُرُ حَوْلَهَا كَالْمَخْبُولَةِ، فُوجِئَتْ بِالْعَصَافِيرِ رَاقِدَةً فِي عُشِّهَا، وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ تَنَبَّهَتْ إِلَى أَنَّهَا ظَلَّتْ نَائِمَةً حَتَّى رَجَعَتِ الْعَصَافِيرُ مِنْ أَمَاكِنِ الْحَبِّ، فَاغْتَاظَتْ لِفَوَاتِ فُرْصَتِهَا
وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَغْلِبْهَا النَّوْمُ، وَظَلَّتْ سَاهِرَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا إِنْ غَدَتِ الْعَصَافِيرُ تَارِكَةً عُشَّهَا حَتَّى أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ، وَرَقَدَتْ بِدَاخِلِهِ، وَتُحَدِّثُ نَفْسَهَا فِي نَشْوَةٍ: مَا أَجْمَلَ عُشَّ الْعَصَافِيرِ وَمَا أَرْحَبَهُ! سَأَنَامُ عَلَى هَذَا الْقَشِّ النَّاعِمِ حَتَّى أَشْبَعَ
صَحَتِ الْحِدَأَةُ مِنْ نَوْمِهَا، عِنْدَئِذٍ دَنَتْ مِنْهَا جَدَّةُ الْعَصَافِيرِ وَقَالَتْ فِي رِقَّةٍ: نَوْماً هَنِيئاً يَا عَزِيزَتِي الْحِدَأَةُ.. لَعَلَّكِ أَخْطَأْتِ عُشَّكِ؟ رَدَّتِ الْحِدَأَةُ فِي دَهَاءٍ قَائِلَةً: لَمْ أُخْطِئْ عُشِّي يَا صَدِيقَتِي، وَلَكِنْ دَاهَمَنِي الْمَرَضُ فَجِئْتُ لِأَسْتَرِيحَ فِي عُشِّكُمْ.. ثُمَّ أَضَافَتْ وَهِيَ تَتَظَاهَرُ بِالضَّعْفِ: وَمَا زِلْتُ أَشْعُرُ بِالْمَرَضِ، وَأَسْتَأْذِنُكُمْ فِي قَضَاءِ فَتْرَةٍ أُخْرَى
اقْتَنَعَتِ الْعَصَافِيرُ بِرَأْيِ الْجَدَّةِ، إِلَّا عُصْفُوراً صَغِيراً، فَلَمْ يَقْتَنِعْ أَسَاساً بِكَلَامِ الْحِدَأَةِ، وَبِالْأَخَصِّ حِينَ اسْتَطْرَدَتْ قَائِلَةً فِي خُبْثٍ: يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَسْتَرِيحُوا فِي عُشِّي مِنْ تَعَبِ النَّهَارِ، لَا فَرْقَ بَيْنَنَا، عُشِّي عُشُّكُمْ
وَمَا لَبِثَتِ الْجَدَّةُ أَنْ تَقَدَّمَتِ الْعَصَافِيرُ إِلَى عُشِّ الْحِدَأَةِ، وَبِالطَّبْعِ لَمْ يَتَذَوَّقُوا طَعْمَ الرَّاحَةِ فِي عُشِّ الْحِدَأَةِ، وَلَكِنَّهُمْ تَحَمَّلُوا التَّعَبَ مِنْ أَجْلِ جَارَتِهِمْ
اجْتَمَعَتِ الْعَصَافِيرُ لِتَتَشَاوَرَ فِي أَمْرِ الْحِدَأَةِ الْمُعْتَدِيَةِ الْبَاغِيَةِ، سَمِعَتِ الْجَدَّةُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَبْنَاؤُهَا وَأَحْفَادُهَا مِنْ مُحَارَبَةِ الْحِدَأَةِ، كَمَا ارْتَفَعَ صَوْتُ الْعُصْفُورِ الصَّغِيرِ قَائِلاً فِي شَجَاعَةٍ وَثَوْرَةٍ: يَجِبُ أَنْ نُلَقِّنَ الْحِدَأَةَ دَرْساً لَا تَنْسَاهُ
عِنْدَئِذٍ تَسَاءَلَ أَكْبَرُ الْأَبْنَاءِ: وَمَاذَا تَرَيْنَ يَا أُمِّي؟ قَالَتِ الْجَدَّةُ بِصُعُوبَةٍ: نَهْجُرُ الشَّجَرَةَ وَالْحَدِيقَةَ، وَنَبْحَثُ عَنْ حَدِيقَةٍ أُخْرَى، نَعِيشُ فِيهَا فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ، وَبِلَادُ اللهِ وَاسِعَةٌ! وَاعْتَرَضَ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ قَائِلاً فِي إِصْرَارٍ: لَنْ نَهْجُرَ الشَّجَرَةَ، وَلَا الْحَدِيقَةَ.. كَيْفَ نَهْجُرُ الْحَدِيقَةَ.. وَكَثِيراً مَا طِرْنَا فِي سَمَائِهَا، وَلَعِبْنَا عَلَى أَرْضِهَا؟ كَيْفَ نَهْجُرُ عُشَّنَا وَقَدْ تَرَبَّيْنَا فِيهِ جَمِيعاً..؟ كَيْفَ نَهْجُرُ شَجَرَتَنَا الْمُورِقَةَ؟ لَكَمْ تَقَافَزْنَا وَمَرِحْنَا وَغَرَّدْنَا فَوْقَ أَغْصَانِهَا وَحَوْلَ أَحْوَاضِ الْوَرْدِ وَالزُّهُورِ! وَكَمْ دَاعَبْنَا أَوْرَاقَهَا! وَكَمْ تَنَسَّمْنَا عَبِيرَهَا! صَعْبٌ يَا جَدَّتِي، بَلْ مُسْتَحِيلٌ.. مُسْتَحِيلٌ!!
ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ فِي عَزْمٍ وَقُوَّةٍ: إِنَّهُ مَصِيرُنَا وَلَا بُدَّ مِنْ مُوَاجَهَتِهِ، لَنْ نَهْرُبَ وَلَنْ نَتَخَاذَلَ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَصَدَّى لِلْحِدَأَةِ، وَأَنْ نُدَافِعَ عَنْ عُشِّنَا حَتَّى النِّهَايَةِ مَهْمَا كَانَتِ التَّضْحِيَةُ، وَثِقُوا أَنَّنَا أَقْوَى مِنَ الْحِدَأَةِ بِمَبْدَئِنَا وَبِاتِّحَادِنَا، وَبِهُجُومِنَا الْمُفَاجِئِ عَلَيْهَا، وَالنَّصْرُ حَلِيفُنَا بِإِذْنِ اللهِ. وَعَادَ يَقْطَعُ الصَّمْتَ قَائِلاً فِي ذَكَاءٍ: يَجِبُ أَنْ نُكَثِّفَ الْهُجُومَ، وَنُرَكِّزَ عَلَى نِقَاطِ الضَّعْفِ، عِنْدَئِذٍ نَشُلُّ حَرَكَتَهَا، وَنُسَبِّبُ لَهَا الِارْتِبَاكَ وَالذُّهُولَ، فَلَا تَتَمَكَّنُ حَتَّى مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهَا.
كَانَتِ الْعُيُونُ جَمِيعاً عَلَى الْعُصْفُورِ الصَّغِيرِ تَرْمُقُهُ بِإِعْجَابٍ، وَقَدْ دَبَّتْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةُ، وَاشْتَعَلَتْ حَمَاسَةً، ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى الْجَدَّةِ الَّتِي بَرَقَتْ عَيْنَاهَا وَقَالَتْ فِي صِدْقٍ شَدِيدٍ: لَقَدْ أَصَابَ أَصْغَرُ أَحْفَادِي، وَإِنِّي فَخُورَةٌ بِهِ، وَلَكِنْ.. يَجِبُ أَلَّا تَأْخُذَنَا الْحَمَاسَةُ فَنَنْدَفِعَ بِدُونِ رَوِيَّةٍ فَنَجْنِي مَا لَا يُحْمَدُ عُقْبَاهُ.. وَلْنُخَطِّطْ وَنُدَبِّرْ، وَنُعِدَّ عُدَّتَنَا.. هَيَّا.. فَلَا وَقْتَ نُضِيعُهُ.
وَمَعَ أَوَّلِ خُيُوطِ الصَّبَاحِ انْطَلَقَتِ الْعَصَافِيرُ - وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ - إِلَى حَيْثُ الْحِدَأَةُ النَّائِمَةُ، الْحَالِمَةُ، وَانْقَضُّوا عَلَيْهَا جَمِيعاً يَنْقُرُونَهَا فِي رَأْسِهَا وَعَيْنَيْهَا، فَهَبَّتِ الْحِدَأَةُ مِنْ نَوْمِهَا فَزِعَةً وَأَصَابَهَا الذُّعْرُ وَالرُّعْبُ مِنْ هَوْلِ الْهُجُومِ، وَحَاوَلَتِ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهَا بِمِنْقَارِهَا وَمَخَالِبِهَا، فَخَمَشَتِ الْعُصْفُورَ الصَّغِيرَ فَأَصَابَتْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ قَائِلاً: شَدِّدُوا الْهُجُومَ.. شَدِّدُوا الْهُجُومَ.
وَانْقَضَّتِ الْعَصَافِيرُ بِشَرَاسَةٍ عَلَى الْحِدَأَةِ، فَلَمْ تَسْتَطِعِ الْمُقَاوَمَةَ، وَلَمْ تَجِدْ بَدِيلاً عَنِ الْفِرَارِ مِنَ الْعُشِّ وَالشَّجَرَةِ، وَتَنْطَلِقُ الْعَصَافِيرُ فِي مُطَارَدَتِهَا كَأَنَّهَا النُّورُ، لِتَفِرَّ أَيْضاً مِنَ الْحَدِيقَةِ. عَادَتِ الْعَصَافِيرُ إِلَى الشَّجَرَةِ، وَحَيْثُ الْعُصْفُورُ الصَّغِيرُ الْجَرِيحُ لِتَجِدَ الْجَدَّةَ قَائِمَةً عَلَى إِسْعَافِهِ بَيْنَ إِعْجَابِهَا، وَمَا لَبِثَتْ أَنْ تَتَعَاوَنَ أُسْرَةُ الْعَصَافِيرِ فِي بِنَاءِ عُشٍّ جَدِيدٍ أَشَدَّ رَوْعَةً وَجَمَالاً، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِأُغْرُودَةِ النَّصْرِ.