جحا أيضًا أحمق
كان يا ما كان، في قديم الزمان، استطاع جحا بصعوبة بالغة أن يجمع بعض الدراهم لكي يبدأ عملاً في التجارة. ذهب جحا إلى زوجته وسألها في حيرة: "يا زوجتي العزيزة، في أي شيء أتاجر ليربح مالي؟". فكرت الزوجة قليلاً ثم اقترحت عليه قائلة: "ما رأيك يا جحا في أن تتاجر في العسل؟". فرح جحا بالفكرة كثيراً وقال في سرور: "إنها فكرة رائعة! سأذهب فوراً وأشتري قدرين كبيرين من العسل لأبيعهما".
بالفعل، توجه جحا إلى بائع العسل واشترى القدرين، وحملهما فوق حماره، وانطلق ينادي بأعلى صوته في الطرقات: "عسل.. عسل.. من يشتري العسل؟". وبينما هو يسير، كان هناك رجلان أحمقان يمشيان في الطريق، سأل أحدهما الآخر: "ماذا تتمنى من الدنيا؟". أجاب الثاني بحماس: "أتمنى أن أملك قطيعاً كبيراً من الغنم"، ثم سأل صاحبه: "وأنت، ماذا تتمنى؟". فصاح الأول بشر: "أنا أتمنى أن يكون لي قطيع من الذئاب الجائعة لتأكل غنمك!". غضب صاحب الغنم وبدأ يصرخ في وجهه ويقول له كلاماً جارحاً.
تطور الأمر سريعاً واشتبك الرجلان في عراك شديد بالأيدي، وبدأ كل منهما يضرب الآخر. عندما رآهما جحا، اقترب منهما وسألهما عن سبب هذا الشجار العنيف، فحكيا له القصة. تعجب جحا من حماقتهما، ولكي يثبت لهما مدى غبائهما، قام بإنزال قدر العسل وسكبهما تماماً على الأرض. صرخ جحا فيهما قائلاً: "جعل الله دمي يسيل مثل هذا العسل المسكوب إن لم تكونا أحمقين!".
وفجأة، صرخ أحد الأحمقين في غضب: "وماذا عن أذني؟ لقد عضها!". فرد عليه الثاني بسرعة: "كلا، لم أفعل، بل هو من عض أذن نفسه!". هنا وقف جحا حائراً، لم يعرف من يصدق ومن يكذب. قال لهما: "انتظرا هنا لحظة حتى أعود إليكما"، ثم ركض مسرعاً نحو بيته.
عندما دخل البيت، سألته زوجته بدهشة عن سبب عودته سريعاً، فصاح بها: "اصبري حتى أنتهي من أمر هذين الأحمقين!". دخل جحا غرفته وأغلق الباب، وبدأ يحاول تجربة الأمر بنفسه: "هل يمكن حقاً للإنسان أن يعض أذنه؟". بدأ جحا يشد أذنه نحو فمه ويلوي رقبته بكل قوته، ويفتح فمه محاولاً الوصول إليها بلا فائدة. استمر في محاولاته الغريبة حتى فقد توازنه وسقط سقطة قوية جداً على رأسه.
نهض جحا وهو يتألم ويتحسس رأسه، فوجدها قد جُرحت وبدأت تنزف دماً. عاد إلى الرجلين في الطريق وهو يمسك رأسه، فسألاه عما حدث له. أجابهما جحا بحزن: "لقد تأكدت تماماً أنه لا يمكن لأحد أن يعض أذن نفسه، ولكن يمكنه بسهولة أن يشج رأسه كما ترون!". وفي نهاية اليوم، عاد جحا إلى منزله خالي الوفاض، وعندما سألته زوجته عن العسل، قال لها بأسى: "لقد كان هناك أحمقان في الطريق، فضاع العسل بسبب حماقتهما، وشُجت رأسي بسبب حماقتي، لأصبح أنا الأحمق الثالث!".