جحا وخرج الحجارة

جحا وخرج الحجارة


كان جحا يجلس كعادته اليومية مستريحاً على مقعده في الحديقة بعد جولة من المشي والرياضة، فاقترب منه مجموعة من الصبية وهم في حالة شديدة من الجدال والخلاف.

كان بعضهم يصرخ والبعض الآخر على وشك البكاء، بينما بدا أحمد أكثرهم غضباً حتى إنه همَّ بضرب صديقه مفيد.

هنا تدخل جحا بحكمته المعهودة وطلب منهم الاقتراب قائلاً: "اقتربوا يا أحبتي هيا". رحب به الصبي حميد قائلاً إن جده جحا جاء في الوقت المناسب.

استغرب جحا من حالهم وسألهم عما حدث، مؤكداً أنه يعرف طباعهم جيداً ولم يتعود أن يراهم إلا أصدقاء متحابين.

أوضح حميد أن خلافاً وقع بين أحمد ومفيد منذ أسبوعين، ورغم محاولات مفيد المتكررة للاعتذار وتبرير سلوكه، إلا أن أحمد رفض الإنصات تماماً وظل متحملاً عليه، لدرجة أنه أصبح واجماً وصامتاً طيلة وقته في المدرسة.

تدخل أحمد بانفعال وغضب قائلاً إن مفيداً استهزأ به أمام كل الطلاب في الصف، وأنه قرر ألا يسامحه أبداً.

وعندما همَّ أحمد بالمغادرة، أوقفه جحا بهدوء قائلاً: "انتظر يا أحمد، لن أطلب منك مسامحته الآن، ولكنني سأحكي لكم حكاية، وستقرر بعدها كيف تتصرف".

بدأ جحا يحكي قصته قائلاً: "حدث ذات مرة أنني ملأت خرجي بالأحجار، ووضعته على ظهري ثم ركبت الحمار منطلقاً لزيارة صديق قديم علمتُ أنه مريض جداً.

ولكنني يا أحبتي كنت غاضباً جداً من هذا الصديق بسبب موقف آذاني فيه، فكنت كلما فكرت في نسيان ما فعله أكاد أجن من شدة الضيق.

ولأنني كنت حائراً، قررت أن أحضر الخرج الذي أضعه على ظهر الحمار، وصرت كلما تذكرت ذكرى مزعجة أو حديثاً آلمني منه أضع حجراً في الخرج، حتى امتلأ الكيس تماماً وكاد يتمزق من الثقل، تماماً كما كان قلبي ممتلئاً بالحزن.

وضعت ذلك الخرج الثقيل على ظهري وركبت الحمار، فكدنا أنا وهو نسقط على وجوهنا من شدة الوزن.

بينما كنت أسير، سألني رجل مررت به مستغرباً: ماذا تحمل على ظهرك يا جحا؟. فأجبته بمرارة إنها نيران تشتعل في قلبي وأفكار تتعارك في صدري.

فتعجب الرجل وقال: وما ذنب هذا الحمار المسكين ليحملك ويحمل معك وزر أفكارك؟!.

غادر الرجل وهو يلوح بيده ظناً منه أنني فقدت عقلي. حينها فقط، نظرت إلى نفسي وإلى حمارِي وأشفقت علينا، فقررت أن أرمي أول حجر في الطريق.

ومع رمي الحجر، بدأت استرجع الذكريات الجميلة؛ تذكرت كيف نشأنا معاً صغاراً نلعب دون جفاء، وتذكرت كيف أمسك بيدي وأنقذني عندما كدت أغرق في النهر، فرميت حجراً ثانياً.

وهكذا استمررت في طريقي، كلما تذكرت موقفاً لطيفاً يبتسم له قلبي أرمي حجراً وأنا مسرور، وإذا خطرت لي فكرة مزعجة طردتها فوراً.

وعندما وصلت إلى بيت صديقي، كنت قد رميت آخر حجر وأفرغت الخرج تماماً، وأفرغت معه كل العبء الذي كان يثقل قلبي.

شعرت حينها براحة عظيمة وتنفست بعمق، وأدركت أنني كنت أسجن نفسي في الغضب وأعاقبها بالنيران بينما كنت أظن أنني أعاقب صديقي.

وعند وصولي، سمعت صوتاً من الداخل، فقفزت عن الحمار وناديت بلهفة: يا صديقي، لقد نسيت ما كان بيننا من شقاق، فقم ولاقني بالعناق!.

فوجئت بصديقي يخرج إليّ معافى وهو يضحك ويرحب بي، واكتشفت أن ما سمعته كان صوت احتفال وفرح بقدومي.

عندما انتهى جحا من حكايته، أحس أحمد براحة وانشراح في صدره، وضحك الصبية جميعاً.

قال أحمد وهو يبتسم: "وأنا أيضاً سأفرغ خرجي مما فيه من غضب وحزن"، ثم تعانق الصديقان وسط تصفيق الرفاق، وغادروا الحديقة وهم يضحكون وكأن شيئاً لم يكن.

إرسال تعليق

أحدث أقدم