جحا ودعوة البخيل
في قديم الزمان، كان هناك رجل من أغنياء البلدة، ولكنه كان معروفاً بين الناس ببخله الشديد وحرصه الزائد على المال.
وذات يوم، مرض هذا الغني مرضاً شديداً ألزمه الفراش، فخاف على نفسه ودعا الله بصدق أن يشفيه ويعافيه، واعداً بأنه سيقيم حفلاً كبيراً للأصدقاء إن هو نجا من محنته.
وبالفعل استجاب الله لدعائه وتماثل للشفاء، فقام بإرسال طلب إلى جحا ليشاركه في تنفيذ وعده.
ذهب جحا إلى بيت الغني مهنئاً ومباركاً له على سلامته، فقال له الغني: "لقد وعدتُ بإقامة حفلة عشاء بمناسبة شفائي، وأريدك الآن أن تأتي معي لندعو الأصدقاء".
ظل جحا يسير مع الغني طوال اليوم في أنحاء البلدة لدعوة الناس، ومع مرور الساعات شعر جحا بجوع شديد، لكن الغني لم يقدم له أي لقمة طعام يسد بها رمقه طوال تلك المدة.
وعندما حان المساء، أمر الغني طاهيه بأن يملأ الموائد بأصناف الطعام، وبدأ الأصدقاء يتوافدون على البيت وهم يشعرون بالريبة؛ فقد كانوا يعرفون بخل صاحب البيت ولم يصدقوا أنه سيقدم لهم وليمة حقيقية.
ولكن حين دخلوا غرفة الطعام، دُهش الجميع من كثرة الأطعمة الفاخرة، فكان هناك الديك الرومي المحشو، والفطائر الشهية، وأطباق البقلاوة اللذيذة.
لم يستطع جحا صبراً من شدة الجوع، فأسرع بالجلوس أمام المائدة، وتبعه المدعوون بحماس.
بدأ الطاهي بتقديم حساء "الشوربة" الذي كانت تفوح منه رائحة زكية تفتح الشهية.
تذوق الغني ملعقة واحدة، ثم تظاهر بالغضب والتفت إلى الطاهي قائلاً: "كم مرة نبهتك ألا تضع الثوم في الطعام؟!".
حاول الطاهي الدفاع عن نفسه قائلاً إن الثوم ضروري لهذا النوع من الحساء، لكن الغني أمره بصرامة أن يرفع الإناء من أمامهم فوراً.
شعر جحا بالتحسر وهو يرى الشوربة تذهب بعيداً، لكنه كتم غيظه.
ثم جاء الدور على الديك الرومي المحشو الذي كان يبدو في أجمل صورة ورائحته تملأ المكان، فما كان من الغني إلا أن كرر حيلته وصاح في الطاهي: "تعساً لكم! لقد أمرتكم ألا تضعوا هذه البهارات في المآكل! هيا ارفعوه حالاً!".
طار الديك الرومي من أمام أعينهم، وظل جحا يتأوه بحزن وهو يشيع الطعام بنظراته الكئيبة.
وعندما حاول الطاهي تقديم طبق البقلاوة لجحا أولاً احتراماً له، صرخ الغني بحدة: "أيها الأبله! كيف يأكل جحا الحلوى قبل الطعام الرئيسي؟".
هنا انسحب الطاهي مذهولاً، وأدرك جحا بذكائه أن الغني يستخدم الحجج الواهية ليسحب كل صنف من أصناف الطعام ويحرمهم من الأكل.
لم ينتظر جحا حيلة جديدة، فبسرعة البرق أمسك بملعقة وهجم على طبق كبير من الأرز المغطى بالفستق واللوز، وأخذ يزدرد منه لقمة تلو الأخرى دون توقف.
صاح فيه الغني بخبث: "انتظر يا جحا حتى يحين وقت الأرز!".
فرد عليه جحا وهو يواصل الأكل بسرعة: "يا سيدي، أمهلني قليلاً لأملأ معدتي من طعامك اللذيذ قبل أن تبحث له عن عيب جديد وتطرده هو الآخر من المائدة بمجازاتك العجيبة!".