جحا والعلم بالشيء

جحا والعلم بالشيء


في يوم من الأيام، خرج جحا من منزله قاصداً السوق لشراء بعض الطعام. وبينما هو يسير في الطريق، صادفه جاره الذي كان يحمل في يده رسالة غامضة ويبحث بلهفة عمن يقرؤها له. فرح الجار برؤية جحا وقال له: "الحمد لله أنني وجدتك يا جحا! لقد وصلني هذا الخطاب من أحد أصدقائي، فأرجو أن تقرأه لي وتفهمني ما جاء فيه". تناول جحا الرسالة وأخذ يقلبها بين يديه بتركيز، لكنه اكتشف أنها مكتوبة بلغة أعجمية لا يعرفها أبداً. أعاد جحا الرسالة إلى جاره معتذراً وطلب منه أن يبحث عن شخص آخر ليقرأها له.

لم يقتنع الجار وأصرّ أن يقرأها جحا بالذات، فما كان من جحا إلا أن حاول تبرير موقفه قائلاً إن أفكاره مشوشة في تلك اللحظة، وأنه حتى لو كانت الرسالة باللغة العربية لما استطاع قراءتها وهو في هذه الحالة من الاضطراب. استشاط الجار غضباً وقال لجحا بسخرية: "إذا كنت لا تعرف القراءة، فلماذا تضع فوق رأسك هذه العمامة الكبيرة وتلبس هذه الجبة الطويلة لتظهر بمظهر العلماء والشيوخ؟!".

شعر جحا بالإهانة من كلمات جاره، فقام في الحال بخلع عمامته وجبته ورماهما في وجه الرجل قائلاً بغضب: "إذا كانت المعرفة والقراءة مرتبطة بالعمامة والجبة، فخذهما والبسهما أنت واقرأ لنا سطرين إن استطعت!". وترك جحا جاره مذهولاً واستمر في طريقه نحو السوق بملابسه البسيطة.

وفي الطريق، قابله صديق له تعجب من هيئته وسأله: "أين ملابسك يا جحا؟". فأجابه جحا بتهكم: "لقد أهديتها لرجل لا يعلم شيئاً". سأله الصديق عن وجهته، فأخبره جحا أنه ذاهب ليشتري "معلاقاً" (كبد ورئة وقلب الذبيحة) لغدائه. اقترح عليه الصديق أن هناك طريقة طبخ سرية ومميزة للمعلاق، فطلب منه جحا أن يكتب له الوصفة في ورقة حتى لا ينساها.

وبالفعل، كتب الصديق الوصفة بدقة وسلمها لجحا الذي ذهب بدوره إلى الجزار واشترى المعلاق. عندما رآه الجزار بدون عمامته وجبته المعهودة، سأله باستغراب إن كان قد تعرض للسرقة، فما كان من جحا إلا أن أجابه بأن الجزار هو الآخر لا يعلم شيئاً.

وبينما كان جحا عائداً إلى منزله يحمل المعلاق في يد والوصفة في اليد الأخرى، انقض عليه فجأة كلب ضال وخطف منه المعلاق وفرّ به هارباً. ولكن المثير للدهشة أن جحا لم يحزن ولم يركض خلف الكلب، بل وقف في مكانه بكل ثقة ورفع الورقة في وجه الكلب الصغير وهو يصيح خلفه: "لا فائدة لك فيما سرقت! فلن تستطيع أكله أبداً، لأن طريقة طبخه والوصفة ما زالت معي في هذه الورقة!".

وعندما وصل جحا إلى بيته، سألته زوجته بتعجب عما حدث لملابسه وطعامه، فأجابها ببرود: "لقد أخذ جاري ملابسي لأنه لا يعرف شيئاً، وأخذ الكلب طعامي ولكنه أيضاً لا يعرف شيئاً!".

إرسال تعليق

أحدث أقدم