جحا يعرف الطريق

جحا يعرف الطريق

أرادت زوجة جحا يوماً بعض الحطب لكي توقد ناراً تطهو عليها الطعام لأسرتهما. فخرج جحا بنشاط وذهب ليحتطب من مكان بعيد تكثر به الأشجار العالية.

وهناك اختار جحا شجرة كبيرة جداً، وصعد فوق أغصانها لكي يقطع منها غصناً ضخماً.

بدأ جحا يضرب الغصن بقوة مستخدماً فأسه، وبينما هو مشغول بعمله، مرّ من أسفل الشجرة شيخ كبير حكيم.

توقف الشيخ ونظر إلى الأعلى بدهشة، فرأى جحا يقف بجهل على نفس الغصن الذي يقوم بقطعه! نادى الشيخ بصوت عالٍ: "يا رجل، ماذا تصنع؟ إنك تقف فوق الغصن الذي تقطعه، والآن ستسقط وتقع على الأرض".

لكن جحا، الذي كان يظن نفسه دائماً على صواب، لم يعر الشيخ أذناً صاغية واستمر في الضرب بالفأس.

وبعد قليل، حدث ما حذر منه الشيخ؛ انكسر الغصن وسقط جحا معه بقوة إلى الأرض. راح جحا يصرخ من شدة الألم، وفي تلك اللحظة تذكر كلام الشيخ الذي تنبأ بسقوطه قبل أن يقع.

نهض جحا مسرعاً وجرى خلف الشيخ وهو ينادي: "يا شيخنا، يا شيخنا! لقد علمت بسقوطي قبل حدوثه، فأنت حتماً من أهل العلم الذين يعرفون الغيب، وأنا الآن أصدق كل ما تقوله".

تعجب الشيخ من كلامه وقال: "يا رجل، إن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وأنا لم أدعِ معرفة شيء، فالعلم عند الله".

لكن جحا أصرّ على رأيه وقال: "ولكنك أخبرتني أني سأقع ووقعت فعلاً، فأرجوك أخبرني الآن متى سأموت؟".

استنكر الشيخ هذا السؤال واستغفر الله، ثم حاول أن يكمل طريقه، لكن جحا تعلق بثوبه وظل يرجوه ويلح عليه بشدة حتى لم يجد الشيخ وسيلة للخلاص من هذه الورطة إلا بمجاراته.

قال الشيخ لجحا: "حسناً، اسمعني.. متى حملت حمارك حطباً، ونهق الحمار النهقة الأولى، فاعلم أن الموت قد بدأ".

سأل جحا بتعجل: "هل سأموت بعدها فوراً؟". أجابه الشيخ: "لا، ستخرج نصف روحك أولاً، فإذا نهق الحمار مرة ثانية، خرجت روحك كلها".

ثم انصرف الشيخ تاركاً جحا في حيرته.

جمع جحا الحطب ووضعه فوق حماره وسار به نحو البيت وهو يراقب الحمار بخوف. فجأة، مرّ بجوارهما حمار آخر، فنهق حمار جحا بصوت عالٍ.

ارتعش جحا وقال برعب: "هذه أول سكرات الموت، لقد خرج نصف روحي".

وبعد قليل، نهق الحمار مرة ثانية، فما كان من جحا إلا أن رمى بنفسه على الأرض وأغمض عينيه تماماً، وقال: "الآن لقد متّ!"، واستسلم تماماً كأنه جثة هادئة.

في تلك الأثناء، مرّ بعض أهل القرية ورأوا جحا ممدداً لا يتحرك، فظنوا أنه مات فعلاً.

أحضروا تابوتاً ووضعوه فيه، وحملوه فوق أكتافهم وساروا به نحو البلدة ليدفنوه.

وفي الطريق، وجدوا نهراً كبيراً يعترض طريقهم، فوقفوا حائرين يتشاورون: "كيف نعبر هذا النهر؟ هل نذهب من اليمين أم من اليسار؟ أي طريق هو الأسهل؟".

وبينما هم يجادلون في حيرة، لم يستطع جحا الصبر أكثر، فأخرج رأسه من التابعوت فجأة! صدم المشيعون وألقوا بالتابوت من شدة الخوف وهربوا بعيداً.

لكن جحا أشار بيده إليهم وقال بكل هدوء: "يا أصدقائي، عندما كنت حياً كنت أمرّ دائماً من هذا الاتجاه، فهو الأقرب والأسهل لكم.. ومع ذلك، احملوني في الاتجاه الذي يريحكم!".

إرسال تعليق

أحدث أقدم