جحا يشهد بالحق

جحا يشهد بالحق


في أحد الأيام، كان جحا يجلس في منزله حينما طرق بابه صديق له. استقبله جحا بابتسامته المعتادة ورحب به بحرارة. بدا على الصديق القلق، وقال بصوت خافت: "يا جحا، لقد جئتك وأنا في أشد الحاجة إليك". ظن جحا أن صديقه يمر بضائقة مادية، فسأله بلطف: "هل تحتاج إلى المال يا صديقي؟".

أجاب الصديق بسرعة: "لا يا جحا، فالمَالُ عندي كثير، ولكنني أحتاجك لتدلي بشهادة في صالحي أمام القاضي". تعجب جحا وسأله: "شهادة؟ وعلى ماذا أشهد؟". أوضح الصديق خطته قائلاً: "أريدك أن تخبر القاضي بأنني أعطيت شخصاً ما مائة إردب من القمح كدَين، ولم يرجعه لي".

صدم جحا وقال: "ولكنني يا صديقي لم أرك أبداً وأنت تعطيه هذا القمح!". رد الصديق بمكر: "أعلم ذلك، ولكنك صديقي الوفي وتحب لي الخير، أليس كذلك؟". رفض جحا هذا الطلب بشدة قائلاً: "أي خير هذا؟ إنك تطلب المستحيل!". تظاهر الصديق بالحزن والندم وقال: "ليتني لم آتِ إليك، كنت أظن أنك أفضل أصدقائي".

حاول جحا تهدئته قائلاً: "لا تحزن، يمكنك البحث عن شاهد آخر، فلو كنت رأيت ذلك حقاً لما تأخرت عن الشهادة". حينها، أخرج الصديق كيساً من المال وقال: "ما رأيك لو أعطيتك ثلاثين ديناراً مقابل هذه الشهادة البسيطة؟". هنا، تظاهر جحا بالموافقة وقال بسرور: "ثلاثون ديناراً؟ حسناً، اعتبرني شاهدك!".

فرح الصديق وأعطى جحا المال، واتفقا على الذهاب للقاضي في الصباح الباكر. وفي الطريق، أخذ الصديق يذكر جحا: "لا تنسَ يا جحا، مائة إردب من القمح، وقد حدث ذلك يوم السبت الماضي أمامك".

عندما وصلا إلى المحكمة، وقف الصديق أمام القاضي وادعى أن الرجل الآخر أخذ منه القمح. سأل القاضي: "هل لديك شاهد؟". أجاب الصديق بثقة: "نعم، إنه جحا، وهو رجل أهل ثقة".

تقدم جحا بكل وقار، فسأله القاضي: "أتشهد بذلك يا جحا؟". تنحنح جحا وقال بصوت عالٍ: "أشهد يا سيدي القاضي أن هذا الرجل يُداين الشخص الآخر بمائة إردب من الشعير!".

ارتبك الصديق وصاح: "يا جحا، إنه قمح وليس شعيراً!". لكن جحا أصر ببرود: "لا يا أخي، إنه شعير". تعجب القاضي وسأل جحا عن سر هذا التناقض.

هنا، كشف جحا عن ذكائه وصدقه بطريقة ساخرة قائلاً: "يا سيدي القاضي، ما دامت شكوى هذا الرجل كذباً في كذب، فلا بد أن تكون الشهادة أيضاً زوراً في زور، وفي عالم الكذب والزور.. لا فرق بين القمح والشعير!".

فهم القاضي أن الصديق حاول تزوير الحقيقة، وأمر بحبس الشاكي الكاذب ليكون عبرة لغيره.


إرسال تعليق

أحدث أقدم