الثور الغاضب

الثور الغاضب

الثور الغاضب

كَانَ هُنَاكَ ثَوْرٌ كَبِيرٌ يَعِيشُ فِي مَزْرَعَةٍ وَاسِعَةٍ وَهَادِئَةٍ. كَانَ هَذَا الثَّوْرُ فِي أَصْلِهِ طَيِّبَ القَلْبِ، يُحِبُّهُ جَمِيعُ مَنْ فِي المَزْرَعَةِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الطِّيبَةَ كَانَتْ تَتَحَوَّلُ فَجْأَةً إِلَى غَضَبٍ عَارِمٍ عِنْدَمَا يَقَعُ نَظَرُهُ عَلَى اللَّوْنِ الأَحْمَرَ. وَكَانَتِ الدَّجَاجَةُ الحَمْرَاءُ أَكْثَرَ مَنْ يُعَانِي مِنْ ذَلِكَ؛ فَبِمُجَرَّدِ أَنْ يَرَاهَا بِرِيشِهَا الأَحْمَرِ، يَنْدَفِعُ نَحْوَهَا وَيُطَارِدُهَا بِغَضَبٍ شَدِيدٍ.

وَفِي إِحْدَى المَرَّاتِ، كَانَتِ الدَّجَاجَةُ الحَمْرَاءُ تَحْمِلُ إِنَاءً مَمْلُوءًا بِالمَاءِ الصَّافِي بَعْدَ أَنْ مَلأَتْهُ مِنَ البُحَيْرَةِ، لِتُعْطِيَهُ لِصَدِيقَتِهَا البَطَّةِ كَيْ تَسْتَخْدِمَهُ فِي طَهْيِ طَعَامِ الغَدَاءِ. وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي بِحَذَرٍ، رَآهَا الثَّوْرُ تَقْتَرِبُ، وَفِي لَحْظَةٍ هَاجَ وَمَاجَ بِسَبَبِ لَوْنِهَا الأَحْمَرِ. عِنْدَمَا أَبْصَرَتْهُ الدَّجَاجَةُ يَقْتَرِبُ، ارْتَعَبَتْ وَرَمَتِ الإِنَاءَ فِي الهَوَاءِ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ، فَانْسَكَبَ المَاءُ كُلُّهُ فَوْقَ رَأْسِ الثَّوْرِ، بَلْ وَارْتَطَمَ الإِنَاءُ بِمُقَدِّمَةِ رَأْسِهِ وَغَطَّاهُ تَمَامًا حَتَّى حَجَبَ عَنْهُ الرُّؤْيَةَ. اشْتَدَّ غَضَبُ الثَّوْرِ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَالٍ: "لَنْ أَتْرُكَكِ أَيَّتُهَا الدَّجَاجَةُ الحَمْرَاءُ!".

هَرَبَتِ الدَّجَاجَةُ سَرِيعًا، بَيْنَمَا بَقِيَ الثَّوْرُ يَتَخَبَّطُ وَيَصْرُخُ طَالِبًا المَعُونَةَ لِيَنْزِعَ الإِنَاءَ العَالِقَ عَنْ عَيْنَيْهِ. وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، كَانَتِ البَقَرَةُ تَمُرُّ وَهِيَ تَحْمِلُ ثِمَارًا مِنَ الطَّمَاطِمِ الطَّازِجَةِ الحَمْرَاءَ. عِنْدَمَا سَمِعَتْ صَوْتَ الثَّوْرِ، اقْتَرَبَتْ مِنْهُ بِرِفْقٍ وَسَاعَدَتْهُ فِي تَخْلِيصِ رَأْسِهِ، لَكِنْ بِمُجَرَّدِ أَنْ خَرَجَ رَأْسُهُ وَرَأَى الطَّمَاطِمَ الحَمْرَاءَ فِي يَدِهَا، اسْتَعَدَّ لِيَهْجُمَ عَلَيْهَا، فَمَا كَانَ مِنَ البَقَرَةِ إِلَّا أَنْ رَمَتِ الطَّمَاطِمَ وَفَرَّتْ هَارِبَةً نَحْوَ الحُقُولِ.

بَعْدَ قَلِيلٍ، هَدَأَ الثَّوْرُ قَلِيلًا وَوَقَفَ يَتَنَاوَلُ أَعْشَابَهُ، لَكِنَّهُ لَمَحَ الحِمَارَ وَهُوَ يَقُومُ بِطِلاءِ سُورِ المَزْرَعَةِ بِاللَّوْنِ الأَحْمَرِ الزَّاهِي. تَرَكَ الثَّوْرُ طَعَامَهُ وَاتَّجَهَ نَحْوَ الحِمَارِ بِسُرْعَةٍ. عِنْدَمَا رَآهُ الحِمَارُ قَادِمًا، خَافَ كَثِيرًا وَظَنَّ أَنَّ الثَّوْرَ سَيُعَاقِبُهُ لأَنَّهُ أَخَذَ بَعْضًا مِنْ طَعَامِهِ لَيْلَةَ أَمْسِ، فَقَرَّرَ الحِمَارُ أَنْ يَسْكُبَ دَلْوَ الطِّلاءِ الأَحْمَرِ فَوْقَ جَسَدِهِ كَيْ يَتَخَفَّى وَلا يَعْرِفَهُ الثَّوْرُ.

رَأَتِ الأَرْنُوبَةُ مَا فَعَلَهُ الحِمَارُ فَصَرَخَتْ بِهِ: "أَيُّهَا الغَبِيُّ، اهْرُبْ! فَإِنَّ الثَّوْرَ لا يُحِبُّ اللَّوْنَ الأَحْمَرَ أَبَدًا، وَسَيَغْرِسُ قُرُونَهُ فِي جَسَدِكَ!". تَرَعَّشَ الحِمَارُ وَأَدْرَكَ خَطَأَهُ وَقَالَ: "لَقَدِ انْتَهَى أَمْرِي!". وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اقْتَرَبَ فِيهَا الثَّوْرُ وَهَمَّ بِنَطْحِ الحِمَارِ، سَقَطَ الحِمَارُ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الرُّعْبِ، فَانْدَفَعَ الثَّوْرُ بِقُوَّةِ غَضَبِهِ وَغُرِزَتْ قُرُونُهُ فِي السُّورِ الخَشَبِيِّ لِلْمَزْرَعَةِ.

قَامَ الحِمَارُ وَهُوَ يَشْعُرُ بِالفَرَحِ لِنَجَاتِهِ، وَبَدَأَ يَسِيرُ أَمَامَ الثَّوْرِ بِاخْتِيَالٍ وَزَهْوٍ، بَيْنَمَا كَانَ الثَّوْرُ العَالِقُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِغَيْظٍ شَدِيدٍ وَهُوَ يَقُولُ: "مَا أَجْمَلَ اللَّوْنَ الأَحْمَرَ!". بَعْدَ ذَلِكَ، سَاعَدَ جَمِيعُ الحَيَوَانَاتِ الثَّوْرَ فِي نَزْعِ قُرُونِهِ مِنَ السُّورِ، وَحَضَرَ الخَرُوفُ وَهُوَ يَحْمِلُ مَعَهُ نَظَّارَةً عَجِيبَةً تُظْهِرُ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِاللَّوْنِ الزَّهْرِيِّ الهَادِئِ. ارْتَدَى الثَّوْرُ النَّظَّارَةَ، وَفَجْأَةً هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَوَقَفَ الجَمِيعُ مَعًا لالْتِقَاطِ صُورَةٍ جَمِيعَةٍ، يَظْهَرُ فِيهَا الثَّوْرُ وَهُوَ يَرْتَدِي النَّظَّارَةَ الزَّهْرِيَّةَ.. وَيَبْتَسِمُ لِلْجَمِيعِ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم