حِكايَةُ أَرْنُوبٍ وَالضَّرْسِ الْمسووس

حِكايَةُ أَرْنُوبٍ وَالضّرْسِ الْمسووس

كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي غَابَةٍ خَضْرَاءَ جَمِيلَةٍ، يَعِيشُ أَرْنَبٌ صَغِيرٌ لَطِيفٌ لَهُ أَسْنَانٌ قَوِيَّةٌ وَبَيْضَاءُ كَالثَّلْجِ. كَانَ هَذَا الأَرْنَبُ الصَّغِيرُ يَسْتَمْتِعُ بِقَضْمِ الْجَزَرِ الطَّرِيِّ وَتَنَاوُلِ أَوْرَاقِ الْخَسِّ الْأَخْضَرِ النَّظِيفِ الَّذِي يُقَوِّي جِسْمَهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ الصَّبُورَةُ "أَرْنُوبَةُ" تَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ مَعَ حُلُولِ الظَّلَامِ، فَتَقْصِدُ الْحُقُولَ الْبَعِيدَةَ بَحْثاً عَنْ أَفْضَلِ الْخُضَرِ وَالثِّمَارِ النَّافِعَةِ لِطِفْلِهَا الْوَحِيدِ. وَكَانَتْ دَائِماً تَعُودُ مَعَ خُيُوطِ الْفَجْرِ الأُولَى، قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ الْفَلَّاحُونَ وَيَذْهَبُوا إِلَى مَزَارِعِهِمْ، لِتُقَدِّمَ لِصَغِيرِهَا وَجْبَةً طَازَجَةً وَشَهِيَّةً.

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، اسْتَأْذَنَ الأَرْنَبُ الصَّغِيرُ أُمَّهُ لِيَزُورَ صَدِيقَهُ الْجَدِيدَ "سَنْجُوبَ" السِّنْجَابَ ذَا الذَّيْلِ الطَّوِيلِ. اسْتَقْبَلَ سَنْجُوبُ صَدِيقَهُ بِفَرَحٍ كَبِيرٍ، وَقَدَّمَ لَهُ سَلَّةً مَلِيئَةً بِالْفَاكِهَةِ وَبِتِلْكَ النَّبْتَةِ الْحَمْرَاءِ الْمَعْرُوفَةِ بِـ "الشَّمَنْدَرِ". مَدَّ الأَرْنَبُ الرَّمَادِيُّ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ وَذَاقَ الشَّمَنْدَرَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، فَوَجَدَ طَعْمَهُ حُلْواً جِدّاً وَلَذِيذاً لَا يُقَاوَمُ. أَخَذَ الأَرْنَبُ يَأْكُلُ وَيَأْكُلُ بِنَهَمٍ، وَمِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، صَارَ يَزُورُ سَنْجُوباً كَثِيراً فَقَطْ لِيَأْكُلَ الشَّمَنْدَرَ الْحُلْوَ.

عِنْدَمَا عَادَ الأَرْنَبُ إِلَى بَيْتِهِ، لَمْ يَعُدْ يَرْغَبُ فِي طَعَامِهِ الْقَدِيمِ، وَأَصْبَحَ يُلِحُّ عَلَى أُمِّهِ قَائِلاً: «أُمِّي! أَرْجُوكِ، لَا أُرِيدُ الْجَزَرَ الْأَحْمَرَ وَلَا الْخَسَّ الأَخْضَرَ، أَنَا أُحِبُّ الشَّمَنْدَرَ فَقَطْ، فَابْحَثِي لِي عَنْهُ!». وَلِأَنَّ الأُمَّ كَانَتْ حَنُوناً جِدّاً وَتُحِبُّ تَدْلِيلَ صَغِيرِهَا، بَدَأَتْ تُحْضِرُ لَهُ مَا طَلَبَ، رَغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَضَعُ مَعَهُ الْجَزَرَ وَالْخَسَّ لِيَظَلَّ قَوِيّاً. لَكِنَّ الأَرْنَبَ الْعَنِيدَ كَانَ يَتْرُكُ الْخُضْرَاوَاتِ وَيَأْكُلُ الشَّمَنْدَرَ السَّكَرِيَّ وَحْدَهُ.

وَفِي صَبَاحِ أَحَدِ الأَيَّامِ، اسْتَيْقَظَ الأَرْنَبُ الرَّمَادِيُّ وَهُوَ يَصْرُخُ مِنَ الأَلَمِ. كَانَ يَبْكِي بِحُرْقَةٍ وَيَمْسِكُ خَدَّهُ قَائِلاً: «آهِ يَا أُمِّي! أَسْرِعِي، إِنَّ أَسْنَانِي تُؤْلِمُنِي جِدّاً!». ارْتَعَبَتِ الأُمُّ وَجَزِعَتْ عَلَى وَلَدِهَا، فَانْطَلَقَتْ مُسْرِعَةً لِتُنَادِيَ طَبِيبَ الأَسْنَانِ. حَضَرَ الطَّبِيبُ عَلَى عَجَلٍ وَهُوَ يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ الطِّبِّيَّةَ، وَطَمْأَنَ الأَرْنَبَ قَائِلاً: «افْتَحْ فَمَكَ يَا أَرْنُوبُ وَلَا تَخَفْ».

امْتَثَلَ الأَرْنَبُ لِأَمْرِ الطَّبِيبِ وَفَتَحَ فَمَهُ وَاسِعاً، وَبَعْدَ أَنْ فَحَصَهُ الطَّبِيبُ بِدِقَّةٍ، هَزَّ رَأْسَهُ بِيَأْسٍ وَقَالَ: «لَقَدْ تَمَكَّنَ السُّوسُ مِنْ أَسْنَانِكَ لِأَنَّكَ أَكْثَرْتَ مِنَ السُّكَّرِيَّاتِ وَالأَطْعِمَةِ الْحُلْوَةِ». ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ الْحَزِينِ: «لَا بُدَّ أَنْ أَقْلَعَ لَكَ هَذَا السنَّ الْمُصَابَ، وَسَأُعْطِيكَ دَوَاءً لِيَزُولَ الأَلَمُ». وَأَضَافَ الطَّبِيبُ نَصِيحَةً غَالِيَةً: «الدَّوَاءُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، عَلَيْكَ أَنْ تَتْرُكَ الْعِنَادَ وَتُهِمَّ بِتَنْوِيعِ طَعَامِكَ، فَالْجَزَرُ وَالْخَسُّ هُمَا سِرُّ جَمَالِ أَسْنَانِ الأَرَانِبِ».

هَزَّ أَرْنُوبٌ رَأْسَهُ مُوَافِقاً وَهُوَ نَادِمٌ عَلَى مَا فَعَلَ، ثُمَّ سَأَلَ الطَّبِيبَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: «هَلْ سَيَنْبُتُ سِنِّي مِنْ جَدِيدٍ يَا حَكِيمُ؟». فَتَبَسَّمَ الطَّبِيبُ وَوَعَدَهُ بِأَنَّ الِاهْتِمَامَ بِالغِذَاءِ الصِّحِّيِّ سَيُعِيدُ لَهُ ضِحْكَتَهُ الْجَمِيلَةَ وَأَسْنَانَهُ الْقَوِيَّةَ. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم