جَنَّات فِي مُغَامَرَةِ التَّخْيِيمِ الشَّيِّقَةِ
أَشْرَقَتْ شَمْسُ الصَّبَاحِ الدَّافِئَةُ لِتُعْلِنَ عَنْ بَدْءِ يَوْمٍ مُمَيَّزٍ جِدّاً فِي حَيَاةِ جَنَّات، فَقَدْ قَرَّرَتِ العَائِلَةُ القِيَامَ بِرِحْلَةِ تَخْيِيمٍ فِي الطَّبِيعَةِ الخَلَّابَةِ. كَانَتْ جَنَّات تَقْفِزُ مِنَ الفَرَحِ وَهِيَ تُسَاعِدُ وَالِدَهَا فِي تَجْهِيزِ الأَمْتِعَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أُخْتُهَا الصُّغْرَى جُمَانَة تُحَاوِلُ وَضْعَ أَلْعَابِهَا فِي الحَقِيبَةِ الكَبِيرَةِ. لَمْ يَنْسَ أَحَدٌ الكَلْبَ الصَّغِيرَ "رُوكِي"، الَّذِي كَانَ يَهزُّ ذَيْلَهُ بِحَمَاسٍ وَكَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مُغَامَرَةً كَبِيرَةً تَنْتَظِرُهُ بَيْنَ الأَشْجَارِ وَالأَعْشَابِ. انْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ مُحَمَّلَةً بِالخَيْمَةِ، وَالأَكْيَاسِ المُلَوَّنَةِ، وَالكَثِيرِ مِنَ الحُبِّ وَالضَّحِكَاتِ، وَبَعْدَ رِحْلَةٍ قَصِيرَةٍ بَيْنَ التِّلَالِ الخَضْرَاءِ، وَصَلُوا إِلَى مَكَانٍ سَاحِرٍ بِجِوَارِ غَابَةٍ كَثِيفَةٍ وَنَهْرٍ صَافٍ يَتَرَقْرَقُ مَاؤُهُ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ.
بَدَأَ العَمَلُ الجَادُّ بِمُجَرَّدِ الوُصُولِ، فَقَدْ تَعَاوَنَ الجَمِيعُ لِنَصْبِ الخَيْمَةِ الكَبِيرَةِ. جَنَّات أَمْسَكَتْ بِالأَوْتَادِ، وَوَالِدُهَا يَدُقُّهَا فِي الأَرْضِ بِقُوَّةٍ، وَجُمَانَة تُرَاقِبُ بِدَهْشَةٍ كَيْفَ تَرْتَفِعُ القُمَاشَةُ المُلَوَّنَةُ لِتُصْبِحَ بَيْتاً صَغِيراً مريحاً. قَالَتْ جَنَّات بِفَخْرٍ: "انْظُرُوا! لَقَدْ أَصْبَحَ لَدَيْنَا مَنْزِلٌ وَسَطَ الغَابَةِ". بَعْدَ ذَلِكَ، قَامُوا بِتَرْتِيبِ الأَفْرِشَةِ وَالوَسَائِدِ فِي الدَّاخِلِ، وَخَصَّصُوا زَاوِيَةً لِمُعِدَّاتِ الطَّبْخِ الصَّغِيرَةِ. كَانَ المَكَانُ يَبْدُو مِثْلَ القِصَصِ الخَيَالِيَّةِ، حَيْثُ رَائِحَةُ الصَّنَوْبَرِ تَمْلأُ الجَوَّ، وَزَقْزَقَةُ العَصَافِيرِ تَعْزِفُ أَلْحَاناً عِذْبَةً تُرَحِّبُ بِالزُّوَّارِ الجُدُدِ.
عِنْدَمَا حَانَ وَقْتُ الغَدَاءِ، جَلَسَتِ العَائِلَةُ عَلَى مَفْرَشٍ كَبِيرٍ فَوْقَ العُشْبِ. تَنَاوَلُوا الشَّطَائِرَ اللَّذِيذَةَ وَالفَوَاكِهَ الطَّازِجَةَ، وَشَعَرُوا بِطَعْمٍ مُخْتَلِفٍ لِلأَكْلِ فِي الهَوَاءِ الطَّلْقِ. بَعْدَ الغَدَاءِ، انْطَلَقَتْ جَنَّات مَعَ جُمَانَة وَرُوكِي فِي جَوْلَةِ اسْتِكْشَافٍ. وَجَدُوا جَدْوَلاً صَغِيراً، فَخَلَعُوا أَحْذِيَتَهُمْ وَبَدَأُوا يَلْعَبُونَ بِالمَاءِ البَارِدِ، بَيْنَمَا كَانَ رُوكِي يُطَارِدُ الفَرَاشَاتِ المُلَوَّنَةَ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنْ زَهْرَةٍ إِلَى أُخْرَى. تَعَلَّمَتْ جَنَّات كَيْفَ تُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الأَشْجَارِ، وَرَأَتْ سِنْجَاباً صَغِيراً يَتَسَلَّقُ جِذْعَ شَجَرَةِ بَلُّوطٍ بِسُرْعَةٍ خَارِقَةٍ، مِمَّا جَعَلَهَا تَضْحَكُ مِنْ قَلْبِهَا.
وَمَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بَدَأَتِ السَّمَاءُ تَتَلَوَّنُ بِالأُرْجُوانِيِّ وَالذَّهَبِيِّ. سَاعَدَتْ جَنَّات وَالِدَهَا فِي جَمْعِ بَعْضِ الأَغْصَانِ الجَافَّةِ لِإِشْعَالِ نَارٍ صَغِيرةٍ لِتَدْفِئَةِ الجَلْسَةِ. جَلَسُوا حَوْلَ النَّارِ، وَبَدَأَ الوَالِدُ يَحْكِي لَهُمْ حِكَايَاتٍ عَنِ النُّجُومِ وَمَوَاقِعِهَا فِي السَّمَاءِ. كَانَتِ اللَّحْظَةُ سَاحِرَةً، حَيْثُ تَلأْلأَتِ النُّجُومُ كَأَنَّهَا حَبَّاتُ أَلْمَاسٍ مَنْثُورَةٍ عَلَى سِجَادٍ أَسْوَدَ. شَعَرَتْ جَنَّات بِالسَّكِينَةِ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى هَذَا الكَوْنِ الواسِعِ، وَأَدْرَكَتْ كَمْ هِيَ جَمِيلَةٌ بَسَاطَةُ العَيْشِ فِي حِضْنِ الطَّبِيعَةِ، بَعِيداً عَنْ ضَجِيجِ المَدِينَةِ.
أخِيراً، حَانَ وَقْتُ النَّوْمِ. دَخَلَتِ الفَتَاتَانِ إِلَى أَكْيَاسِ النَّوْمِ الدافِئَةِ دَاخِلَ الخَيْمَةِ. كَانَ رُوكِي قَدْ تَعِبَ مِنَ اللَّعِبِ الطَّوِيلِ، فَنَامَ عِنْدَ أَقْدَامِهِمَا. اسْتَمَعَتْ جَنَّات إِلَى أَصْوَاتِ الغَابَةِ فِي اللَّيْلِ، مِثْلَ حَفِيفِ الأَوْرَاقِ وَصِيَاحِ البُومَةِ البَعِيدِ، وَلَمْ تَشْعُرْ بِالخَوْفِ أَبَداً، بَلْ أَحَسَّتْ بِالأَمَانِ لِأَنَّ عَائِلَتَهَا بِقُرْبِهَا. أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَهِيَ تَبْتَسِمُ، مُنْتَظِرَةً شُرُوقَ شَمْسِ يَوْمٍ جَدِيدٍ لِتُكْمِلَ مُغَامَرَتَهَا فِي رِحْلَةِ التَّخْيِيمِ الَّتِي لَنْ تَنْسَاهَا أَبَداً.