جحا إناءُ العَسَلِ

جحا إناءُ العَسَلِ

جحا إناءُ العَسَلِ

كان جحا يجلسُ في زاويةٍ من زوايا السوقِ الكبير، وقد وضعَ أمامَهُ أوعيةً كبيرةً مليئةً بعسلِ النحلِ الصافي الذي يلمعُ تحتَ أشعةِ الشمسِ كأنهُ الذهبُ المذاب. وبينما هو يترقبُ الزبائن، اقتربَ منهُ رجلٌ غنيٌّ يرتدي ثياباً فاخرة، ويمشي بخيلاءٍ وتكبرٍ وكأنهُ يملكُ السوقَ بمَنْ فيه. وقفَ الغنيُّ أمامَ جحا، وسألهُ بنبرةٍ فيها الكثيرُ من الغرور: "يا جحا، هل عسلُكَ هذا حلوٌ ومذاقُهُ جيد؟".

نظرَ إليهِ جحا بهدوءٍ وثبات، ولم ينفعل من أسلوبِهِ المستفز، بل ردَّ عليهِ ببرودٍ تام: "وهل يوجدُ في الدنيا عسلٌ غيرُ حلوٍ يا سيدي؟". لم يعجبِ الغنيُّ ردُّ جحا، فأرادَ أن يجادلَهُ أكثر فقال: "ربما يكونُ مغشوشاً ومخلوطاً بشيءٍ آخر!". ابتسمَ جحا وقالَ لهُ بحكمة: "إذا كنتَ لا تصدقُ جودةَ عسلي، فاشترِ منهُ وذُقْهُ لكي تعرفَ الحقيقةَ بنفسك".

فكرَ الغنيُّ قليلاً ثم سأل: "هل يمكنني أن أشتري إناءً كاملاً من هذا العسل؟". فأجابَهُ جحا فوراً: "بالطبع، يمكنكَ أن تشتريَ ما تشاءُ من الكميات". حينها أشارَ الغنيُّ إلى وعاءٍ فخاريٍّ كبير وقال: "إذن هاتِ هذا الإناءَ واملأهُ لي بالعسل". تناولَ جحا الإناءَ وبدأ يسكبُ فيهِ العسلَ بعنايةٍ حتى امتلأَ تماماً، ثم ناولَهُ للرجلِ الغني.

أمسك الغنيُّ بالإناء، وبدلاً من أن يدفعَ الثمن، استدارَ بسرعةٍ وهمَّ بالانصرافِ مبتعداً. ولكنَّ جحا كانَ يقظاً، فخطا خلفَهُ خطواتٍ سريعةً وأمسكَ بطرفِ حزامِهِ بقوةٍ وقالَ لهُ بصوتٍ مسموع: "يا سيدي، هاتِ الثمن!". التفتَ إليهِ الغنيُّ بملامحَ جادةٍ وكاذبة وقالَ مستنكراً: "ماذا دهاك؟ ألم أعطِكَ عشرةَ دراهمٍ ثمناً له؟!".

فهمَ جحا في تلكَ اللحظةِ أنَّ هذا الرجلَ يريدُ أن يخدعَهُ ويسرقَ تعبَهُ أمامَ الناس. صمتَ جحا لثوانٍ وكأنهُ يصدقُهُ، ثم في لمحِ البصر، خطفَ الإناءَ من يدِ الغنيِّ بسرعةٍ مذهلة، وأفرغَ كلَّ ما فيهِ من عسلٍ وأعادهُ إلى الخابيةِ الكبيرة. ثم أعادَ الإناءَ الفارغَ للرجلِ وقالَ لهُ بذكاء: "خُذْ إناءَكَ واذهب بسرعة، ألم أعطِكَ فيهِ عسلاً مقابلَ العشرةِ دراهمٍ التي زعمتَ أنكَ دفعتها؟".

بدأَ الغنيُّ يصرخُ ويصيحُ مدعياً أنَّ جحا سرقَ عسلَهُ، فتجمعَ الناسُ حولهما ليعرفوا الحقيقة. وعندما نظرَ الناسُ داخلَ الإناء، لم يجدوا فيهِ إلا أثراً بسيطاً من العسلِ المتبقي على الجدران، وهو ما أكدَ صدقَ جحا الذي قالَ إنهُ أفرغَهُ ليردَّ لهُ مالَهُ المزعوم. حينها أدركَ الجميعُ كذبَ الغنيِّ وطمعَهُ، فانقلبوا عليهِ وضربوهُ جزاءً لخديعتِهِ، ثم طردوهُ من السوقِ وهو يجرُّ أذيالَ الخيبة، بينما عادَ جحا يكملُ بيعَ عسلِهِ بسلام.

إرسال تعليق

أحدث أقدم