جَنَّاتُ وَالْكَلْبُ الصَّغِيرُ رُوكِي
فِي صَبَاحِ يَوْمٍ مُشْمِسٍ تَمْلَؤُهُ ضَحَكَاتُ الْعَصَافِيرِ، كَانَتِ الطِّفْلَةُ اللَّطِيفَةُ جَنَّاتُ تَلْعَبُ فِي حَدِيقَةِ مَنْزِلِهَا الْوَاسِعَةِ مَعَ كَلْبِهَا الصَّغِيرِ الْمَحْبُوبِ رُوكِي. كَانَ رُوكِي كَلْبًا نَشِيطًا جِدًّا، ذَا فَرْوٍ نَاعِمٍ وَعَيْنَيْنِ لَامِعَتَيْنِ، يُحِبُّ الرَّكْضَ خَلْفَ الْكُرَاتِ الْمُلَوَّنَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَتْ جَنَّاتُ تَرْمِي لَهُ الطَّابَةَ الْحَمْرَاءَ، لَمَحَ رُوكِي فَرَاشَةً زَاهِيَةً تَرِفُّ بِأَجْنِحَتِهَا قُرْبَ السُّورِ، فَانْدَفَعَ خَلْفَهَا بِحَمَاسٍ شَدِيدٍ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ إِلَى أَنَّ بَابَ الْحَدِيقَةِ كَانَ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، فَخَرَجَ إِلَى الشَّارِعِ وَتَاهَ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ.
بَعْدَ قَلِيلٍ، نَادَتْ جَنَّاتُ: "رُوكِي! رُوكِي! تَعَالَ يَا صَدِيقِي!"، لَكِنَّ رُوكِي لَمْ يَظْهَرْ. بَدَأَتْ دَقَّاتُ قَلْبِ جَنَّاتَ تَتَسَارَعُ، وَشَعَرَتْ بِحُزْنٍ كَبِيرٍ، فَأَسْرَعَتْ إِلَى أُخْتِهَا الصُّغْرَى جُمَانَةَ وَقَالَتْ لَهَا وَالدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهَا: "يَا جُمَانَةُ، لَقَدْ ضَاعَ رُوكِي! لَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَدِيقَةِ وَلَا أَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ الآنَ". كَانَتْ جُمَانَةُ طِفْلَةً ذَكِيَّةً وَشُجَاعَةً، فَقَالَتْ لِأُخْتِهَا الْكُبْرَى: "لَا تَبْكِي يَا جَنَّاتُ، سَنَبْحَثُ عَنْهُ مَعًا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَنَا وَاثِقَةٌ أَنَّنَا سَنَجِدُهُ".
خَرَجَتِ الْأُخْتَانِ إِلَى الطَّرِيقِ، وَبَدَأَتَا تَسْأَلَانِ الْجِيرَانَ وَالْمَارَّةَ، لَكِنْ لَا أَحَدَ رَأَى رُوكِي. وَفِي طَرِيقِهِمَا، رَأَتَا الْقِطَّةَ بَسْبِسَ تَمْشِي فَوْقَ السُّورِ، فَنَادَتْهَا جَنَّاتُ: "يَا بَسْبِسُ، هَلْ رَأَيْتِ صَدِيقَنَا رُوكِي؟"، مَوَاءَتِ الْقِطَّةُ بَسْبِسُ وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا نَحْوَ السُّوقِ الْكَبِيرِ، وَكَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تُرْشِدَهُمَا إِلَى مَكَانِهِ. انْطَلَقَتْ جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ نَحْوَ السُّوقِ، وَكَانَ الزِّحَامُ شَدِيدًا، لَكِنَّهُمَا لَمْ تَتَوَقَّفَا عَنِ النِّدَاءِ: "رُوكِي! رُوكِي!".
وَفَجْأَةً، لَمَحَتْ جُمَانَةُ الصُّغْرَى شَيْئًا يَتَحَرَّكُ خَلْفَ عَرَبَةِ الْفَاكِهَةِ، فَصَرَخَتْ بِفَرَحٍ: "انْظُرِي يَا جَنَّاتُ! هُنَاكَ كَلْبٌ صَغِيرٌ!". رَكَضَتِ الْفَتَاتَانِ، وَإِذَا بِهِ رُوكِي يَلْعَبُ مَعَ صَبِيٍّ كَانَ يَعْمَلُ فِي مَحَلِّ الْخُضَارِ. كَانَ الصَّبِيُّ قَدْ وَجَدَ رُوكِي تِائِهًا وَخَائِفًا، فَأَعْطَاهُ قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ وَرَعَاهُ حَتَّى تَحْضُرَ صَاحِبَتُهُ.
غَمَرَتِ السَّعَادَةُ قَلْبَ جَنَّاتَ، وَارْتَمَى رُوكِي فِي حِضْنِهَا وَهُوَ يَهزُّ ذَيْلَهُ فَرَحًا وَحُبًّا. شَكَرَتْ جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ الصَّبِيَّ الطَّيِّبَ كَثِيرًا، وَعَادُوا جَمِيعًا إِلَى الْمَنْزِلِ وَهُمْ فِي غَايَةِ السُّرُورِ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَصْبَحَتْ جَنَّاتُ أَكْثَرَ حِرْصًا عَلَى إِغْلَاقِ الْبَابِ، وَظَلَّتْ جُمَانَةُ تَفْتَخِرُ بِأَنَّهَا سَاعَدَتْ فِي إِعَادَةِ رُوكِي إِلَى حِضْنِ الْعَائِلَةِ، لِيَعِيشُوا مَعًا فِي أَمَانٍ وَهَنَاءٍ.