تَسْرِيحَتِي الْمُخْتَلِفَةُ تُعْجِبُنِي

 تَسْرِيحَتِي الْمُخْتَلِفَةُ تُعْجِبُنِي


فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ الْمُشْرِقَةِ، وَقَفَتْ جَنَّاتُ أَمَامَ الْمِرْآةِ تَتَأَمَّلُ شَعْرَهَا الطَّوِيلَ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى وَالِدَتِهَا وَقَالَتْ بِحَمَاسٍ: «لَمْ أَرَ وَاحِدَةً مِنْ رَفِيقَاتِي فِي الْمَدْرَسَةِ سَرَّحَتْ شَعْرَهَا بِتَسْرِيحَةٍ تُشْبِهُ ذَيْلَ الْحِصَانِ. أَرْجُوكِ يَا أُمِّي، أُرِيدُ أَنْ تُسَرِّحِي لِي شَعْرِي بِتَسْرِيحَةِ ذَيْلِ الْحِصَانِ، بِحَيْثُ يَتَهَدَّلُ بِرِقَّةٍ خَلْفَ رَأْسِي». ابْتَسَمَتِ الْأُمُّ وَلَبَّتْ طَلَبَ ابْنَتِهَا عَلَى الْفَوْرِ. وَحِينَمَا خَطَتْ جَنَّاتُ خُطَوَاتِهَا الْأُولَى فِي سَاحَةِ الْمَدْرَسَةِ، رَآهَا الْأَوْلَادُ فَصَارُوا يَهْتِفُونَ بِسُخْرِيَةٍ: «بَشِعَةٌ، شَنِيعَةٌ، قَبِيحَةٌ جِدًّا!». لَمْ تَهْتَزَّ ثِقَةُ جَنَّاتَ بِنَفْسِهَا، بَلْ رَفَعَتْ رَأْسَهَا وَأَجَابَتْ بِاعْتِزَازٍ: «هَذِهِ تَسْرِيحَتِي، هِيَ ذَاتُ شَكْلٍ مُخْتَلِفٍ وَتُعْجِبُنِي».

لَكِنَّ الْمُفَاجَأَةَ كَانَتْ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، حَيْثُ وَصَلَتْ جَنَّاتُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ لِتَجِدَ أَنَّ كُلَّ الْفَتَيَاتِ قَدْ تَقَمَّصْنَ شَخْصِيَّتَهَا، وَزَيَّنَّ شُعُورَهُنَّ بِتَسْرِيحَةِ ذَيْلِ الْحِصَانِ الَّتِي تَتَهَدَّلُ خَلْفَ الرَّأْسِ. نَظَرَتْ جَنَّاتُ إِلَى رَفِيقَاتِهَا بَشَيْءٍ مِنَ الْعَتَبِ وَقَالَتْ: «أَنْتُنَّ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمُقَلِّدَاتِ، تَفْعَلْنَ مِثْلَمَا أَفْعَلُ، وَلَيْسَ لَدَيْكُنَّ ذَرَّةُ عَقْلٍ فِي رُؤُوسِكُنَّ».

وَفِي الصَّبَاحِ التَّالِي، سَأَلَتِ الْأُمُّ ابْنَتَهَا عَمَّا إِذَا كَانَتْ تُرِيدُ التَّسْرِيحَةَ نَفْسَهَا، فَأَجَابَتْ جَنَّاتُ: «لَا، أُرِيدُ تَسْرِيحَةَ ذَيْلِ الْحِصَانِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ أُرِيدُهَا جَانِبِيَّةً يَتَهَدَّلُ فِيهَا الشَّعْرُ فَوْقَ أُذُنِي». تَعَجَّبَتِ الْأُمُّ وَسَأَلَتْهَا إِنْ كَانَتْ مُتَأَكِّدَةً، فَأَجَابَتْ جَنَّاتُ بِحَزْمٍ: «نَعَمْ». وَكَمَا حَدَثَ سَابِقًا، سَخِرَ مِنْهَا الْأَوْلَادُ وَوَصَفُوهَا بِالْبَشَاعَةِ، فَأَجَابَتْهُمْ بِقَنَاعَتِهَا الْمَعْهُودَةِ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، قَلَّدَهَا الْجَمِيعُ حَتَّى بَعْضُ الصِّبْيَةِ!.

تَكَرَّرَ الْأَمْرُ مَرَّةً أُخْرَى حِينَ طَلَبَتْ جَنَّاتُ أَنْ يَكُونَ شَعْرُهَا مَرْفُوعًا لِلْأَعْلَى مِثْلَ الشَّجَرَةِ. وَرَغْمَ اسْتِغْرَابِ أُمِّهَا، نَفَّذَتْ لَهَا مَا أَرَادَتْ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ رَآهَا التَّلَامِيذُ، نَعَتُوهَا بِالْقُبْحِ، لَكِنَّهُمْ فِي الْيَوْمِ التَّالِي ظَهَرُوا جَمِيعًا وَكَأَنَّ شُجَيْرَاتِ نَخْلٍ صَغِيرَةٍ نَبَتَتْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ!.

بَلَغَ التَّحَدِّي ذُرْوَتَهُ حِينَ طَلَبَتْ جَنَّاتُ تَسْرِيحَةً يَتَهَدَّلُ فِيهَا الشَّعْرُ أَمَامَ وَجْهِهَا وَفَوْقَ أَنْفِهَا. حَذَّرَتْهَا أُمُّهَا قَائِلَةً: «هَكَذَا لَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ إِذا كُنْتِ مُقْبِلَةً أَوْ مُغَادِرَةً!». وَبِالْفِعْلِ، اصْطَدَمَتْ جَنَّاتُ فِي طَرِيقِهَا بِأَرْبَعِ أَشْجَارٍ، وَثَلَاثِ سَيَّارَاتٍ، وَحَائِطَيْنِ، وَحَتَّى بِنَاظِرِ الْمَدْرَسَةِ!. وَرَغْمَ سُخْرِيَةِ الْأَوْلَادِ، تَمَسَّكَتْ جَنَّاتُ بِرَأْيِهَا. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، عَمَّتِ الْفَوْضَى الْمَدْرَسَةَ؛ فَقَدْ قَلَّدَهَا التَّلَامِيذُ وَالْمُعَلِّمَةُ أَيْضًا، وَبَدَؤُوا يَتَخَبَّطُونَ فِي الطَّاوِلَاتِ وَالْجُدْرَانِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الرُّؤْيَةِ.

حِينَهَا صَرَخَتْ جَنَّاتُ بِغَضَبٍ: «أَنْتُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ فَاقِدِي الْعُقُولِ! حَسَنًا، سَوْفَ آتِي غَدًا وَقَدْ حَلَقْتُ شَعْرَ رَأْسِي». وَفِي الصَّبَاحِ التَّالِي، حَدَثَ أَمْرٌ لَا يُصَدَّقُ؛ كَانَتِ الْمُعَلِّمَةُ أَوَّلَ الْوَاصِلِينَ وَقَدْ حَلَقَتْ شَعْرَهَا تَمَامًا، ثُمَّ تَبِعَهَا الصِّبْيَةُ وَالْفَتَيَاتُ وَكُلُّهُمْ صُلْعٌ. وَكَانَتْ جَنَّاتُ آخِرَ مَنْ وَصَلَ... وَلَكِنْ، لَمْ تَكُنْ صَلْعَاءَ، بَلْ كَانَتْ قَدْ زَيَّنَتْ شَعْرَهَا بِتَسْرِيحَةِ ذَيْلِ الْحِصَانِ الْأُولَى، بِحَيْثُ يَتَهَدَّلُ الشَّعْرُ بِبَسَاطَةٍ خَلْفَ الرَّأْسِ، لِتَكُونَ هِيَ الْوَحِيدَةَ الْمُخْتَلِفَةَ مَرَّةً أُخْرَى!.


إرسال تعليق

أحدث أقدم