مَشْرُوعُ الصَّيْفِ لِجَنَّاتٍ وَجُمَانَة
كَانَتِ الشَّمْسُ مُشْرِقَةً وَدَافِئَةً عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ الجَمِيلِ، حَيْثُ تَعَالَتْ ضَحِكَاتُ الأَطْفَالِ وَمَرَحُهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ. كَانَ الشَّاطِئُ يَعِجُّ بِالحَرَكَةِ؛ فَهَذَا يَسْبَحُ فِي المِيَاهِ الزَّرْقَاءِ، وَذَاكَ يَجْرِي عَلَى الرِّمَالِ الذَّهَبِيَّةِ. وَسَطَ هَذَا المَنْظَرِ المُبْهِجِ، وَقَفَ العَمُّ جِهَادُ، وَهُوَ عَمُّ جَنَّاتٍ وَجُمَانَةَ، يُشْرِفُ عَلَى مَشْرُوعِهِمُ الصَّيْفِيِّ وَيُنَادِي: "أَحْلَى مُثَلَّجَاتٍ فِي هَذَا الجَوِّ الحَارِّ! هَيَّا يَا صِغَارُ!". وَبِجَانِبِهِ، كَانَتِ المَرْحَةُ جَنَّاتُ تُرَوِّجُ لِبِضَاعَتِهِمْ قَائِلَةً: "وَمَعَنَا أَيْضاً طَائِرَاتٌ وَرَقِيَّةٌ رَائِعَةٌ.. هَيَّا يَا أَصْدِقَاءُ!". أَمَّا أُخْتُهَا الصَّغِيرَةُ جُمَانَةُ، فَقَدْ كَانَتْ تَجْلِسُ فَوْقَ عَرَبَةِ المُثَلَّجَاتِ، تُحَرِّكُ قَدَمَيْهَا بِمَرَحٍ وَتُشَجِّعُ الجَمِيعَ عَلَى الاقْتِرَابِ لِتَذَوُّقِ المُرَطِّبَاتِ.
فَجْأَةً، أَقْبَلَ حَارِسُ الشَّاطِئِ نَحْوَ العَرَبَةِ، وَبَعْدَ أَنْ حَيَّاهُمْ، أَعْلَنَ عَنْ خَبَرٍ مُثِيرٍ: "سَنُجْرِي اليَوْمَ سِبَاقاً لِلطَّائِرَاتِ الوَرَقِيَّةِ!". طَلَبَ الحَارِسُ مِنَ العَمِّ جِهَادٍ وَجَنَّاتٍ أَنْ يَقْتَرِبُوا مِنْ بُرْجِ المُرَاقَبَةِ لِيَبِيعُوا الطَّائِرَاتِ لِلرَّاغِبِينَ فِي المُشَارَكَةِ، ثُمَّ دَعَا كُلَّ مَنْ يَمْلِكُ طَائِرَةً أَنْ يَسْتَعِدَّ لِلْمُنَافَسَةِ. تَهَافَتَ الصِّغَارُ عَلَى عَرَبَتِهِمْ، وَأَعْطَى الحَارِسُ الأَطْفَالَ أَلْوَاناً كَيْ يُزَيِّنُوا طَائِرَاتِهِمْ وَيَكْتُبُوا أَسْمَاءَهُمْ عَلَيْهَا.
بَيْنَمَا كَانَ العَمَلُ مُسْتَمِرّاً، شَعَرَتِ الصَّغِيرَةُ جُمَانَةُ بِالرَّغْبَةِ فِي المَرَحِ، فَقَالَتْ: "أَنَا أَيْضاً أُرِيدُ طَائِرَةً كَيْ أُلَوِّنَهَا وَأُشَارِكَ فِي المُسَابَقَةِ". نَظَرَ إِلَيْهَا العَمُّ جِهَادُ بِلُطْفٍ وَسَأَلَهَا: "هَلْ تُرِيدِينَ أَنْ تَلْعَبِي أَمْ تَعْمَلِي مَعَنَا؟". أَجَابَتْ جُمَانَةُ بِعَفْوِيَّةٍ: "أُرِيدُ أَنْ أَلْعَبَ". حِينَهَا أَخْبَرَتْهَا أُخْتُهَا جَنَّاتُ أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتِ اللَّعِبَ، فَلَنْ تَحْصُلَ عَلَى نَصِيبٍ مِنَ الأَرْبَاحِ، لَكِنَّ جُمَانَةَ قَالَتْ إِنَّهَا سَاعَدَتْهُمْ كَثِيراً مُنْذ الصَّبَاحِ. فَقَرَّرَ العَمُّ جِهَادُ مَنْحَهَا الطَّائِرَةَ وَالمُثَلَّجَاتِ مَجَّاناً كَمُكافَأَةٍ لَهَا، فَانْطَلَقَتْ جُمَانَةُ سَعِيدَةً لِتُلَوِّنَ طَائِرَتَهَا.
مَرَّ الوَقْتُ، وَامْتَلَأَتِ السَّمَاءُ بِطَائِرَاتٍ زَاهِيَةٍ، وَبَيْنَمَا كَانَ العَمُّ جِهَادُ وَجَنَّاتُ يَتَبَادَلَانِ الحَدِيثَ عَنِ التِّجَارَةِ، تَغَيَّرَتِ الأَجْوَاءُ فَجْأَةً. شَاهَدَا حَارِسَ الشَّاطِئِ يَصْعَدُ مُسْرِعاً إِلَى بُرْجِ المُرَاقَبَةِ، وَأَطْلَقَ صَافِرَةً قَوِيَّةً، ثُمَّ رَفَعَ "الرَّايَةَ السَّوْدَاءَ" مُحَذِّراً: "سَمَكُ قِرْشٍ فِي المَاءِ! اخْرُجُوا فَوراً!".
ذُعِرَ الجَمِيعُ وَبَدَأُوا بِالخُرُوجِ، لَكِنَّ الصَّدِيقَيْنِ جَاسِرَ وَيُوسُفَ كَانَا يَسْبَحَانِ بَعِيداً جِدّاً وَلَمْ يَنْتَبِهَا لِلتَّحْذِيرِ. لَاحَظَ العَمُّ جِهَادُ ذَلِكَ وَقَالَ بِقَلَقٍ: "لَا بُدَّ مِنْ طَرِيقَةٍ لِتَنْبِيهِهِمَا!". هُنَا صَرَخَتْ جَنَّاتُ بِذَكَاءٍ: "وَجَدْتُهَا! الطَّائِرَاتُ الوَرَقِيَّةُ هِيَ الحَلُّ!".
بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ، جَهَّزَ العَمُّ جِهَادُ طَائِرَتَهُمُ الكَبِيرَةَ، وَأَمْسَكَتْ جَنَّاتُ بِالأَقْلَامِ وَكَتَبَتْ بِخَطٍّ عَرِيضٍ جِدّاً: (اخْرُجُوا... سَمَكَةُ قِرْشٍ فِي المَاءِ). ثُمَّ طَيَّرُوا الطَّائِرَةَ لِتُحَلِّقَ فَوْقَ رَأْسَيْ جَاسِرَ وَيُوسُفَ. حِينَ رَأَى الصَّدِيقَانِ الرِّسَالَةَ فِي السَّمَاءِ، أَدْرَكَا الخَطَرَ وَسَبَحَا نَحْوَ الشَّاطِئِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ.
حَمِدَ الجَمِيعُ اللَّهَ حِينَ نَجَا الجَمِيعُ، وَبَعْدَ قَلِيلٍ، وَصَلَ قَارِبُ حَرَسِ السَّوَاحِلِ وَمَعَهُ قِرْشٌ صَغِيرٌ تَمَّ الإِمْسَاكُ بِهِ. سَأَلَتْ جُمَانَةُ بِفُضُولٍ: "مَاذَا سَتَفْعَلُونَ بِهِ؟". فَأَخْبَرَهَا الشُّرْطِيُّ أَنَّهُمْ سَيَدْرُسُونَهُ فِي مَرْكَزٍ خَاصٍّ. وَفِي نِهَايَةِ اليَوْمِ، أَعْلَنَ الحَارِسُ أَنَّ طَائِرَةَ العَمِّ جِهَادٍ وَجَنَّاتٍ هِيَ الفَائِزَةُ لِأَنَّهَا أَنْقَذَتِ الأَرْوَاحَ. وَتَقْدِيراً لَهُمْ، قَامَ العَمُّ حَسَنُ بِشِرَاءِ مُثَلَّجَاتٍ لِكُلِّ الأَطْفَالِ عَلَى الشَّاطِئِ، فَجَلَسَتْ جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ مَعَ عَمِّهِمَا جِهَادٍ يَسْتَمْتِعُونَ بِنَجَاحِ مَشْرُوعِهِمْ وَهُمْ فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ.