جُمَانَةُ مَلِكَةُ النَّظَافَةِ وَالْجَمَالِ
فِي صَبَاحِ يَوْمٍ جَدِيدٍ مُشْرِقٍ، اسْتَيْقَظَتِ الطِّفْلَةُ حَنَانُ مِنْ نَوْمِهَا مُبَكِّرَةً، وَأَسْرَعَتْ تَغْسِلُ وَجْهَهَا وَتُنَظِّفُ أَسْنَانَهَا بِعِنَايَةٍ. ثُمَّ بَلَّلَتْ يَدَيْهَا بِالْمَاءِ الدَّافِئِ، وَبِرَغْوَةِ الصَّابُونِ الْوَفِيرَةِ أَخَذَتْ تَدْعَكُهُمَا بِبَعْضِهِمَا بِقُوَّةٍ، وَخَاصَّةً بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَعِنْدَ الْأَظَافِرِ. بَعْدَ ذَلِكَ، شَطَفَتْهُمَا بِالْمَاءِ جَيِّدًا وَجَفَّفَتْهُمَا بِمِنْدِيلٍ وَرَقِيٍّ، ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي سَلَّةِ الْمُهْمَلَاتِ.
رَأَى أَحْمَدُ الصَّغِيرُ أُخْتَهُ حَنَانَ، فَقَالَ لَهَا مُعْجَبًا: "مَا أَجْمَلَ فَقَاقِيعَ الصَّابُونِ عَلَى يَدَيْكِ! أُرِيدُ أَنْ أَلْعَبَ مِثْلَكِ". ضَحِكَتْ حَنَانُ وَقَالَتْ لَهُ بِلُطْفٍ: "أَنَا لَا أَلْعَبُ بِالصَّابُونِ، إِنَّنِي أَسْتَعْمِلُهُ لِنَظَافَةِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ. لَقَدْ شَرَحَتْ لَنَا الْمُعَلِّمَةُ أَنَّ الصِّحَّةَ كَنْزٌ ثَمِينٌ، وَمِفْتَاحُهُ هُوَ النَّظَافَةُ؛ لِأَنَّهَا تَقْضِي عَلَى الْمِيكْرُوبَاتِ الضَّارَّةِ الَّتِي تُسَبِّبُ لَنَا الْأَمْرَاضَ".
فِي الْمَدْرَسَةِ، كَانَتِ الْمُعَلِّمَةُ تَتَجَوَّلُ بَيْنَ صُفُوفِ تِلْمِيذَاتِهَا وَهِيَ تَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا تَشَمُّ رَائِحَةَ النَّظَافَةِ الذَّكِيَّةِ. كَانَتِ التِّلْمِيذَاتُ يَرْتَدِينَ الْمَلَابِسَ النَّظِيفَةَ، وَشُعُورُهُنَّ تَلْمَعُ مِنَ الِاهْتِمَامِ، وَهُنَّ يَجْلِسْنَ بِثِقَةٍ وَنَشَاطٍ. لَكِنَّ الْمُعَلِّمَةَ لَمَحَتْ تِلْمِيذَتَهَا جُمَانَةَ وَقَدْ تَرَكَتْ مَقْعَدَهَا بِجِوَارِ صَدِيقَتِهَا حَنَانَ لِتَجْلِسَ وَحِيدَةً فِي آخِرِ الْفَصْلِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَتَوَارَى عَنِ الْأَنْظَارِ.
سَأَلَتِ الْمُعَلِّمَةُ حَنَانَ عَنْ سَبَبِ تَغَيُّرِ حَالِ جُمَانَةَ، فَهِيَ كَثِيرَةُ الْغِيَابِ، وَإِذَا جَاءَتْ تَأْتِي مُتَأَخِّرَةً وَمُتَّسِخَةَ الثِّيَابِ. قَالَتْ حَنَانُ بِحُزْنٍ: "عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا صَدِيقَتِي وَأَنَا أُحِبُّهَا، إِلَّا أَنَّنِي أَفْرَحُ لِغِيَابِهَا؛ فَالرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ تَفُوحُ مِنْ أَسْنَانِهَا، وَشَعْرُهَا غَيْرُ مُرَتَّبٍ، وَدَائِمًا مَا تُصَابُ بِالْبَرْدِ. وَالْجَمِيعُ يَبْتَعِدُ عَنْهَا وَلَا يَلْعَبُ مَعَهَا". فَقَرَّرَتِ الْمُعَلِّمَةُ أَنْ تَزُورَهَا فِي مَنْزِلِهَا.
ذَهَبَتِ الْمُعَلِّمَةُ مَعَ حَنَانَ لِزِيَارَةِ جُمَانَةَ، فَوَجَدَتْهَا مَرِيضَةً فِي سَرِيرِهَا. كَانَتِ الْأَطْعِمَةُ مَكْشُوفَةً بِجِوَارِهَا وَالْمَلَابِسُ مُبَعْثَرَةً فِي كُلِّ مَكَانٍ. قَالَتْ جُمَانَةُ لِلْمُعَلِّمَةِ بَاكِيَةً إِنَّ أُمَّهَا كَانَتْ تَهْتَمُّ بِهَا، لَكِنَّهَا مَشْغُولَةٌ جِدًّا هَذِهِ الْأَيَّامَ بِعَمَلِهَا. نَصَحَتْهَا الْمُعَلِّمَةُ قَائِلَةً: "يَجِبُ أَنْ تَعْتَمِدِي عَلَى نَفْسِكِ. هَيَّا الْآنَ، نَظِّفِي شَعْرَكِ وَاغْسِلِي وَجْهَكِ وَرَتِّبِي غُرْفَتَكِ، وَلَا تَتَنَاوَلِي الْأَطْعِمَةَ الْمَكْشُوفَةَ لِأَنَّهَا سَبَبُ مَرَضِكِ".
نَظَرَتْ جُمَانَةُ إِلَى الْمِرْآةِ وَبَكَتْ لِحَالِهَا، ثُمَّ قَرَّرَتِ التَّغْيِيرَ. قَفَزَتْ مِنْ سَرِيرِهَا، وَنَظَّفَتْ شَعْرَهَا، وَقَصَّتْ أَظَافِرَهَا، وَغَسَلَتْ مَلَابِسَهَا. كَمَا قَامَتْ بِتَنْظِيفِ غُرْفَتِهَا وَتَرْتِيبِ مَنْزِلِهَا كُلِّهِ. وَعِنْدَمَا عَادَ وَالِدَاهَا، فَرِحَا كَثِيرًا بِابْنَتِهِمَا الْجَمِيلَةِ الَّتِي تَخَلَّصَتْ مِنَ الْكَسَلِ وَشُفِيَتْ مِنَ الْمَرَضِ.
عَادَتْ جُمَانَةُ إِلَى مَدْرَسَتِهَا وَهِيَ تُشْرِقُ جَمَالًا وَنَظَافَةً. جَلَسَتْ بِثِقَةٍ بَيْنَ صَدِيقَاتِهَا، وَانْطَلَقَتْ تَلْعَبُ مَعَ حَنَانَ فِي سَعَادَةٍ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، حَرَصَتْ جُمَانَةُ عَلَى نَظَافَتِهَا دَائِمًا، حَتَّى لَقَّبَهَا الْجَمِيعُ بِـ "مَلِكَةِ النَّظَافَةِ وَالْجَمَالِ".