مغامرات سندباد 15 بائع المصابيح السحرية ومغامرة مراكش
بَعْدَ أَنْ ظَفِرَ سِنْدِبَادُ بِالْمِصْبَاحِ السِّحْرِيِّ الْعَجِيبِ، اسْتَخْدَمَ قُوَّتَهُ الْخَارِقَةَ لِيَبْنِيَ قَصْراً مُنِيفاً فِي مَدِينَةِ "جِيرَانَ"، حَيْثُ اسْتَقَرَّ فِيهِ غَارِقاً فِي نَعِيمِهِ، حَتَّى أَنْسَتْهُ بَهْجَةُ الْقَصْرِ وَقُرْبُهُ مِنَ الْأَمِيرَةِ الْحَسْنَاءِ "بَدْرِ الزَّمَانِ" حَنِينَهُ إِلَى وَطَنِهِ بَغْدَادَ. وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ، كَانَ هُنَاكَ سَاحِرٌ شِرِّيرٌ يَرْصُدُ الْأَحْدَاثَ عَبْرَ مِرْآتِهِ السِّحْرِيَّةِ، وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْغَيْظُ حِينَ رَأَى سِنْدِبَادَ يَنْعَمُ بِسُلْطَةِ الْمِصْبَاحِ، فَعَزَمَ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ لِيُصْبِحَ أَقْوَى سَاحِرٍ فِي الْعَالَمِ.
بَيْنَمَا كَانَ سِنْدِبَادُ بَعِيداً، تَنَكَّرَ السَّاحِرُ فِي زِيِّ بَائِعِ مَصَابِيحَ جَوَّالٍ، وَأَخَذَ يُنَادِي فِي أَرْجَاءِ الْقَصْرِ: "أُبَدِّلُ الْمَصَابِيحَ الْقَدِيمَةَ بِمَصَابِيحَ جَدِيدَةٍ مَجَّانًا". سَمِعَتِ الْأَمِيرَةُ "بَدْرُ الزَّمَانِ" النِّدَاءَ، وَظَنَّتْ أَنَّهَا تُقَدِّمُ لِسِنْدِبَادَ خِدْمَةً جَلِيلَةً بِالتَّخَلُّصِ مِنْ ذَاكَ الْمِصْبَاحِ الْقَدِيمِ الْمُتَّسِخِ، فَسَارَعَتْ إِلَى اسْتِبْدَالِهِ بِآخَرَ لَامِعٍ، دُونَ أَنْ تُدْرِكَ أَنَّهَا تَمْنَحُ السَّاحِرَ مَفَاتِيحَ السَّيْطَرَةِ. وَمَا إِنْ قَبَضَ السَّاحِرُ عَلَى الْمِصْبَاحِ حَتَّى اسْتَدْعَى مَارِدَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ مَعَ الْقَصْرِ وَالْأَمِيرَةِ إِلَى مَدِينَةِ "مَرَّاكُشَ" بَعِيداً عَنْ أَنْظَارِ الْجَمِيعِ.
عَادَ سِنْدِبَادُ لِيَجِدَ مَكَانَ قَصْرِهِ خَالِياً، فَأَدْرَكَ أَنَّ خَطْبًا جَلَلًا قَدْ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ صَدِيقُهُ حَسَنٌ بِرَحِيلِهِ، فَاسْتَعَانَ سِنْدِبَادُ بِـ"خَاتَمِهِ السِّحْرِيِّ"، فَظَهَرَ لَهُ مَارِدُ الْخَاتَمِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَارِدَ الْمِصْبَاحِ أَقْوَى مِنْهُ، لَكِنَّهُ اسْتَطَاعَ نَقْلَهُ إِلَى حَيْثُ وُجِدَ الْقَصْرُ فِي مَرَّاكُشَ الْبَعِيدَةِ. هُنَاكَ، كَانَ السَّاحِرُ يَحْتَفِلُ بِنَصْرِهِ مَعَ شَرِيكِهِ "غَالِبٍ"، وَكَانَتْ يَاسَمِينَةُ (الَّتِي حَوَّلَهَا الْعِفْرِيتُ الْأَزْرَقُ إِلَى عُصْفُورَةٍ) تُرَاقِبُ الْمَوْقِفَ وَتُحَذِّرُ سِنْدِبَادَ.
نَشَبَ خِلَافٌ بَيْنَ السَّاحِرِ وَغَالِبٍ، حَيْثُ حَاوَلَ غَالِبٌ خِدَاعَ السَّاحِرِ بِوَضْعِ دَواءٍ مُنَوِّمٍ لَهُ لِيَسْرِقَ الْمِصْبَاحَ وَيُصْبِحَ هُوَ الْأَقْوَى. فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ، تَدَخَّلَ سِنْدِبَادُ وَنَجَحَ فِي إِنْقَاذِ الْأَمِيرَةِ بَدْرِ الزَّمَانِ بَعْدَ أَنْ هَدَّدَهَا السَّاحِرُ بِتَحْوِيلِهَا إِلَى طَيْرٍ. انْتَهَتِ الْمُوَاجَهَةُ بِتَحَوُّلِ الْقَصْرِ فِي مَرَّاكُشَ إِلَى رَمَادٍ، فَأَمَرَ سِنْدِبَادُ مَارِدَ الْخَاتَمِ أَنْ يُعِيدَهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَدِينَةِ "شِيرَازَ".
عِنْدَ الْوُصُولِ، قَدَّمَ حَاكِمُ الْمَدِينَةِ شُكْرَهُ الْجَزِيلَ لِسِنْدِبَادَ، مُعْتَرِفاً بِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّهُ سَاحِراً فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهُ أَيْقَنَ شَجَاعَتَهُ وَنُبْلَهُ. وَفِي لَحْظَةِ الْوَدَاعِ، أَهْدَى سِنْدِبَادُ خَاتَمَهُ السِّحْرِيَّ لِلْأَمِيرَةِ بَدْرِ الزَّمَانِ لِيَكُونَ لَهَا حِرْزاً مِنَ الشُّرُورِ وَذِكْرَى مِنْهُ، ثُمَّ غَادَرَ مَعَ يَاسَمِينَ لِيُوَاصِلَ رِحْلَتَهُ، بَيْنَمَا بَدَأَتْ نُذُرُ مُغَامَرَةٍ جَدِيدَةٍ تَلُوحُ فِي الْأُفُقِ حَوْلَ مَارِدٍ حُبِسَ سِتَّةَ آلَافِ يَوْمٍ فِي قِدْرٍ.
