شقاوة أرنوب
أَرْنُوبُ أَشْقَى حَيَوَانَاتِ الْمَزْرَعَةِ، دَائِمُ الْحَرَكَةِ وَالنَّشَاطِ، يَهْوَى تَدْبِيرَ الْمَقَالِبِ، وَمَصْدَرٌ دَائِمٌ لِلإِزْعَاجِ وَالْفَوْضَى. وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي - بَعْدَ أَنْ نَامَتْ كُلُّ حَيَوَانَاتِ الْمَزْرَعَةِ - جَلَسَ خَارِجَ حَظِيرَتِهِ يُفَكِّرُ مَاذَا يَفْعَلُ. وَفَجْأَةً.. هَبَّ مِنْ مَكَانِهِ وَقَفَزَ وَنَطَّ بِسُرْعَةٍ وَخِفَّةٍ، ثُمَّ بَدَأَ يَسِيرُ بِحَذَرٍ وَبُطْءٍ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ مِنْ حَظَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَخَذَ يُبَدِّلُ طَعَامَ الْحَيَوَانَاتِ فَيَضَعُ الْبَرْسِيمَ أَمَامَ حَظِيرَةِ الدَّجَاجَةِ، وَيَضَعُ الْحُبُوبَ أَمَامَ حَظِيرَةِ الْبَقَرَةِ.. وَهَكَذَا.
وَعِنْدَمَا اسْتَيْقَظَتِ الْحَيَوَانَاتُ تَعَجَّبُوا مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي وُضِعَ لَهُمْ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ يَعْتَرِضُ عَلَى الطَّعَامِ، وَيَتَّهِمُ الآخَرَ بِأَخْذِ طَعَامِهِ. وَأَثْنَاءَ نِقَاشِهِمْ وَشِجَارِهِمْ كَانَ أَرْنُوبُ يَجْلِسُ فِي اسْتِرْخَاءٍ عَلَى كَوْمَةٍ مِنَ الْقَشِّ. وَقَالَ لَهُمْ وَهُوَ يَبْتَسِمُ وَيَأْكُلُ جَزَرَةً: "لِمَاذَا لَمْ تَتَنَاوَلُوا إِفْطَارَكُمْ حَتَّى الآنَ يَا أَصْدِقَائِي؟". وَهُنَا عَرَفَتِ الْحَيَوَانَاتُ أَنَّهَا إِحْدَى مَقَالِبِ أَرْنُوبَ، فَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ لِيُمْسِكُوا بِهِ.
وَلَكِنَّ أَرْنُوبَ قَفَزَ وَأَخَذَ يَنْطُّ وَيَجْرِي مِنْ سُرُورٍ إِلَى سُرُورٍ وَمِنْ حَظِيرَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَالْحَيَوَانَاتُ تُحَاوِلُ اللَّحَاقَ بِهِ، وَانْقَلَبَتْ أَوْعِيَةُ الطَّعَامِ، وَاخْتَلَطَ الطَّعَامُ بِالْمَاءِ بَعْدَ أَنْ انْسَكَبَتْ أَوَانِي الْمَاءِ عَلَيْهِ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ تَعِبَتِ الْحَيَوَانَاتُ، وَجَلَسَتْ لِتَسْتَرِيحَ وَهِيَ تَتَوَعَّدُ أَرْنُوبَ الشَّقِيَّ، وَجَلَسَ أَرْنُوبُ بَعِيداً عَنْهُمْ وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: "يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَاوَلُوا الْجَزَرَ وَالْخَضْرَاوَاتِ لِتَتَمَتَّعُوا بِالنَّشَاطِ وَالخِفَّةِ مِثْلِي".
وَبَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ، كَانَتِ الْبَقَرَةُ تَقُومُ بِنَقْلِ بَعْضِ الْعُشْبِ إِلَى دَاخِلِ الْمَزْرَعَةِ، وَقَدْ حَلَّ الظَّلَامُ وَهِيَ مَا زَالَتْ تَعْمَلُ. وَفَجْأَةً ظَهَرَ شَبَحٌ شَكْلُهُ مُخِيفٌ، وَيُصْدِرُ أَصْوَاتاً مُزْعِجَةً. فَزِعَتِ الْبَقَرَةُ وَفَرَّتْ هَارِبَةً لِتُوقِظَ بَاقِي حَيَوَانَاتِ الْمَزْرَعَةِ، وَعِنْدَمَا رَأَتِ الْحَيَوَانَاتُ الشَّبَحَ أَخَذَتْ تَجْرِي وَتَتَخَبَّطُ فِي خَوْفٍ، وَصَاحَ الصِّغَارُ مِنَ الْفَزَعِ. هُنَا نَزَعَ أَرْنُوبُ قِطْعَةَ الْقُمَاشِ مِنْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ يَسِيرُ فِي خُطَوَاتٍ رَاقِصَةٍ. وَقَالَ: "مَا رَأْيُكُمْ فِيَّ وَأَنَا شَبَحٌ مُرْعِبٌ؟" وَهُوَ يُتَمْتِمُ بِالْغِنَاءِ قَائِلاً: "مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَرْنُوبَ؟ نَشَاطِي فِي تَمَايُلِي.. أَنْ أُكْثِرَ.. وَأَلْعَبَ تَمَارِينَ".
وَبَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ، وَأَثْنَاءَ جُلُوسِ أَرْنُوبَ عِنْدَ جِذْعِ شَجَرَةٍ قَدِيمَةٍ، وَجَدَ يَداً تَمْتَدُّ فِي عُنْفٍ، وَعِنْدَمَا اسْتَدَارَ لِيَعْرِفَ مَنْ أَمْسَكَ بِهِ وَجَدَهُ الثَّعْلَبَ، فَارْتَعَدَ مِنَ الْخَوْفِ وَقَالَ: "يَبْدُو أَنِّي وَقَعْتُ فِي شَرِّ أَعْمَالِي". وَعِنْدَمَا اسْتَسْلَمَ أَرْنُوبُ لِقَدَرِهِ، نَزَعَ الْخَرُوفُ قِنَاعَ الثَّعْلَبِ وَهُوَ يَقُولُ: "ذُقْ مَا كُنْتَ تَفْعَلُهُ بِنَا". قَالَتِ الْحَيَوَانَاتُ: "كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتُرْهِبُنَا بِالْخَوْفِ". فَابْتَسَمَ الْجَمِيعُ وَوَعَدُوا أَنْ يَعُودُوا إِلَى حَظَائِرِهِمْ، فَقَالَ أَرْنُوبُ: "سَامِحُونِي يَا أَصْدِقَائِي فَأَنَا فِعْلاً نَادِمٌ"، وَكَانَ الشَّرْطُ أَلَّا تَعُودَ لِلشَّقَاوَةِ يَا أَرْنُوبُ.