سندباد وصخور الموت

سِنْدِبَادُ 01 وَصُخُورُ المَوْتِ


انْتَهَى القُبْطَانُ (سِنْدِبَادُ) مِنْ رِحْلَاتِهِ السَّبْعِ الشَّهِيرَةِ، وَرَاحَ يَرْوِي مُغَامَرَاتِهِ فِي مَجْلِسِ السُّلْطَانِ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ قَدْ شَاهَدَ كُلَّ عَجَائِبِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ وَزِيرَ السُّلْطَانِ رَوَى لَهُ قِصَّتَهُ مَعَ البَحْرِ، عِنْدَمَا شَاهَدَ شَمْسًا تُشْرِقُ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَطُيُورًا عِمْلَاقَةً تَخْتَطِفُ البَحَّارَةَ مِنَ السُّفُنِ.. وَكَانَ عَلَى (سِنْدِبَادَ) أَنْ يَقْبَلَ هَذَا التَّحَدِّيَ الجَدِيدَ، وَأَنْ يَنْطَلِقَ بِسَفِينَتِهِ فِي رِحْلَتِهِ الجَدِيدَةِ... رِحْلَةِ (سِنْدِبَادَ) الثَّامِنَةِ. 

انْتَهَتِ الشَّمْسُ مِنْ رِحْلَتِهَا اليَوْمِيَّةِ، وَبَدَأَتْ تَسْتَعِدُّ لِلغَوْصِ فِي الأُفُقِ، عِنْدَمَا أَطْلَقَ (صَفْوَانُ) زَفْرَةً حَارَّةً، وَهُوَ يَقُولُ فِي إِرْهَاقٍ: "هَلْ نَرْسُو هُنَا يَا (سِنْدِبَادُ)؟". أَجَابَهُ القُبْطَانُ (سِنْدِبَادُ)، وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إِلَى الأُفُقِ: "نَعَمْ يَا (صَفْوَانُ).. أَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّجَالَ يَحْتَاجُونَ إِلَى قِسْطٍ مِنَ الرَّاحَةِ، بَعْدَ العَوَاصِفِ الَّتِي أَرْهَقَتْهُمْ، طَوَالَ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ المَاضِيَةِ". صَاحَ (صَفْوَانُ) بِالرِّجَالِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى إِلْقَاءِ الهِلْبِ، وَلَمْ تَمْضِ دَقَائِقُ، حَتَّى كَانَتِ السَّفِينَةُ مُتَوَقِّفَةً وَسَطَ بَحْرٍ هَادِئٍ، يَمْتَدُّ إِلَى مَدَى البَصَرِ، وَقَدِ انْطَوَتْ أَشْرِعَتُهَا، وَتَهَالَكَ بَحَّارَتُهَا فِي أَرْكَانِهَا، يَنْشُدُونَ الرَّاحَةَ، فِي حِينِ اسْتَنَدَ (سِنْدِبَادُ) وَ(صَفْوَانُ) إِلَى حَاجِزِ السَّفِينَةِ، يَتَطَلَّعَانِ إِلَى البَحْرِ، وَإِلَى القَمَرِ الَّذِي بَرَزَ فِي السَّمَاءِ مَعَ غِيَابِ الشَّمْسِ.

وَقَالَ الأَخِيرُ: "عَجَبًا يَا (سِنْدِبَادُ)! مَنْ يُشَاهِدُ البَحْرَ الآنَ، بِكُلِّ هُدُوئِهِ وَسُكُونِهِ، لَا يَتَصَوَّرُ أَبَدًا أَنَّهُ البَحْرُ نَفْسُهُ، الَّذِي كَانَتْ أَمْوَاجُهُ تَتَصَارَعُ أَمْسِ فِي ثَوْرَةٍ جُنُونِيَّةٍ". ابْتَسَمَ (سِنْدِبَادُ)، وَهُوَ يَقُولُ: "هَكَذَا البَحْرُ يَا صَدِيقِي.. يَثُورُ وَيَغْضَبُ لِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَسْتَكِينَ". تَثَاءَبَ (صَفْوَانُ) فِي إِرْهَاقٍ، وَهُوَ يُغَمْغِمُ: "أَتَعَشَّمُ أَنْ يَظَلَّ عَلَى سُكُونِهِ لِيَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَأَنَا أَحْتَاجُ إِلَى نَوْمٍ عَمِيقٍ، وَ...". قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ عِبَارَتَهُ، غَمَرَهُ فَجْأَةً ضَوْءٌ مُبْهِرٌ، آتٍ مِنْ أَعْلَى، وَارْتَفَعَ صَوْتُ (سِنْدِبَادَ)، يَهْتِفُ فِي مَزِيجٍ مِنَ الدَّهْشَةِ وَالجَزَعِ: "رَبَّاهُ! .. انْظُرْ يَا (صَفْوَانُ)". رَفَعَ (صَفْوَانُ) عَيْنَيْهِ إِلَى أَعْلَى، فَأَعْشَى الضَّوْءُ بَصَرَهُ لَحْظَةً، قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ المَشْهَدَ المُخِيفَ؛ كَانَتْ هُنَاكَ نِيرَانٌ تَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَنْقَضُّ عَلَى السَّفِينَةِ مُبَاشَرَةً.

كُتَلٌ مِنَ اللَّهَبِ، تَنْدَفِعُ نَحْوَ السَّفِينَةِ فِي صَوْتٍ أَشْبَهَ بِفَحِيحِ أَلْفِ أَلْفِ ثُعْبَانٍ، وَضَوْءٍ يَكَادُ يُحِيلُ اللَّيْلَ إِلَى نَهَارٍ جَدِيدٍ، بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَسَادَتْ مَوْجَةٌ هَائِلَةٌ مِنَ الذُّعْرِ فِي المَكَانِ، وَرَاحَ الجَمِيعُ يَجْرُونَ وَيَعْدُونَ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ بِلَا هَدَفٍ، فِي حِينِ صَرَخَ (صَفْوَانُ)، وَهُوَ يَسْتَلُّ سَيْفَهُ عَلَى نَحْوٍ غَرِيزِيٍّ: "إِنَّهَا تَنْقَضُّ عَلَيْنَا يَا (سِنْدِبَادُ).. رَبَّاهُ.. إِنَّهَا سَتَسْقُطُ فَوْقَنَا!". كَانَتْ مَوْجَةُ الخَوْفِ عَارِمَةً، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا يَأْسًا بِلَا حُدُودٍ، وَالجَمِيعُ يَتَصَوَّرُونَ أَنَّ كُرَاتِ اللَّهَبِ سَتَسْقُطُ فَوْقَ السَّفِينَةِ، فَتَسْحَقُهَا سَحْقًا، بِكُلِّ مَا عَلَيْهَا وَمَنْ عَلَيْهَا.. وَلَكِنَّ هَذَا لَمْ يَحْدُثْ لِحُسْنِ الحَظِّ؛ لَقَدْ سَقَطَتْ كُرَاتُ اللَّهَبِ فِي البَحْرِ، عَلَى قَيْدِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ مِنَ السَّفِينَةِ.

وَتَسَبَّبَ سُقُوطُهَا فِي حُدُوثِ مَوْجَةٍ عَنِيفَةٍ، كَادَتْ تَقْتَلِعُ سَفِينَةَ (سِنْدِبَادَ) مِنْ مَكَانِهَا، وَحَمَلَتْ مَعَهَا قِطَعًا صَغِيرَةً مِنَ الصُّخُورِ ذَاتِ اللَّوْنِ الأَحْمَرِ، تَنَاثَرَتْ عَلَى السَّطْحِ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَعِيدَ البَحْرُ هُدُوءَهُ، وَيَسْكُنَ كُلُّ شَيْءٍ مَرَّةً أُخْرَى. وَلِثَوَانٍ، رَانَ عَلَى السَّفِينَةِ صَمْتٌ رَهِيبٌ، قَطَعَهُ (صَفْوَانُ)، وَهُوَ يَهْتِفُ فِي فَرَحٍ: "نَجَوْنَا.. نَجَوْنَا يَا (سِنْدِبَادُ)". وَمَعَ صَيْحَتِهِ، تَقَافَزَ الجَمِيعُ يَصْرُخُونَ وَيَهْتِفُونَ، وَيَتَعَانَقُونَ فِي سَعَادَةٍ جَمَّةٍ، وَ(صَفْوَانُ) يُوَاصِلُ: "لِثَوَانٍ تَصَوَّرْتُ أَنَّ كُرَاتِ اللَّهَبِ هَذِهِ سَتَسْحَقُنَا جَمِيعًا يَا (سِنْدِبَادُ).. لَقَدْ نَجَوْنَا بِمُعْجِزَةٍ يَا صَدِيقِي".

وَلَكِنَّ (سِنْدِبَادَ) أَجَابَهُ، فِي صَوْتٍ يَحْمِلُ رَنَّةَ قَلَقٍ، وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إِلَى البَحْرِ: "وَلَكِنْ يَبْدُو أَنَّ المَاءَ لَمْ يَنْجَحْ فِي إِطْفَاءِ كُتَلِ اللَّهَبِ هَذِهِ يَا صَدِيقِي". تَطَلَّعَ (صَفْوَانُ) إِلَى البَحْرِ بِدَوْرِهِ، وَأَدْهَشَهُ ذَلِكَ الضَّوْءُ المُنْبَعِثُ مِنْ أَعْمَاقِهِ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَتَمْتَمَ وَقَدِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مَوْجَةُ القَلَقِ: "يَلُوحُ لِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهَبًا يَا صَدِيقِي". ثُمَّ التَفَتَ يُشِيرُ إِلَى الصُّخُورِ الصَّغِيرَةِ، الَّتِي تَنَاثَرَتْ عَلَى السَّفِينَةِ، وَالَّتِي يَنْبَعِثُ مِنْهَا ذَلِكَ الضَّوْءُ الأَحْمَرُ، مُسْتَطْرِدًا: "انْظُرْ.. إِنَّهَا لَمْ تَحْرِقْ أَخْشَابَ السَّفِينَةِ!".

حَدَّقَ (سِنْدِبَادُ) فِي تِلْكَ الصُّخُورِ الصَّغِيرَةِ فِي حَيْرَةٍ، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْهَا فِي حَذَرٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "هَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ يَا رَجُلُ، وَلَكِنْ دَعْنَا نَفْحَصُهَا عَنْ قُرْبٍ، قَبْلَ أَنْ نُدْلِيَ بِدَلْوِنَا". انْدَفَعَ خَلْفَهُ (صَفْوَانُ)، وَهُوَ يَهْتِفُ: "احْتَرِسْ يَا (سِنْدِبَادُ)، فَرُبَّمَا...". قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ حَدِيثَهُ، ارْتَجَّتِ السَّفِينَةُ فِي عُنْفٍ، عَلَى نَحْوٍ اخْتَلَّ مَعَهُ تَوَازُنُ (صَفْوَانَ)، فَارْتَطَمَ بِالقُبْطَانِ (سِنْدِبَادَ)، وَسَقَطَا مَعًا أَرْضًا، وَالقُبْطَانُ يَهْتِفُ: "مَا هَذَا؟! .. مَاذَا حَدَثَ؟!". أَسْرَعَ (صَفْوَانُ) مَعَ عَدَدٍ مِنَ البَحَّارَةِ إِلَى حَاجِزِ السَّفِينَةِ: "شَيْءٌ مَا ارْتَطَمَ بِنَا".

لَحِقَ بِهِمْ (سِنْدِبَادُ)، وَوَقَفَ الجَمِيعُ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى البَحْرِ فِي حَيْرَةٍ، وَهَتَفَ أَحَدُ البَحَّارَةِ: "انْظُرُوا.. أَسْمَاكُ دُرْفِيلٍ مَيِّتَةٌ". حَدَّقَ الجَمِيعُ فِي دَهْشَةٍ فِي عَدَدٍ مِنْ أَسْمَاكِ الدُّرْفِيلِ، طَفَتْ عَلَى السَّطْحِ، وَرُؤُوسُهَا مُحَطَّمَةٌ. وَهَتَفَ (صَفْوَانُ) مَشْدُوهًا: "رَبَّاهُ! .. مَا الَّذِي فَعَلَ بِهَا هَذَا؟". انْعَقَدَ حَاجِبَا (سِنْدِبَادَ)، وَهُوَ يَقُولُ: "أَخْشَى أَنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أَنَّهَا فَعَلَتْ هَذَا بِنَفْسِهَا". سَأَلَهُ (صَفْوَانُ) فِي حَيْرَةٍ: "مَاذَا تَعْنِي يَا (سِنْدِبَادُ)؟". أَشَارَ (سِنْدِبَادُ) إِلَى البَحْرِ، وَهُوَ يَهْتِفُ: "هَذَا مَا أَعْنِيهِ يَا صَدِيقِي".

اسْتَدَارَ الجَمِيعُ فِي سُرْعَةٍ، إِلَى حَيْثُ يُشِيرُ (سِنْدِبَادُ)، وَاتَّسَعَتْ عُيُونُهُمْ فِي هَلَعٍ، عِنْدَمَا رَأَوْا سِرْبًا مِنْ أَسْمَاكِ الدُّرْفِيلِ يَنْقَضُّ عَلَيْهِمْ، وَتَرَاجَعُوا فِي سُرْعَةٍ، فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ الَّتِي ارْتَطَمَ فِيهَا السِّرْبُ بِالسَّفِينَةِ، الَّتِي ارْتَجَّتْ فِي عُنْفٍ، فَصَرَخَ (صَفْوَانُ): "لِمَاذَا؟! .. لِمَاذَا تُهَاجِمُنَا أَسْمَاكُ الدُّرْفِيلِ؟! .. المَفْرُوضُ أَنَّهَا أَسْمَاكٌ مُسَالِمَةٌ هَادِئَةٌ؟!". أَجَابَهُ (سِنْدِبَادُ) فِي تَوَتُّرٍ، وَهُوَ يُسْرِعُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى حَاجِزِ السَّفِينَةِ، وَيُلْقِي نَظْرَةً عَلَى الضَّوْءِ الأَحْمَرِ، المُنْبَعِثِ مِنْ أَعْمَاقِ البَحْرِ: "رُبَّمَا يُثِيرُهَا شَيْءٌ مَا". قَالَ (صَفْوَانُ) فِي دَهْشَةٍ، وَهُوَ يُرَاقِبُ أَسْمَاكَ الدُّرْفِيلِ الصَّرِيعَةَ، الَّتِي تَطْفُو عَلَى السَّطْحِ: "وَلَكِنَّهَا تَقْتُلُ نَفْسَهَا بِهَذَا!!". أَجَابَهُ (سِنْدِبَادُ): "وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ تَأْثِيرَ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَيْهَا أَقْوَى مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَى الإِدْرَاكِ.. بَلْ وَأَقْوَى حَتَّى مِنْ غَرِيزَةِ البَقَاءِ فِي أَعْمَاقِهَا".

التَفَتَ إِلَيْهِ (صَفْوَانُ) يَسْأَلُهُ فِي قَلَقٍ: "فِيمَ تَشُكُّ يَا (سِنْدِبَادُ)؟". أَشَارَ (سِنْدِبَادُ) إِلَى الضَّوْءِ الأَحْمَرِ، المُنْبَعِثِ مِنَ الأَعْمَاقِ، وَهُوَ يَقُولُ: "فِي هَذَا". حَدَّقَ (صَفْوَانُ) فِي الضَّوْءِ بِدَوْرِهِ، وَهُوَ يُرَدِّدُ ذَاهِلًا: "هَذَا؟! .. أَتَشُكُّ فِي هَذَا؟!". وَلَكِنَّ (سِنْدِبَادَ) تَجَاهَلَ سُؤَالَهُ تَمَامًا هَذِهِ المَرَّةَ، وَهَتَفَ بِبَحَّارَتِهِ: "ارْفَعُوا الهِلْبَ، وَافْرِدُوا الأَشْرِعَةَ يَا رِجَالُ.. سَنَبْتَعِدُ عَنْ هُنَا بِأَقْصَى سُرْعَةٍ". انْطَلَقَ البَحَّارَةُ يُنَفِّذُونَ الأَمْرَ عَلَى الفَوْرِ، فِي حِينِ سَأَلَ (صَفْوَانُ) (سِنْدِبَادَ) فِي مَزِيجٍ مِنَ القَلَقِ وَالحَيْرَةِ وَالخَوْفِ: "(سِنْدِبَادُ).. هَلْ تَعْتَقِدُ حَقًّا أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُثِيرَ أَسْمَاكَ البَحْرِ؟".

أَجَابَهُ (سِنْدِبَادُ) فِي تَوَتُّرٍ مَلْحُوظٍ: "لَيْسَتِ الأَسْمَاكُ وَحْدَهَا، وَلَكِنْ رُبَّمَا كَانَ يُثِيرُ كُلَّ مَخْلُوقَاتِ البَحْرِ يَا صَدِيقِي، وَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَصْمُدَ سَفِينَتُنَا أَمَامَهُ". سَأَلَهُ (صَفْوَانُ): "هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ أَسْرَابَ الدَّرَافِيلِ سَتُهَاجِمُنَا مَرَّةً أُخْرَى؟". أَجَابَهُ (سِنْدِبَادُ)، وَهُوَ يُتَابِعُ عَمَلِيَّةَ فَرْدِ الأَشْرِعَةِ: "لَا يُمْكِنُنِي اسْتِبْعَادُ هَذَا، فَرُبَّمَا جَذَبَ هَذَا الشَّيْءُ سِرْبَ دَرَافِيلَ قَرِيبًا، وَدَفَعَهُ إِلَى مُهَاجَمَتِنَا، وَرُبَّمَا لَوْ اقْتَرَبَ سِرْبٌ آخَرُ، لَجَذَبَهُ أَيْضًا".

اتَّسَعَتْ عَيْنَا (صَفْوَانَ) لَحْظَةً، ثُمَّ هَتَفَ بِدَوْرِهِ بِالبَحَّارَةِ: "أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ القُبْطَانِ.. لَابُدَّ أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ هُنَا بِأَقْصَى سُرْعَةٍ". انْفَرَدَتْ أَشْرِعَةُ السَّفِينَةِ، وَانْطَلَقَتْ تَشُقُّ طَرِيقَهَا فِي بُطْءٍ، وَسَطَ البَحْرِ الهَادِئِ، بِسَبَبِ قِلَّةِ الرِّيَاحِ، فَعَضَّ (صَفْوَانُ) شَفَتَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي حَنَقٍ: "كَمْ أَشْتَاقُ الآنَ لِتِلْكَ العَوَاصِفِ، الَّتِي كَانَتْ تَدْفَعُ سَفِينَتَنَا دَفْعًا". غَمْغَمَ (سِنْدِبَادُ)، وَالقَلَقُ يَمْلأُ صَوْتَهُ وَمَلَامِحَهُ: "المُهِمُّ أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ هُنَا يَا صَدِيقِي، وَأَنْ...". لَمْ يَكُنْ قَدْ أَتَمَّ عِبَارَتَهُ بَعْدُ، عِنْدَمَا انْطَلَقَتْ صَرْخَةٌ هَادِرَةٌ بَغْتَةً: "المَوْتُ لِلْقُبْطَانِ".

وَمِنْ بَيْنِ البَحَّارَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُهُمْ يَحْمِلُ سَيْفَهُ، وَيَنْقَضُّ فِي وَحْشِيَّةٍ عَجِيبَةٍ عَلَى القُبْطَانِ (سِنْدِبَادَ)، الَّذِي بَدَتِ الدَّهْشَةُ عَلَى وَجْهِهِ لَحْظَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَفَضَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَوَثَبَ جَانِبًا، مُتَفَادِيًا ضَرْبَةَ سَيْفِ البَحَّارِ، وَهُوَ يَهْتِفُ: "مَاذَا أَصَابَكَ يَا رَجُلُ؟". اسْتَلَّ (صَفْوَانُ) سَيْفَهُ، عِنْدَمَا شَاهَدَ الرَّجُلَ يُهَاجِمُ (سِنْدِبَادَ) مَرَّةً أُخْرَى، وَصَاحَ فِي دَهْشَةٍ غَاضِبَةٍ: "لَقَدْ أَصَابَهُ الجُنُونُ، حَتَّى يُهَاجِمَ القُبْطَانَ". وَلَكِنَّ (سِنْدِبَادَ) أَسْرَعَ يَسْتَلُّ سَيْفَهُ بِدَوْرِهِ، وَهُوَ يَهْتِفُ بِهِ: "لَا تُهَاجِمْهُ يَا (صَفْوَانُ)".

قَالَهَا، وَهُوَ يَصُدُّ ضَرْبَةَ سَيْفِ البَحَّارِ بِسَيْفِهِ، ثُمَّ يُزِيحُ السَّيْفَ جَانِبًا، وَبِضَرْبَةِ سَيْفِهِ ثَنَى يَدَ البَحَّارِ، وَ(صَفْوَانُ) يَهْتِفُ حَائِرًا: "لَا أُهَاجِمُهُ؟! .. أَيُّ قَوْلٍ هَذَا يَا (سِنْدِبَادُ)؟". كَانَ يَسْتَنْكِرُ ذَلِكَ الأَمْرَ الَّذِي مَنَعَهُ بِهِ (سِنْدِبَادُ) مِنَ الدِّفَاعِ عَنْهُ، أَوِ القِتَالِ إِلَى جِوَارِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى مُخَالَفَةِ أَوَامِرِ القُبْطَانِ، وَوَاصَلَ (سِنْدِبَادُ) قِتَالَهُ مَعَ البَحَّارِ فِي قُوَّةٍ، أَمَامَ أَعْيُنِ البَحَّارَةِ الذَّاهِلَةِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ تَفَادَى ضَرْبَةَ سَيْفٍ قَوِيَّةً، وَوَثَبَ يَتَعَلَّقُ بِسُلَّمِ الحِبَالِ، عَلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ، فَقَفَزَتْ قَدَمُهُ لِتَكُلَّ السَّيْفَ مِنْ يَدِ البَحَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ قَبْضَتُهُ تَلْكُمُهُ كَالصَّاعِقَةِ.

وَسَقَطَ البَحَّارُ أَرْضًا فَاقِدَ الوَعْيِ، مَعَ سَقْطَتِهِ انْفَرَجَتْ أَصَابِعُ يَدِهِ اليُسْرَى، فَتَدَحْرَجَتْ مِنْهَا قِطْعَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ تِلْكَ الصُّخُورِ اللَّامِعَةِ الحَمْرَاءِ، فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ الَّتِي وَثَبَ فِيهَا (صَفْوَانُ) نَحْوَهُ، وَهَتَفَ حَانِقًا: "هَذَا الخَائِنُ يَسْتَحِقُّ القَتْلَ يَا (سِنْدِبَادُ)". أَشَارَ إِلَيْهِ (سِنْدِبَادُ) هَاتِفًا: "رُوَيْدَكَ يَا رَجُلُ.. إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ مَا فَعَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَعِيهِ أَيْضًا". قَالَ (صَفْوَانُ) مُسْتَنْكِرًا: "مَاذَا تَقُولُ يَا (سِنْدِبَادُ)؟! .. لَقَدْ هَاجَمَكَ الرَّجُلُ عَمْدًا وَحَاوَلَ قَتْلَكَ". أَجَابَهُ (سِنْدِبَادُ) فِي حَزْمٍ: "إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا بِكَامِلِ وَعْيِهِ، فَقَدْ...". قَاطَعَهُ فَجْأَةً صَوْتٌ يَصْرُخُ: "سَيِّدِي القُبْطَانُ.. هُجُومُ الدَّرَافِيلِ أَصَابَ السَّفِينَةَ، وَالمَاءُ يَتَدَفَّقُ فِي القَاعِ".

قَفَزَ (سِنْدِبَادُ) مِنْ مَكَانِهِ بِسُرْعَةٍ، هَاتِفًا: "أَسْرِعُوا يَا رِجَالُ.. احْمِلُوا بَعْضَ الأَخْشَابِ، وَأَصْلِحُوا قَاعَ السَّفِينَةِ، قَبْلَ أَنْ نَغْرَقَ جَمِيعًا". دَبَّتْ حَالَةٌ مِنَ النَّشَاطِ وَالتَّوَتُّرِ فِي السَّفِينَةِ؛ انْطَلَقَ الجَمِيعُ يَتَحَرَّكُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، بَعْضُهُمْ يُحْضِرُ الأَخْشَابَ، وَالبَعْضُ الآخَرُ المَسَامِيرَ وَالأَدَوَاتِ، وَهَبَطَ مَعَهُمْ القُبْطَانُ (سِنْدِبَادُ) إِلَى القَاعِ، لِيُشْرِفَ بِنَفْسِهِ عَلَى عَمَلِيَّةِ الإِصْلَاحِ، وَهُوَ يَهْتِفُ: "لَا تَتْرُكِ السَّطْحَ يَا (صَفْوَانُ).. فَمَنْ يَدْرِي مَا يُمْكِنُ أَنْ نُوَاجِهَهُ؟". وَقَفَ (صَفْوَانُ) فِي مَكَانِهِ عَلَى السَّطْحِ، يُدِيرُ عَيْنَيْهِ فِيمَا حَوْلَهُ، وَسَطَ عَدَدٍ مِنَ البَحَّارَةِ، وَقَدِ انْتَابَهُ قَلَقٌ عَمِيقٌ، حَتَّى أَنَّ جَسَدَهُ انْتَفَضَ فِي شِدَّةٍ عِنْدَمَا تَأَوَّهَ ذَلِكَ البَحَّارُ الَّذِي أَفْقَدَهُ (سِنْدِبَادُ) الوَعْيَ، وَأَمْسَكَتْ يَدُهُ سَيْفَهُ فِي حَرَكَةٍ حَادَّةٍ عَنِيفَةٍ مَعَ صَوْتِ البَحَّارِ المُتَهَالِكِ وَهُوَ يَسْتَعِيدُ وَعْيَهُ، مُغَمْغِمًا: "مَاذَا حَدَثَ؟ .. مَاذَا أَصَابَنِي؟".

صَاحَ بِهِ (صَفْوَانُ) فِي غَضَبٍ: "وَيْلٌ لَكَ يَا رَجُلُ.. لَقَدْ حَاوَلْتَ قَتْلَ القُبْطَانِ (سِنْدِبَادَ)". هَتَفَ البَحَّارُ فِي دَهْشَةٍ: "أَنَا؟! .. أَنَا أُحَاوِلُ قَتْلَ القُبْطَانِ (سِنْدِبَادَ)؟! هَذَا مُسْتَحِيلٌ!.. إِنَّنِي أَدِينُ لَهُ بِحَيَاتِي، الَّتِي أَنْقَذَهَا ذَاتَ يَوْمٍ". قَالَ (صَفْوَانُ) فِي عَصَبِيَّةٍ تَمْزِجُ بِالدَّهْشَةِ: "وَلَكِنَّا رَأَيْنَاكَ جَمِيعًا تَفْعَلُ هَذَا يَا رَجُلُ". قَالَ البَحَّارُ فِي حَيْرَةٍ شَدِيدَةٍ: "أَنَا أَفْعَلُ هَذَا؟! .. إِنَّنِي أَجْهَلُ حَتَّى كَيْفَ وَجَدْتُ نَفْسِي فَاقِدَ الوَعْيِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، فَكُلُّ مَا أَذْكُرُهُ هُوَ أَنَّنِي أَمْسَكْتُ إِحْدَى تِلْكَ الصُّخُورِ المُضِيئَةِ، وَكُنْتُ أَتَصَوَّرُهَا سَاخِنَةً، وَلَكِنَّنِي فُوجِئْتُ بِهَا بَارِدَةً كَالثَّلْجِ، وَ...". بَتَرَ عِبَارَتَهُ فِي حَيْرَةٍ، فَسَأَلَهُ (صَفْوَانُ) فِي حِدَّةٍ: "وَمَاذَا يَا رَجُلُ؟". هَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ مُغَمْغِمًا: "وَبَعْدَهَا لَا أَذْكُرُ شَيْئًا.. وَكَأَنَّ سَحَابَةً سَوْدَاءَ حَجَبَتْ ذَاكِرَتِي تَمَامًا".

عَقَدَ (صَفْوَانُ) حَاجِبَيْهِ فِي شِدَّةٍ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي وَجْهِ البَحَّارِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ، ثُمَّ أَدَارَ عَيْنَيْهِ إِلَى الصُّخُورِ المُضِيئَةِ، وَبَقِيَ جَامِدًا فِي مَكَانِهِ لَحْظَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْحَنِيَ لِيَلْتَقِطَ إِحْدَاهَا فِي حَذَرٍ، قَائِلًا: "إِنَّنِي أَتَسَاءَلُ...". التَقَطَ الصَّخْرَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي بَدَتْ لَهُ بِالفِعْلِ بَارِدَةً كَالثَّلْجِ عَلَى الرغم مِنْ شَكْلِهَا الشَّبِيهِ بِالجَمْرِ المُتَوَقِّدِ، وَرَاحَ يَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْنِ جَامِدَتَيْنِ، فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ الَّتِي صَعِدَ فِيهَا (سِنْدِبَادُ) إِلَى السَّطْحِ، وَقَالَ فِي إِرْهَاقٍ: "حَمْدًا للهِ.. لَقَدْ نَجَحْنَا فِي سَدِّ الثَّقْبِ، وَسَتُوَاصِلُ السَّفِينَةُ رِحْلَتَهَا إِلَى الوَطَنِ بِإِذْنِ اللهِ، وَهُنَاكَ سَيَتِمُّ إِصْلَاحُ الثَّقْبِ جَيِّدًا، وَ...". لَمْ يُتِمَّ عِبَارَتَهُ عِنْدَمَا لَاحَظَ تِلْكَ النَّظْرَةَ الشَّارِدَةَ فِي عَيْنَيْ (صَفْوَانَ)، فَسَأَلَهُ فِي قَلَقٍ: "(صَفْوَانُ).. هَلْ تَسْمَعُنِي يَا صَدِيقِي؟".

بَدَا لَهُ (صَفْوَانُ) أَشْبَهَ بِتِمْثَالٍ مِنَ الرُّخَامِ، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ فِي حَذَرٍ وَلَمَسَ كَتِفَهُ وَهُوَ يُوَاصِلُ فِي تَوَتُّرٍ: "(صَفْوَانُ).. مَاذَا أَصَابَكَ؟". وَفَجْأَةً دَبَّ النَّشَاطُ فِي جَسَدِ (صَفْوَانَ)، وَصَاحَ فِي غَضَبٍ وَهُوَ يَدْفَعُ (سِنْدِبَادَ) بَعِيدًا: "ابْتَعِدْ..." ثُمَّ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَانْقَضَّ عَلَيْهِ صَارِخًا: "إِنَّكَ تَسْتَحِقُّ القَتْلَ...". قَفَزَ (سِنْدِبَادُ) جَانِبًا مُتَفَادِيًا ضَرْبَةَ سَيْفِ (صَفْوَانَ)، وَتَرَكَّزَتْ عَيْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ المُضِيئَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا هَذَا الأَخِيرُ فِي قَبْضَتِهِ اليُسْرَى، فَهَتَفَ: "آهٍ.. هَذَا سِرُّ البَلَاءِ". ثُمَّ مَالَ جَانِبًا مُتَفَادِيًا ضَرْبَةَ سَيْفٍ ثَانِيَةً، وَرَكَلَ الصَّخْرَةَ مِنْ يَدِ (صَفْوَانَ) بِكُلِّ قُوَّتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "أَوَّلًا نَتَخَلَّصُ مِنَ السَّبَبِ".

وَهَوَى عَلَى فَكِّ (صَفْوَانَ) بِلَكْمَةٍ عَنِيفَةٍ مُسْتَطْرِدًا: "ثُمَّ أَفْعَلُ مَا أَكْرَهُ فِعْلَهُ". سَقَطَ (صَفْوَانُ) أَرْضًا مَعَ اللَّكْمَةِ القَوِيَّةِ وَسَقَطَ سَيْفُهُ مَعَهُ، فَوَثَبَ (سِنْدِبَادُ) إِلَى الصَّخْرَةِ المُضِيئَةِ وَرَكَلَهَا بِكُلِّ قُوَّتِهِ، فَأَلْقَاهَا فِي البَحْرِ، ثُمَّ التَفَتَ يُوَاجِهُ (صَفْوَانَ) الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيْهِ عَنْ آخِرِهِمَا فِي دَهْشَةٍ وَهُوَ يَهْتِفُ: "مَاذَا حَدَثَ؟ مَاذَا أَصَابَنِي؟". اتَّجَهَ إِلَيْهِ (سِنْدِبَادُ) وَهُوَ يَقُولُ: "حَمْدًا للهِ عَلَى سَلَامَتِكَ يَا صَدِيقِي". ثُمَّ التَفَتَ إِلَى بَحَّارَتِهِ مُسْتَطْرِدًا بِهُتَافٍ قَوِيٍّ: "أَلْقُوا كُلَّ تِلْكَ الصُّخُورِ فِي البَحْرِ، وَحَذَارِ أَنْ يَلْمَسَهَا أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ".

رَاحَ البَحَّارَةُ يَرْكُلُونَ الصُّخُورَ وَيُلْقُونَهَا فِي البَحْرِ، فِي حِينِ نَهَضَ (صَفْوَانُ) وَالحَيْرَةُ تَمْلأُ وَجْهَهُ وَهُوَ يَقُولُ: "لِمَاذَا يَا (سِنْدِبَادُ)؟ .. لِمَاذَا أَمَرْتَهُمْ بِهَذَا؟ .. وَمَاذَا سَيَحْدُثُ لَوْ لَمَسَهَا أَحَدُهُمْ بِيَدِهِ؟". رَبَتَ (سِنْدِبَادُ) عَلَى كَتِفِهِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ قَائِلًا: "الكَثِيرُ يَا صَدِيقِي.. هَذِهِ الصُّخُورُ هِيَ المُتَسَبِّبُ فِي كُلِّ مَا أَصَابَنَا حَتَّى الآنَ، وَكُلِّ مَا كَانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يُصِيبَنَا لَوْ لَمْ نُلْقِهَا فِي البَحْرِ". اتَّسَعَتْ عَيْنَا (صَفْوَانَ) فِي دَهْشَةٍ وَهُوَ يَقُولُ: "كَيْفَ يَا (سِنْدِبَادُ)؟ .. إِنَّهَا مُجَرَّدُ صُخُورٍ يَا صَدِيقِي".

ابْتَسَمَ (سِنْدِبَادُ) وَهُوَ يَقُولُ: "لَيْسَتْ صُخُورًا عَادِيَّةً يَا صَدِيقِي، وَلَيْسَ لَدَيَّ تَفْسِيرٌ لِمَا حَدَثَ، وَلَكِنْ..." وَشَرَدَ بِبَصَرِهِ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُضِيفَ فِي خُشُوعٍ: "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". قَالَهَا وَالسَّفِينَةُ تُعَاوِدُ مَسِيرَتَهَا تَحْتَ ضَوْءِ القَمَرِ وَالنُّجُومِ الَّتِي تُزَيِّنُ السَّمَاءَ كَمَصَابِيحَ جَمِيلَةٍ.. تِلْكَ النُّجُومِ الَّتِي رُبَّمَا أَتَتْ مِنْهَا تِلْكَ الصُّخُورُ.. صُخُورُ المَوْتِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم