سندباد 02 وعرائس البحر

سِنْدِبَاد وَعَرَائِسُ الْبَحْرِ


«عَاصِفَةٌ فِي الْأُفُقِ .. » أَطْلَقَ الْمُرَاقِبُ هَذِهِ الصَّيْحَةَ، فِي سَفِينَةِ (سِنْدِبَاد)، وَهُوَ يُشِيرُ بِسَبَّابَتِهِ إِلَى الْأُفُقِ الْبَعِيدِ، مِنْ فَوْقِ أَحَدِ صَوَارِي السَّفِينَةِ، فَهَتَفَ (صَفْوَان) فِي حَنَقٍ، وَهُوَ يَلْتَقِطُ الْمِنْظَارَ الْمُقَرِّبَ، وَيُهْرِعُ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ: هَذَا مَا كَانَ يَنْقُصُنَا. كَانَ (سِنْدِبَاد) عِنْدَ الْمُقَدِّمَةِ بِالْفِعْلِ، عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَيْهَا (صَفْوَان)، الَّذِي سَأَلَهُ فِي قَلَقٍ: هَلْ تَرَاهَا يَا (سِنْدِبَاد)؟ أَجَابَهُ (سِنْدِبَاد)، وَهُوَ يَتَطَلَّعُ عَبْرَ مِنْظَارِهِ الْمُقَرِّبِ بِدَوْرِهِ: نَعَمْ .. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهَا عَاصِفَةٌ عَاتِيَةٌ، فَالسُّحُبُ الَّتِي تَقْتَرِبُ دَاكِنَةٌ لِلْغَايَةِ. زَفَرَ (صَفْوَان) فِي حَنَقٍ، وَهُوَ يُلْقِي نَظْرَةً عَلَى تِلْكَ السُّحُبِ، عَبْرَ مِنْظَارِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْبَحَّارَةِ، وَهَتَفَ فِيهِمْ: ارْفَعُوا الْأَشْرِعَةَ، وَالدَّفَّةَ إِلَى أَقْصَى الْيَسَارِ.

أَسْرَعَ الْجَمِيعُ يُنَفِّذُونَ الْأَوَامِرَ، حَتَّى لَا تُمَزِّقَ الرِّيَاحُ الْأَشْرِعَةَ، أَوْ تَدْفَعَهَا لِقَلْبِ السَّفِينَةِ فِي الْبَحْرِ، فِي حِينَ تَوَلَّى الْقِبْطَانُ (سِنْدِبَاد) الدَّفَّةَ بِنَفْسِهِ، وَرَاحَ (صَفْوَان) يُعَاوِنُ الْبَحَّارَةَ عَلَى اتِّخَاذِ مَا يَلْزَمُ لِاسْتِقْبَالِ الْعَاصِفَةِ، الَّتِي لَمْ تَمْضِ دَقَائِقُ مَعْدُودَةٌ، حَتَّى كَانَتْ تَهُبُّ عَلَى السَّفِينَةِ بِكُلِّ قُوَّتِهَا. وَكَانَتْ عَاصِفَةٌ عَاتِيَةٌ بِحَقٍّ .. لَقَدْ حَجَبَتِ السُّحُبُ الدَّاكِنَةُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، وَأَحَالَتِ النَّهَارَ إِلَى لَيْلٍ، وَارْتَفَعَتِ الْأَمْوَاجُ عَلَى نَحْوٍ مُخِيفٍ، وَرَاحَتْ تَضْرِبُ السَّفِينَةَ فِي عُنْفٍ، تُعَاوِنُهَا الرِّيَاحُ الْقَوِيَّةُ، الَّتِي تَلَاعَبَتْ مَعَهَا السَّفِينَةُ، وَكَأَنَّهَا بَيْضَةٌ فَارِغَةٌ، فِي قَلْبِ بُرْكَانٍ ثَائِرٍ. وَفِي تَوَتُّرٍ عَصَبِيٍّ، صَرَخَ (صَفْوَان): (سِنْدِبَاد) .. إِنَّهَا أَقْوَى عَاصِفَةٍ وَاجَهْنَاهَا فِي الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ. هَتَفَ (سِنْدِبَاد)، وَهُوَ يُجَاهِدُ بِأَقْصَى قُوَّتِهِ، لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى الدَّفَّةِ: بَلْ أَعْتَقِدُ أَنَّهَا أَقْوَى عَاصِفَةٍ وَاجَهْنَاهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ يَا رَجُلُ. كَانَ يُمْسِكُ الدَّفَّةَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، وَيُحَاوِلُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا فِي شِدَّةٍ وَعُنْفٍ، وَلَكِنَّهَا تُقَاوِمُهُ فِي إِصْرَارٍ، وَتَنْدَفِعُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْهُ إِلَى أَيِّ اتِّجَاهٍ تَشَاءُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ إِرَادَتِهِ وَرَغْبَتِهِ ..

وَفَجْأَةً، وَوَسَطَ الْعَاصِفَةِ، انْبَعَثَ ذَلِكَ الْغِنَاءُ .. غِنَاءٌ نَاعِمٌ جَمِيلٌ، بِصَوْتٍ أُنْثَوِيٍّ رَقِيقٍ، شَقَّ الْعَاصِفَةَ وَرَاحَ يَتَرَدَّدُ فِي الْجَوْ، وَيَخْتَرِقُ الطَّقْسَ الْغَاضِبَ فِي رِفْقٍ قَوِيٍّ .. وَتَوَقَّفَ كُلُّ الْبَحَّارَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَقَدِ انْتَابَتْهُمْ حِيرَةٌ عَجِيبَةٌ، تَمْتَزِجُ بِنَشْوَةٍ غَامِضَةٍ، بَدَتْ وَاضِحَةً فِي صَوْتِ (صَفْوَان)، وَهُوَ يَقُولُ: رَبَّاهُ ... إِنَّهُ أَجْمَلُ غِنَاءٍ سَمِعْتُهُ، فِي حَيَاتِي كُلِّهَا. صَاحَ بِهِ (سِنْدِبَاد): تَجَاهَلْهُ يَا رَجُلُ .. تَجَاهَلْهُ وَعُدْ إِلَى عَمَلِكَ .. عُودُوا إِلَى أَعْمَالِكُمْ جَمِيعًا، وَإِلَّا انْهَارَتِ السَّفِينَةُ مَعَ الْعَاصِفَةِ. خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْمَعْهُ، وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إِلَى وُجُوهِ الْبَحَّارَةِ، الَّذِينَ شَرَدَتْ أَبْصَارُهُمْ، وَتَجَمَّدَتْ مَلَامِحُهُمْ، وَبَدَوْا وَكَأَنَّ ذَلِكَ الْغِنَاءَ قَدِ الْتَهَمَ مَشَاعِرَهُمْ تَمَامًا .. وَلَمْ يَشْعُرْ (سِنْدِبَاد) بِالدَّهْشَةِ لِهَذَا؛ إِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ، يَشْعُرُ بِانْجِذَابٍ شَدِيدٍ تِجَاهَ ذَلِكَ الْغِنَاءَ الْعَذْبَ، وَيَكَادُ يَتَخَلَّى عَنِ الدَّفَّةِ؛ لِيُهْرَعَ إِلَى مَصْدَرِهِ، لَوْلَا إِرَادَتُهُ الْقَوِيَّةُ، الَّتِي تُسَيْطِرُ عَلَى مَشَاعِرِهِ، وَتُسَاعِدُهُ عَلَى الْبَقَاءِ فِي مَكَانِهِ، وَسَطَ تِلْكَ الْعَاصِفَةِ الرَّهِيبَةِ ... وَمَرَّةً أُخْرَى، وَبِكُلِّ قُوَّتِهِ، صَرَخَ (سِنْدِبَاد): تَجَاهَلُوا ذَلِكَ الْغِنَاءَ. رَأَى أَجْسَادَهُمْ تَنْتَفِضُ فِي عُنْفٍ، وَكَأَنَّهُمْ يَفِيقُونَ مِنْ نَوْمٍ عَمِيقٍ، فَوَاصَلَ صَارِخًا: هَيَّا .. عُودُوا إِلَى أَعْمَالِكُمْ. بَدَا عَلَيْهِمُ التَّرَدُّدُ، وَكَأَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ مُقَاوَمَةَ ذَلِكَ الْغِنَاءَ، فَصَاحَ بِهِمْ: مَزِّقُوا قِطَعًا مِنْ مَلَابِسِكُمْ، وَاحْشُوا بِهَا آذَانَكُمْ. أَطَاعُوهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَأَنَّ هَذَا مَا يَنْشُدُونَهُ، فَمَزَّقُوا قِطَعًا صَغِيرَةً مِنْ ثِيَابِهِمْ، وَحَشَوْا بِهَا آذَانَهُمْ، لِيَقُوهَا ذَلِكَ الْغِنَاءَ السَّاحِرَ، وَحَذَا (سِنْدِبَاد) حَذْوَهُمْ، ثُمَّ عَادَ الْجَمِيعُ يَعْمَلُونَ فِي هِمَّةٍ وَنَشَاطٍ، لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى السَّفِينَةِ، وَإِنْقَاذِهَا مِنَ الْعَاصِفَةِ.

وَلَمْ تَمْضِ نِصْفُ السَّاعَةِ، حَتَّى كَانَ الْإِرْهَاقُ قَدْ هَزَمَهُمْ جَمِيعًا، فِي حِينَ لَمْ تَهْدَأِ الْعَاصِفَةُ لَحْظَةً وَاحِدَةً، لِيَلْتَقِطُوا خِلَالَهَا أَنْفَاسَهُمْ، فَهَتَفَ (صَفْوَان): مَاذَا نَفْعَلُ يَا (سِنْدِبَاد)؟ كَانَ الْمَطَرُ يَنْهَمِرُ فِى عُنْفٍ، وَالسَّفِينَةُ تَتَأَرْجَحُ فِي شِدَّةٍ، فَوْقَ الْأَمْوَاجِ الْمُتَلَاطِمَةِ، فَصَاحَ (سِنْدِبَاد): لَيْسَ أَمَامَنَا سِوَى حَلٍّ وَاحِدٍ .. سَنَتَوَقَّفُ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْعَاصِفَةِ، وَنَتْرُكُهَا تَحْمِلُنَا إِلَى حَيْثُ تُرِيدُ. هَتَفَ (صَفْوَان): وَمَاذَا لَوْ ارْتَطَمْنَا بِشَيْءٍ مَا؟ أَجَابَهُ (سِنْدِبَاد): لَا يُوجَدُ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَرْتَطِمَ بِهِ يَا صَدِيقِي .. إِنَّنَا بَعِيدُونَ عَنْ كُلِّ الشَّوَاطِئِ، وَلَا تُوجَدُ جُزُرٌ هُنَا، وَ ... «جَزِيرَةٌ عَلَى مَسِيرَةِ دَقَائِقَ .. » قَاطَعَتْهَا هَذِهِ الصَّيْحَةُ، الَّتِي أَطْلَقَهَا الْمُرَاقِبُ، فَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ فِي دَهْشَةٍ، وَهَتَفَ: جَزِيرَةٌ !؟! .. هُنَا؟ لَمْ يَكُنْ يَنْطِقُهَا، حَتَّى عَادَ ذَلِكَ الْغِنَاءُ يَمْلأُ أُذُنَيْهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قِطَعِ الْقُمَاشِ الَّتِي تَسُدُّهُمَا وَسَمِعَ (صَفْوَان) يَصْرُخُ: إِنَّهُ يَأْتِي مِنْ هُنَاكَ .. مِنْ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ. حَدَّقَ (سِنْدِبَاد) لَحَظَاتٍ فِي الْجَزِيرَةِ، الَّتِي تَنْدَفِعُ نَحْوَهَا السَّفِينَةُ، وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَلْمَحُ ظِلَالَ ثَلَاثِ فَتَيَاتٍ، يَجْلِسْنَ فَوْقَهَا، وَيُنْشِدْنَ ذَلِكَ الْغِنَاءَ الْجَمِيلَ، فَانْقَبَضَ قَلْبُهُ فِي عُنْفٍ، وَامْتَلَأَتْ نَفْسُهُ بِرَهْبَةٍ لَيْسَ لَهَا مَا يُبَرِّرُهَا، وَانْدَفَعَ نَحْوَ الدَّفَّةِ مَرَّةً أُخْرَى، يَهْتِفُ: لَابُدَّ أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ هُنَا .. لَابُدَّ. سَأَلَهُ (صَفْوَان) فِي دَهْشَةٍ: وَلِمَاذَا؟.. إِنَّهَا جَزِيرَةٌ كَكُلِّ الْجُزُرِ. وَمَعَ آخِرِ حُرُوفِ كَلِمَاتِهِ، صَرَخَ أَحَدُ الْبَحَّارَةِ، وَهُوَ يَنْدَفِعُ نَحْوَ حَاجِزِ السَّفِينَةِ: أَنَا آتٍ .. آتٍ إِلَيْكُنَّ. انْطَلَقَ بَعْضُ رِفَاقِهِ خَلْفَهُ، مُحَاوِلِينَ مَنْعَهُ، إِلَّا أَنَّهُ بَلَغَ الْحَاجِزَ قَبْلَهُمْ، وَوَثَبَ إِلَى الْبَحْرِ، فِي قَلْبِ الْعَاصِفَةِ، وَرَاحَ يَسْبَحُ بِكُلِّ قُوَّتِهِ نَحْوَ الْفَتَيَاتِ الثَّلَاثِ، اللَّاتِى رُحْنَ يُنْشِدْنَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ عُذُوبَةً، وَهُوَ يَسْبَحُ نَحْوَهُنَّ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ، وَأَكْبَرَ ... وَفِي عَصَبِيَّةٍ، رَاحَ (سِنْدِبَاد) يَدْفَعُ الدَّفَّةَ، صَارِخًا: لَابُدَّ أَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ هُنَا .. لَابُدَّ. وَلَكِنْ فَجْأَةً، انْكَسَرَتِ الدَّفَّةُ فِي يَدِهِ، وَفَقَدَ سَيْطَرَتَهُ تَمَامًا عَلَى السَّفِينَةِ، فَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ فِى هَلَعٍ، وَتَصَاعَدَ صَوْتُ الْغِنَاءُ فِي أُذُنَيْهِ، وَالرِّيَاحُ تَدْفَعُ السَّفِينَةَ نَحْوَ الْجَزِيرَةِ الْغَامِضَةِ أَسْرَعَ وَأَسْرَعَ، وَ ... وَحَدَثَ الِارْتِطَامُ.

لَمْ يَكُنِ الِارْتِطَامُ عَنِيفًا، كَمَا تَوَقَّعَ (سِنْدِبَاد) إِلَّا أَنَّهُ دَفَعَهُ نَحْوَ حَاجِزِ السَّفِينَةِ، فَارْتَطَمَ بِهِ، وَاخْتَلَّ تَوَازُنُهُ، وَرَأَى (صَفْوَان) يَنْدَفِعُ نَحْوَهُ، هَاتِفًا فِي جَزَعٍ: تَمَاسَكْ يَا (سِنْدِبَاد). ثُمَّ شَعَرَ بِجَسَدِهِ يَهْوَى، قَبْلَ أَنْ يَرْتَطِمَ بِالْبَحْرِ، وَيَغُوصَ فِيهِ إِلَى عُمْقِ مِتْرَيْنِ، فَضَرَبَ بِذِرَاعَيْهِ فِيمَا حَوْلَهُ، حَتَّى صَعِدَ إِلَى السَّطْحِ. وَلَاحَتْ لَهُ السَّفِينَةُ وَهِيَ تَبْتَعِدُ، مَعَ صَوْتِ (صَفْوَان) الْمُلْتَاعِ، وَهُوَ يَصْرُخُ: (سِنْدِبَاد) .. أَيْنَ أَنْتَ يَا (سِنْدِبَاد)؟ كَانَتِ الْأَمْوَاجُ عَنِيفَةً عَاتِيَةً، وَاخْتَفَتِ السَّفِينَةُ مَعَ صَوْتِ (صَفْوَان) وَسَطَ الظَّلَامِ وَالضَّجِيجِ، فَقَاوَمَ (سِنْدِبَاد) بِكُلِّ قُوَّتِهِ، وَرَاحَ يَسْبَحُ بِلَا هُدًى، مُقَاوِمًا الرِّيَاحَ وَالتَّيَّارَ، وَهُوَ يَهْتِفُ فِي أَعْمَاقِهِ: لَا تَسْتَسْلِمْ يَا (سِنْدِبَاد) .. تَصَدَّ لِلْعَاصِفَةِ .. لَا تَجْعَلْ نِهَايَتَكَ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، الَّذِي طَالَمَا عَشِقْتَهُ وَهِمتَ بِهِ .. لَا تَسْتَسْلِمْ أَبَدًا.

وَفَجْأَةً، لَامَسَ جَسَدُهُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِالصُّخُورِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، وَرَاحَ يَجْذِبُ جَسَدَهُ إِلَيْهِ، وَيَسْعَى لِلتَّعَلُّقِ بِهِ، حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ فَوْقَهُ، فَرَاحَ يَلْهَثُ فِي شِدَّةٍ، وَهُوَ يَهْتِفُ: لَقَدْ نَجَوْتُ .. حَمْدًا لِلَّهِ ... حَمْدًا لِلَّهِ .. حَمْدًا لِلَّهِ. انْتَبَهَ بَغْتَةً إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَيْسَ صُخُورًا، فَاعْتَدَلَ يَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ فِي دَهْشَةٍ، وَلَاحَظَ أَنَّهُ مَصْنُوعٌ مِنْ مَادَّةٍ لَامِعَةٍ، أَشْبَهَ بِتِلْكَ الَّتِي تُصْنَعُ مِنْهَا الْمَدَافِعُ الْجَدِيدَةُ، وَأَنَّ الْتَصَقَتْ بِهِ عَشَرَاتُ الطَّحَالِبِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْأَصْدَافِ الْبَحْرِيَّةِ، عَلَى نَحْوٍ يُوحَى بِأَنَّهُ كَانَ يَرْقُدُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طِوَالٍ. وَنَهَضَ (سِنْدِبَاد) فِي حَذَرٍ، يَتَطَلَّعُ إِلَى تِلْكَ الشَّيْءِ، الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ الْغَرَقِ. كَانَ أَشْبَهَ بِجَزِيرَةٍ صِنَاعِيَّةٍ، تَتَكَوَّنُ مِنْ قُبَّةٍ كَبِيرَةٍ، تَمْتَدُّ مِنْ قَاعِدَتِهَا أُسْطُوَانَةٌ ضَخْمَةٌ، وَكُلُّهَا مَصْنُوعَةٌ مِنَ الْمَعْدِنِ ذَاتِهِ، وَلَكِنَّ الْقُبَّةَ تَحْوَى فَتْحَةً كَبِيرَةً، تَقَدَّمَ نَحْوَهَا (سِنْدِبَاد) فِي حَذَرٍ، وَ .. وَفَجْأَةً، تَعَثَّرَ (سِنْدِبَاد) بِشَيْءٍ مَا، وَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَتْ سَقْطَتُهُ إِلَى جِوَارِ بَعْضِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْجِسْمِ، الَّذِي تَعَثَّرَ فِيهِ. وَاتَّسَعَتْ عَيْنَا (سِنْدِبَاد) فِي شِدَّةٍ، لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ جُثَّةُ الْبَحَّارِ، الَّذِي أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَسَبَحَ نَحْوَ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ، اسْتِجَابَةً لِلْغِنَاءِ الشَّجِيِّ .. أَوْ بِمَعْنَى أَدَقَّ .. كَانَ بَقَايَا جُثَّتِهِ، بَعْدَ أَنْ الْتَهَمَهَا شَيْءٌ مَا. وَنَهَضَ (سِنْدِبَاد) فِي حَرَكَةٍ حَادَّةٍ، وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ، وَهُوَ يُغَمْغِمُ: الْآنَ عَرَفْتُ لِمَا يَتَرَدَّدُ هَذَا الْغِنَاءُ .. إِنَّهَا وَسِيلَةٌ لِجَذْبِ الْفَرَائِسِ إِلَى هُنَا، وَالْتِهَامِهَا بِلَا رَحْمَةٍ. كَانَ يَشْعُرُ بِرَهْبَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ الْمَوْقِفِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ نَحْوَ الْقُبَّةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَيَخْتَبِرَ فَتْحَتَهَا فِي حَذَرٍ، وَهُوَ يَحْمِلُ سَيْفَهُ، هَاتِفًا: مَنْ هُنَا؟ أَيُوجَدُ مَنْ يُمْكِنُنِى التَّحَدُّثُ إِلَيْهِ، أَوْ ...؟ بَتَرَ عِبَارَتَهُ فِي انْبِهَارٍ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي وَاجِهَةٍ زُجَاجِيَّةٍ ضَخْمَةٍ، بَدَتْ لَهُ أَشْبَهَ بِقَاعِ بَحْرٍ صَغِيرٍ، وَهِيَ تَحْوِي دَاخِلَهَا أَجْسَامًا مُسْتَدِيرَةً كَبِيرَةً بَدَتْ لَهُ أَشْبَهَ بِالْبَيْضِ، أَوْ بِالشَّرَانِقِ الَّتِي تَخْتَفِى دَاخِلَهَا الدِّيدَانُ، قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى طَوْرِ الْفَرَاشَاتِ. وَالتَّوَانِ، ظَلَّ (سِنْدِبَاد) يُحَدِّقُ فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ الْمُبْهِرِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ عَيْنَاهُ إِلَى أَرْضِيَّةِ الْمَكَانِ، حَيْثُ اسْتَقَرَّتْ ثَلَاثَةٌ مِنْ تِلْكَ الْأَجْسَامِ الْمُسْتَدِيرَةِ، وَقَدْ تَحَطَّمَتْ أَطْرَافُهَا وَبَدَتْ بِالْفِعْلِ أَشْبَهَ بِشَرْنَقَةٍ خَالِيَةٍ. وَفِي حَذَرٍ أَكْبَرَ، اقْتَرَبَ (سِنْدِبَاد) مِنْ تِلْكَ الشَّرَانِقِ الْفَارِغَةِ، وَأَلْقَى نَظْرَةً دَاخِلَهَا فِي تَوَتُّرٍ، وَهُوَ يُغَمْغِمُ: مِنْ أَيْنَ أَتَى هَذَا الشَّيْءُ؟ كَانَتِ الشَّرَانِقُ مَمْلُوءَةً بِمَاءٍ كَثِيرٍ، تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةٌ عَجِيبَةٌ أَشْبَهَ بِرَائِحَةِ الْجَمْبَرِيِّ، لَكِنَّهَا تَمْتَزِجُ بِنَسَمَاتٍ عَطِرَةٍ. انْدَهَشَ (سِنْدِبَاد) كَثِيرًا حَتَّى إِنَّهُ تَمْتَمَ وَهُوَ يَسْتَعِيدُ فِي ذَاكِرَتِهِ مَشْهَدَ الْجَزِيرَةِ عِنْدَمَا رَآهَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، وَبَدَتْ لَهُ ظِلَالُ ثَلَاثِ فَتَيَاتٍ فَوْقَهَا: أَمَعْقُولٌ هَذَا .. أَمِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تَكُونَ .. لَمْ يُتِمَّ عِبَارَتَهُ وَتَسَاؤُلَهُ، وَإِنَّمَا هَزَّ رَأْسَهُ فِي قُوَّةٍ؛ لِيَنْفُضَ عَنْهَا الْفِكْرَةَ، ثُمَّ أَعَادَ سَيْفَهُ إِلَى غِمْدِهِ، وَقَالَ وَهُوَ يُغَادِرُ الْقُبَّةِ: سُبْحَانَ اللَّهِ (الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ) .. يَخْلُقُ مَا لَا نَعْلَمُ.

كَانَتْ حِدَّةُ الْعَاصِفَةِ تَهْدَأُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وَتِلْكَ الْجَزِيرَةُ الصِّنَاعِيَّةُ تَتَأَرْجَحُ فَوْقَ سَطْحِ الْبَحْرِ، فَأَلْقَى نَظْرَةً عَلَى الْأُفُقِ، مُحَاوِلًا الْبَحْثَ عَنْ سَفِينَتِهِ، وَهُوَ يَتَمْتَمُ: تُرَى هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَلْتَقِيَ بِهِمْ مَرَّةً أُخْرَى، أَمْ ...؟ قَاطَعَهُ فَجْأَةً صَوْتٌ نَاعِمٌ رَقِيقٌ، يَهْتِفُ: تَعَالَ يَا (سِنْدِبَاد). الْتَفَتَ فِي دَهْشَةٍ إِلَى مَصْدَرِ الصَّوْتِ، وَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ عَنْ آخِرِهِمَا، عِنْدَمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى فَتَاةٍ بَاهِرَةِ الْحُسْنِ، طَوِيلَةِ الشَّعْرِ، سَوْدَاءَهُ، تَرْتَدَى ثَوْبًا مِنَ الذَّهَبِ، وَتَغُوصُ حَتَّى وَسَطِهَا فِي الْمَاءِ، وَهِيَ تَمُدُّ ذِرَاعَيْهَا إِلَيْهِ، مُضِيفَةً بِصَوْتٍ نَاعِمٍ هَاسِرٍ: تَعَالَ إِلَيَّ يَا (سِنْدِبَاد). اتَّجَهَ (سِنْدِبَاد) نَحْوَهَا، وَهُوَ يَسْأَلُهَا فِي دَهْشَةٍ: مَنْ أَنْتِ؟ .. كَيْفَ أَتَيْتِ إِلَى هُنَا؟ وَكَيْفَ عَرَفْتِ اسْمِي؟ لَمْ تُجِبِ الْفَتَاةُ تَسَاؤُلَاتِهِ، وَإِنَّمَا تَابَعَتْ بِنَفْسِ الصَّوْتِ السَّاحِرِ: تَعَالَ يَا (سِنْدِبَاد). حَاوَلَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهَا سُؤَالًا آخَرَ، إِلَّا أَنَّهُ وَجَدَ شَفَتَيْهِ عَاجِزَتَيْنِ عَنِ الْكَلَامِ، وَشَعَرَ بِنَفْسِهِ يَتَقَدَّمُ نَحْوَهَا كَالْمَسْحُورِ، وَهِيَ تُوَاصِلُ هَمْسَهَا، الَّذِي يَتَسَلَّلُ عَبْرَ أُذُنَيْهِ إِلَى عَقْلِهِ مُبَاشَرَةً: تَعَالَ إِلَيَّ يَا (سِنْدِبَاد) .. تَعَالَ. لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ يَخُوضُ الْمَاءَ مُتَّجِهًا إِلَيْهَا، وَبَدَتْ لَهُ سَاحِرَةً فَاتِنَةً، فِي ثَوْبِهَا الذَّهَبِيِّ، وَذَيْلِهَا الشَّبِيهِ بِذَيْلِ سَمَكَةٍ ضَخْمَةٍ يَبْرُزُ مِنَ الْمَاءِ، وَيَتَمَايَلُ إِلَى جِوَارِهَا، وَ ... ذَيْلِهَا؟!

كَانَتْ صَدْمَةً، انْتَزَعَتْ (سِنْدِبَاد) مِنْ شُرُودِهِ بَغْتَةً، فَحَدَّقَ فِي ذَلِكَ الذَّيْلِ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَلَّ سَيْفَهُ، صَارِخًا: رَبَّاهُ ... أَيُّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ لَمْ يَكَدْ يُطْلِقُ صَرْخَتَهُ، حَتَّى اخْتَفَتْ مَلَامِحُ الْفَتَاةِ بَغْتَةً وَتَحَوَّلَتْ إِلَى وَحْشٍ بَشِعٍ، نِصْفُهُ الْعُلْوِيُّ أَشْبَهَ بِالْبَشَرِ، وَلَكِنَّهُ مُغَطًّى بِحَرَاشِفَ خَضْرَاءَ، وَأَنْيَابُهُ بَارِزَةٌ مُخِيفَةٌ فِي حِينَ يَبْدُو نِصْفُهُ السُّفْلِيُّ أَشْبَهَ بِسَمَكَةٍ عِمْلَاقَةٍ. وَانْقَضَّ ذَلِكَ الْوَحْشُ عَلَيْهِ، وَمِنَ الْأَعْمَاقِ انْضَمَّ إِلَيْهِ وَحْشَانِ شَبِيهَانِ، وَرَاحَ الثَّلَاثَةُ يُطْلِقُونَ صَرْخَاتٍ رَهِيبَةً، وَهُمْ يُهَاجِمُونَ (سِنْدِبَاد)، الَّذِي ضَرَبَ عُنُقَ أَقْرَبِهِمْ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْفِزُ مُتَرَاجِعًا، وَيَهْتِفُ: لَا ، ابْتَعِدُوا .. ابْتَعِدُوا. سَقَطَ الْوَحْشُ صَرِيعًا، بَعْدَ أَنْ قَطَعَ (سِنْدِبَاد) عُنُقَهُ، فَتَوَقَّفَ الْآخَرَانِ، وَتَبَادَلَا نَظْرَةً سَرِيعَةً، ثُمَّ رَاحَا يُغَنِّيَانِ. وَكَانَ غِنَاؤُهُمَا سَاحِرًا بِالْفِعْلِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ بَشَاعَةِ مَظْهَرِهِمَا حَتَّى إِنَّ (سِنْدِبَاد) أَرْخَى سَيْفَهُ، وَأَرْخَى مَعَهُ أَعْصَابَهُ الْمَشْدُودَةَ، وَرَاحَ يُحَدِّقُ فِيهِمَا كَالْمَسْحُورِ. وَفِي بُطْءٍ، اقْتَرَبَ الْوَحْشَانِ، وَهُمَا يُخَدِّرَانِ (سِنْدِبَاد) بِغِنَائِهِمَا، وَاقْتَرَبَا، وَاقْتَرَبَا، وَ ... وَحَانَتْ لَحْظَةُ الْمَوْتِ.

«اسْتَيْقِظْ يَا (سِنْدِبَاد) .. اسْتَيْقِظْ». انْطَلَقَ ذَلِكَ الْهِتَافُ بَغْتَةً، فِي عَقْلِ (سِنْدِبَاد)، فَانْتَزَعَهُ مِنْ شُرُودِهِ وَانْبِهَارِهِ، وَحَجَبَ عَنْهُ سِحْرَ الْوَحْشَيْنِ، فَانْتَفَضَ جَسَدُهُ فِي عُنْفٍ، وَارْتَفَعَ سَيْفُهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَهُوَ يَهْتِفُ: لَا .. لَنْ تَخْدَعَانِي أَبَدًا. صَرَخَ الْوَحْشَانِ فِي غَضَبٍ، وَانْقَضَّا فِي ثَوْرَةٍ عَلَى (سِنْدِبَاد)، وَقَدْ بَرَزَتْ مَخَالِبُهُمَا وَأَنْيَابُهُمَا، إِلَّا أَنَّ بَطَلَنَا قَفَزَ جَانِبًا، وَضَرَبَ أَحَدَ الْوَحْشَيْنِ بِسَيْفِهِ، الَّذِي اخْتَرَقَ قَلْبَ الْوَحْشِ، فَأَطْلَقَ حَشْرَجَةً رَهِيبَةً، ثُمَّ تَمَسَّكَ بِالسَّيْفِ فِي قُوَّةٍ، وَكَأَنَّمَا يَمْنَعُ (سِنْدِبَاد) مِنِ اسْتِعَادَتِهِ، وَسَقَطَ فِي الْمَاءِ. وَفَجْأَةً، وَجَدَ (سِنْدِبَاد) نَفْسَهُ فِي مُوَاجَهَةِ الْوَحْشِ الثَّالِثِ وَهُوَ أَعْزَلُ مِنَ السِّلَاحِ .. وَكَشَّرَ الْوَحْشُ عَنْ أَنْيَابِهِ، وَأَبْرَزَ مَخَالِبَهُ عَنْ آخِرِهَا، وَانْقَضَّ عَلَى (سِنْدِبَاد)، وَلَكِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ مَالَ جَانِبًا، مُحَاوِلًا تَفَادِيَ الِانْقَاضَةِ، إِلَّا أَنَّ مَخَالِبَ الْوَحْشِ أَصَابَتْ صَدْرَهُ، وَمَزَّقَتْ قَمِيصَهُ. وَمَعَ آلَامِ الضَّرْبَةِ، تَرَاجَعَ (سِنْدِبَاد)، فَانْزَلَقَتْ قَدَمُهُ فَوْقَ الطَّحَالِبِ الْبَحْرِيَّةِ، وَسَقَطَ عَلَى ظَهْرِهِ .. وَكَانَتْ فُرْصَةً نَادِرَةً لِلْوَحْشِ، فَأَطْلَقَ صَرْخَتَهُ الْمُخِيفَةَ، وَوَثَبَ نَحْوَ (سِنْدِبَاد)، وَ ... وَانْطَلَقَ ذَلِكَ الرُّمْحُ. رُمْحٌ طَوِيلٌ، اخْتَرَقَ الرِّيَاحَ وَالْأَمْوَاجَ؛ لِيَنْغَرِسَ فِي عُنُقِ الْوَحْشِ، وَيَصْرَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَيَدْفَعَهُ عَبْرَ فَتْحَةِ الْقُبَّةِ إِلَى الدَّاخِلِ .. وَفِي دَهْشَةٍ، اعْتَدَلَ (سِنْدِبَاد) وَيَسْمَعُ صَوْتًا لَاهِثًا يَهْتِفُ: كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيَّ السَّعْيُ خَلْفَكَ. هَتَفَ (سِنْدِبَاد) فِي سَعَادَةٍ: (صَفْوَان) .. كَيْفَ وَصَلْتَ إِلَى هُنَا يَا صَدِيقِي. انْدَفَعَ (صَفْوَان) يُصَافِحُهُ فِي حَرَارَةٍ، هَاتِفًا: يَا لَهُ مِنْ سُؤَالٍ .. لَقَدْ قَفَزْتُ خَلْفَكَ بِالطَّبْعِ يَا رَجُلُ .. وَهَلْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ أَتَخَلَّى عَنْكَ، حَتَّى وَلَوْ وَاجَهْتَ عَوَاصِفَ الدُّنْيَا كُلِّهَا. تَعَانَقَا فِي حَرَارَةٍ، وَهَتَفَ (سِنْدِبَاد): وَمَاذَا عَنِ السَّفِينَةِ؟! أَجَابَهُ (صَفْوَان): إِنَّهَا عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ هُنَا .. لَقَدْ هَدَأَتِ الْعَاصِفَةُ بَغْتَةً كَمَا بَدَأَتْ، فَأَلْقَيْنَا الْمِرْسَاةَ، وَأَتَيْتُ أَنَا مَعَ رُمْحِي لِلْبَحْثِ عَنْكَ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّنِي وَصَلْتُ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، وَ .. قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ عِبَارَتَهُ، أُغْلِقَ بَابُ الْقُبَّةِ بَغْتَةً، وَبَدَأَتِ الْجَزِيرَةُ كُلُّهَا فِي الْغَوْصِ إِلَى الْأَعْمَاقِ، فَقَفَزَا مِنْهَا، وَرَاحَا يَسْبَحَانِ مُبْتَعِدِينَ، وَهَتَفَ (سِنْدِبَاد)، وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إِلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْهَا: يَبْدُو أَنَّهَا تَعُودُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْ يَا صَدِيقِي. هَتَفَ (صَفْوَان): فَلْتَذْهَبْ إِلَى حَيْثُ تَشَاءُ .. الْمُهِمُّ أَلَّا تَعُودَ إِلَيْنَا. قَالَهَا وَانْطَلَقَ الِاثْنَانِ يَضْحَكَانِ، ثُمَّ رَاحَا يَسْبَحَانِ نَحْوَ الْبُقْعَةِ الَّتِي رَسَتْ فِيهَا السَّفِينَةُ، وَالسُّحُبُ الدَّاكِنَةُ تَنْقَشِعُ لِيَتَحَرَّرَ مِنْ خَلْفِهَا ضَوْءُ الشَّمْسِ، وَيَغْمُرُ الْبَحْرَ بِنُورِهِ وَدِفْئِهِ، وَ ... وَبِأَمَلٍ جَدِيدٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم