تُعد السدود من أضخم وأعقد المنشآت الهندسية التي شيدها الإنسان، فهي ليست مجرد حواجز إسمنتية بل منظومات ذكية تهدف لإدارة الثروة المائية وحماية التجمعات البشرية. وفي المملكة المغربية، يبرز سد وادي المخازن كواحد من أهم الركائز المائية في حوض اللوكوس، حيث يمثل "حصناً" للأمن المائي ودرعاً واقياً للمناطق السكنية المحيطة به.
أهمية سد وادي المخازن
يحتل سد وادي المخازن، الذي تم تدشينه عام 1979، مكانة استراتيجية حيوية في جهة الشمال بالمغرب. وتتجلى أهميته في عدة نقاط رئيسية:
- الأمن المائي: يوفر السد مورداً ثابتاً للمياه الصالحة للشرب ولأغراض الصناعة.
- دعم الزراعة: يسقي السد آلاف الهكتارات في منطقة اللوكوس، مما يدعم النشاط الفلاحي عبر السقي المنتظم.
- الحماية من الفيضانات: يعمل السد كصمام أمان لحماية مدينتي القصر الكبير والعرائش من مخاطر الفيضانات، خاصة في مواسم التساقطات القياسية.
- إنتاج الطاقة: يحتوي السد على معمل لتوليد الطاقة الكهرومائية بقدرة تصل إلى 36 ميغاواط، مما يساهم في توفير طاقة نظيفة للبلاد.
تصميم سد وادي المخازن
صُمم سد وادي المخازن ليكون منيعاً أمام الظروف الطبيعية القاسية، وتعتمد هندسته على نظام "السدود الركامية ذات اللب الطيني" (Embankment Dam). ويتكون تصميمه المفصل من:
- جسم السد (الجبل الاصطناعي): يتكون من ردميات من كسر الصخور والأتربة، وتمنحه كتلته الهائلة استقراراً ذاتياً ومرونة في امتصاص الصدمات الزلزالية.
- اللب الطيني (Core): هو قلب السد الكتيم المصنوع من الطين، ومهمته الأساسية هي منع تسرب المياه عبر جسم السد.
- المفيض (Spillway): ممر هندسي يقع في الجزء العلوي من السد، وظيفته تصريف المياه الزائدة تلقائياً عند وصولها لمستوى معين لمنع تدفقها فوق قمة السد (Overtopping)، وهو ما يحمي المنشأة من الانهيار.
- المفرغ السفلي (Bottom Outlet): فتحات تقع في قاع السد تستخدم لأغراض تقنية وتفريغ طوارئ.
كيفية عمل سد وادي المخازن
يعمل السد من خلال حجز مياه الأودية وتشكيل بحيرة تخزين ضخمة خلفه. تتم إدارة هذه المياه عبر منظومة تقنية دقيقة:
- يتم سحب المياه لأغراض الشرب والري عبر مآخذ مياه موزعة على مستويات مختلفة لضمان الجودة العالية.
- عند حدوث فيضانات، يستقبل السد كميات هائلة من المياه تفوق طاقته أحياناً، وهنا يبدأ دور التدبير التقني عبر المفيض والمفرغ السفلي لتصريف الفائض بشكل متحكم فيه.
- تتم مراقبة السد على مدار الساعة باستخدام أجهزة دقيقة مثل البيزومترات لقياس الضغط الداخلي، وأجهزة الرصد الطبوغرافي لمراقبة أي تحرك في الجدران بكسور المليمتر.
كيفية عمل المفرغ السفلي
المفرغ السفلي هو منشأة أنبوبية تقع في الجزء السفلي من السد، وله أدوار حيوية لا غنى عنها:
- طرد الرواسب: يستخدم لفتح "الصمامات القعرية" لطرد الترسبات الطينية (التوحل)، وهو ما يحافظ على السعة التخزينية للسد.
- التحكم في المنسوب: يسمح بخفض منسوب المياه بشكل تدريجي ومنظم لتخفيف الضغط عن جدران السد في الحالات القصوى.
- تفريغ الطوارئ: في حالات الضرورة، يتم استخدامه لتفريغ بحيرة السد جزئياً أو كلياً.
عملية فتح وإغلاق البوابات
تتحكم البوابات الحديدية في تدفق المياه من السد، ويتم تشغيلها عادة من برج تحكم أو غرف مخصصة.
- يتم فتح وإغلاق البوابات بواسطة أنظمة هيدروليكية أو ميكانيكية (تروس).
- في بعض الأنواع، يتم فتح البوابة عن طريق تدوير آلية التشغيل عكس اتجاه عقارب الساعة، وإغلاقها بتدويرها في اتجاه عقارب الساعة.
- يتم اتخاذ قرارات فتح البوابات بناءً على "محاكاة هيدرولوجية" دقيقة تعتمد على سرعة تدفق المياه الواردة وتوقعات الأرصاد الجوية.
نسبة ملأ السد ومعناها
نسبة الملأ هي المقياس الذي يوضح حجم المياه الموجودة في بحيرة السد مقارنة بسعته التصميمية المعتادة.
- عندما تكون النسبة 100%: يعني ذلك أن السد قد وصل إلى "مستوى التخزين العادي".
- تجاوز 100% (مثل وصول سد المخازن لـ 146%): يعني هذا أن السد دخل في مرحلة "الحمولة الاستثنائية"، حيث ترتفع المياه فوق المستوى المعتاد وتتدفق عبر المفيض.
- المعنى الهيدرولوجي: الارتفاع الكبير في نسبة الملأ يعني وفرة مائية قياسية، ولكنه يتطلب في ذات الوقت إجراءات
"تفريغ وقائي واستباقي" لخلق سعة احتياطية لاستيعاب أي واردات مائية جديدة وحماية المناطق السفلية من الفيضانات المفاجئة.
ختاماً، يظل سد وادي المخازن نموذجاً للذكاء الهندسي المغربي في تدبير الموارد المائية، حيث تسبق السلامة دائماً الرغبة في الامتلاء، لضمان استمرار عمل هذه المنشأة كصمام أمان يحمي المنطقة ويدعم تنميتها.