الشوربة الملكية

الشوربة الملكية

الشوربة الملكية

كَانَ جَلَالٌ، الْبَائِعُ الْجَوَّالُ، رَاجِعاً مِنْ مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بَارِدَةٍ، وَكَانَ يَسِيرُ وَسَطَ الْغَابَةِ وَهُوَ يَرْتَعِدُ مِنَ الْبَرْدِ وَالْجُوعِ. وَبَيْنَمَا كَانَ سَائِراً، رَأَى بَيْتاً صَغِيراً جَمِيلاً وَسَطَ الْأَشْجَارِ، فَدَقَّ جَلَالٌ الْبَابَ، فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ. قَالَ لَهَا جَلَالٌ: "أَنَا جَلَالٌ، سَأَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ يَا سَيِّدَتِي، فَهَلْ عِنْدَكِ قَلِيلٌ مِنَ الطَّعَامِ؟" قَالَتِ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ: "أَنَا فَقِيرَةٌ، لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ وَلَا مَكَانٌ، اذْهَبْ إِلَى بَيْتٍ آخَرَ". قَالَ جَلَالٌ: "أَرْجُوكِ، لَا يُوجَدُ فِي هَذَا الْمَكَانِ إِلَّا هَذَا الْبَيْتُ، وَأَنَا سَأَمُوتُ مِنَ الْبَرْدِ وَالْجُوعِ، اسْمَحِي لِي بِالدُّخُولِ، وَسَأَنَامُ عَلَى الْأَرْضِ فِي أَيِّ مَكَانٍ". رَجَا جَلَالٌ الْمَرْأَةَ مَرَّةً وَاثْنَتَيْنِ وَثَلَاثَةً، وَأَخِيراً سَمَحَتْ لَهُ بِالدُّخُولِ، فَوَجَدَ الْمَنْزِلَ وَاسِعاً، وَعَرَفَ أَنَّ الْمَرْأَةَ غَنِيَّةٌ وَلَكِنَّهَا بَخِيلَةٌ، فَفَكَّرَ فِي حِيلَةٍ حَتَّى تُعْطِيَهُ بَعْضَ الطَّعَامِ.

قَالَ جَلَالٌ لِلْمَرْأَةِ الْبَخِيلَةِ: "أَنْتِ تَقُولِينَ إِنَّكِ فَقِيرَةٌ، لَا بُدَّ أَنَّكِ جَائِعَةٌ مِثْلِي، وَأَنَا مَعِي شَيْءٌ يَصْنَعُ طَعَاماً لَذِيذاً". دَهِشَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالَتْ: "كَيْفَ هَذَا؟" قَالَ جَلَالٌ: "هَاتِي وِعَاءً فِيهِ بَعْضُ الْمَاءِ، ثُمَّ ضَعِيهِ عَلَى النَّارِ". أَحْضَرَتِ الْمَرْأَةُ الْوِعَاءَ وَالْمَاءَ وَالنَّارَ، ثُمَّ قَالَتْ: "وَمَاذَا سَتَصْنَعُ الْآنَ؟" أَخْرَجَ جَلَالٌ مِنْ جَيْبِهِ مِسْمَاراً كَبِيراً يَلْمَعُ مِثْلَ الْفِضَّةِ، وَوَضَعَهُ فِي الْوِعَاءِ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ الْبَخِيلَةِ: "سَأُعَلِّمُكِ طَرِيقَةَ عَمَلِ الْحِسَاءِ الْمَلَكِيِّ، أَوِ الشَّوْرَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ، إِنَّهَا طَعَامٌ لَذِيذٌ وَرَخِيصٌ، وَسَيَنْفَعُكِ مَا دُمْتِ تَقُولِينَ إِنَّكِ فَقِيرَةٌ مِثْلِي". فَرِحَتِ الْمَرْأَةُ الْبَخِيلَةُ، وَأَرَادَتْ أَنْ تَعْرِفَ طَرِيقَةَ عَمَلِ طَعَامٍ لَذِيذٍ وَرَخِيصٍ.

جَلَسَ جَلَالٌ يُقَلِّبُ الْمَاءَ عَلَى النَّارِ ثُمَّ قَالَ: "يَا سَلَامُ، لَوْ كَانَ عِنْدَنَا قَلِيلٌ مِنَ السَّمْنِ، فَإِنَّ الشَّوْرَبَةَ الْمَلَكِيَّةَ سَتَكُونُ لَذِيذَةً أَكْثَرَ". قَالَتِ الْمَرْأَةُ: "سَأَبْحَثُ لَكَ عَنْ بَعْضِ السَّمْنِ"، وَذَهَبَتْ وَأَحْضَرَتْ بَعْضَ السَّمْنِ. أَخْرَجَ جَلَالٌ الْمِسْمَارَ وَقَعَدَ يُقَلِّبُ، ثُمَّ قَالَ: "يَا سَلَامُ، لَوْ كَانَ عِنْدَنَا بَعْضُ الدَّقِيقِ". ذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ وَأَحْضَرَتْ بَعْضَ الدَّقِيقِ، وَجَلَالٌ قَعَدَ يُقَلِّبُ وَيَطْلُبُ مِنْهَا أَشْيَاءَ وَأَشْيَاءَ، وَالْمَرْأَةُ تُحْضِرُهَا لِأَنَّهَا غَنِيَّةٌ وَعِنْدَهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَأَحْضَرَتْ كُلَّ هَذَا لِأَنَّهَا بَخِيلَةٌ وَتُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ طَرِيقَةَ عَمَلِ طَعَامٍ لَذِيذٍ وَرَخِيصٍ.

وَأَخِيراً قَالَ جَلَالٌ: "لَقَدْ تَمَّ كُلُّ شَيْءٍ، يَا سَلَامُ، لَوْ كَانَ عِنْدَنَا بَعْضُ الْأَطْبَاقِ وَمِفْرَشٌ نَظِيفٌ لِلْمَائِدَةِ". أَحْضَرَتِ الْمَرْأَةُ الْمِفْرَشَ وَجَهَّزَتِ الْمَائِدَةَ. قَالَ جَلَالٌ: "عَظِيمٌ، يَا سَلَامُ، لَوْ كَانَ مَعَ الشَّوْرَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ بَعْضُ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْفَاكِهَةِ". أَحْضَرَتِ الْمَرْأَةُ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَالْفَاكِهَةَ، وَجَلَسَ جَلَالٌ وَأَكَلَ وَأَكَلَتِ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ أَعْطَتْهُ سَرِيراً نَظِيفاً فِي حُجْرَةٍ صَغِيرَةٍ دَافِئَةٍ، فَنَامَ حَتَّى الصَّبَاحِ. وَعِنْدَمَا انْصَرَفَ رَاجِعاً إِلَى بَيْتِهِ، قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ: "أَشْكُرُكَ عَلَى هَذِهِ الشَّوْرَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ اللَّذِيذَةِ بِمِسْمَارٍ وَاحِدٍ".

إرسال تعليق

أحدث أقدم