حكاية مدينة هاملين والفئران
يحكى أنه كانت هناك مدينة تسمى هاملين في ألمانيا، وكان عمدة هذه المدينة مشهوراً بالبخل الشديد. وذات يوم، توقف عمال النظافة عن العمل لأنهم لم يستلموا رواتبهم منذ شهرين كاملين، فغادروا المدينة وهم غاضبون.
ومنذ ذلك الحين، بدأت النفايات وبقايا الطعام تتراكم في الشوارع يوماً بعد يوم، حتى غزتها جيوش من الفئران! كانت الفئران في كل مكان، يصرخ الناس ذعراً: "اغربوا من هنا أيتها الفئران!"، لكن دون جدوى. حتى القطط لم تستطع مواجهة تلك الأعداد الهائلة واختبأت خوفاً منها.
أصبحت البيوت لا تطاق، وصاح الجميع: "أرجوكم أخرجوها من المنزل! النجدة، ساعدونا!" ولم تسلم مخازن الطعام من الفئران، فقد اقتحمتها وأفسدت كل شيء. قال أحد السكان بحزن: "الوضع لا يطاق في المدينة، يجب أن يجد العمدة حلاً. لقد اشتريت قطعة خبز اليوم ولكن الفئران أفسدتها!". وصرخ تاجر آخر بغضب: "لقد دمرت الفئران تجارتي، حتى مخازني لم تسلم وأفسدت الطعام كله! لابد أن نذهب إلى العمدة فالوضع لم يعد يحتمل.. اغرب عن وجهي أيها الفأر!"
غضب الأهالي ووعد العمدة
سار أهل المدينة في مظاهرة حاشدة نحو مكتب العمدة، وهم يشتعلون غضباً، يرفعون أصواتهم بالشكوى ويطالبون بحل سريع لهذه الكارثة. نظر العمدة من نافذته متفاجئاً: "ما هذه الفوضى في الخارج؟" دخل عليه الوجهاء وقالوا: "أنت العمدة وعليك أن تتحمل المسؤولية!" حاول العمدة تهدئتهم: "حسناً حسناً، اهدأوا قليلاً." همس أحد الحاضرين بامتعاض: "لا أظن أنه يستطيع أن يفعل شيئاً"، فرد عليه آخر: "لا تقل ذلك، دعونا نسمعه فلعله لديه ما يقوله."
وقف العمدة أمام الشرفة وقال بصوت مرتفع: "يا أهل مدينتي، إنني أشعر بما تشعرون وأعاني كما تعانون، ولهذا أعلن أمامكم عن مكافأة عظيمة: 50 قطعة ذهبية لمن يستطيع أن يخلصنا من هذه الفئران التي دمرت حياتنا! وأنتم أيضاً مسؤولون عن إيجاد ذلك الشخص." بدأ الناس يتهامسون بذهول وفرح: "ماذا؟ من يخلص المدينة ينال 50 قطعة ذهبية؟ كم هذا رائع!".
ظهور عازف المزمار
بينما كانت الفئران تجري في الشوارع والناس يصرخون بوجهها "اذهبوا من هنا! ارحلوا!"، وصل إلى المدينة رجل غريب يرتدي ملابس زاهية وملونة ويسأل: "أين مكتب العمدة؟" فأشار له رجل: "هناك يا سيدي"، فشكره الغريب وتوجه إلى المكتب.
دخل العازف على العمدة، وكان العمدة يراجع أوراقه ويقول بضيق: "أنا مشغول جداً." فقال العازف بثقة: "لقد قرأت الإعلان الذي يقول إن من يخلص المدينة من الفئران سيحصل على 50 قطعة ذهبية، هل هذا صحيح؟" أجاب العمدة: "نعم، هذا صحيح." قال العازف: "أنا أستطيع أن أخلصكم من الفئران يا سيدي العمدة." ضحك العمدة بسخرية ونظر إلى ملابسه الغريبة وقال: "أنت؟ إذاً هيا اذهب وخلص المدينة إن كنت قادراً على ذلك." وسخر منه بعض الحاضرين قائلين: "حتى الصعاليك يرغبون في الجائزة!" دوت الضحكات في القاعة، لكن العازف لم يهتم.
خطة العازف وخداع العمدة
خرج العازف إلى الشارع، وأخرج مزماره وبدأ يعزف لحناً غريباً وساحراً. وما هي إلا لحظات حتى بدأت الفئران تخرج من البيوت والمخازن والزوايا، وتتبع النغمات وهي مسحورة. مشى العازف نحو النهر وهو يستمر في العزف، والفئران تسير خلفه بطابور طويل، حتى دخل الماء فتبعتْه الفئران جميعها وغرقت في النهر.
تنفس العازف الصعداء وقال بفرح: "لقد غرقت جميع الفئران! سأذهب بسرعة لأستلم الجائزة." عاد العازف إلى مكتب العمدة، وكان أهالي المدينة مجتمعين يحتفلون. وقف العمدة وقال بنبرة فخر كاذبة: "رحبوا ببطلنا! وها هي الجائزة العظيمة. اهدأوا قليلاً يا أهل مدينتي، لقد تعبت كثيراً في البحث عن هذا الرجل ليخلصكم من الفئران، وها أنا أوفي بوعدي لكم، وهذه هي الجائزة التي يستحقها.. تفضل!"
صفق الجميع وتشجعوا، لكن العازف عندما فتح كيس المال وتفحصه، تغيرت ملامحه وقال بغضب: "ما هذا؟ هذه عملات عادية وليست ذهبية كما وعدتني!" ضحك العمدة بخبث وقال: "وهل أنا أحمق لأعطيك 50 قطعة ذهبية مقابل فئران؟" نظر إليه العازف بنظرة حادة مليئة بالتحدي وقال: "حسناً.. سترى ما سأصنع بكم!" استهزأ العمدة بعد رحيله وقال: "يهددني هذا الصعلوك وهو يبدو كمهرج بهذه الملابس؟" وضحك مستخفاً بوعيده.
الانتقام والدرس الصعب
في المساء، كان العازف يغلي غضباً ويقول لنفسه: "سوف يرون غداً ما سأصنع بهم، حان وقت الانتقام، حتى يتعلم سكان المدينة والعمدة أن من يعد بشيء يجب أن يفي به."
وفي الصباح التالي، بينما كان الكبار غارقين في نومهم ويصدرون أصوات شخير، أخرج العازف مزماره وعزف لحناً آخر مختلفاً، لحناً لا يسمعه ولا ينجذب إليه إلا الأطفال. وبسرعة، خرج جميع أطفال المدينة من بيوتهم ومشوا وراءه وهم يبتسمون ويدبكون، وتبعم طفل صغير كان يعرج بقدمه لكنه تأخر عنهم قليلاً. سار العازف بالأطفال حتى اختفوا جميعاً داخل الغابة.
استيقظ الأهالي ولم يجدوا أطفالهم، وعم الذعر والاضطراب. ركض العمدة في الشوارع يبحث عنهم، فالتقى بالطفل الصغير الذي تأخر وقال له بلهفة: "هل تعرف أين ذهب أطفال المدينة يا ولدي؟" أجاب الطفل: "لقد ذهبوا مع عازف المزمار إلى الغابة.. نعم، ولم ينتظروني لأنني بطيء." وضع العمدة يده على رأسه وقال بصدمة: "يا إلهي! ماذا نفعل الآن؟"
ركض العمدة نحو الغابة يبحث عنهم وهو يصرخ نادماً، حتى وجد العازف واقفاً والأطفال يلعبون من حوله بسلام. انحنى العمدة أمامه وقال برجاء: "مرحبا بسعادتك.. أرجوك لا تؤذِ الصغار فليس لهم ذنب." نظر إليه العازف وقال: "هكذا إذاً؟" أخرج العمدة كيساً ثقيلاً وقال بصدق: "نعم، وهذا هو مالك خذه لتتأكد." فتح العازف الكيس وابتسم: "يبدو أنها عملات ذهبية ولم تخدعني كالعادة يا سعادة العمدة." قال العمدة ودموعه في عينيه: "المال أصبح عندك، هيا أرجع الصغار إلى المدينة."
أجاب العازف بحكمة: "بالتأكيد سأعيدهم، هذا كان فقط درساً لتتعلموا أن الوعد لا يجوز أن يُخلف. وتذكروا دائماً: إذا استمرت النفايات وبقايا الطعام في الشوارع، فسوف تنتشر الفئران والبعوض والذباب.. عليكم أن تنظفوا المدينة." أطرق العمدة رأسه وقال باقتناع: "نعم، أنت محق." ودعهم العازف قائلاً: "حسناً، حان وقت ذهابي.. إلى اللقاء!"
وهكذا عاد الأطفال إلى بيوتهم وعمت الفرحة المدينة، وتعلم الجميع من هذه القصة أن الوفاء بالوعود من صفات الإنسان الصادق والأمين، وأن من يخلف وعده قد يفقد ثقة الآخرين للأبد. كما تعلموا أن النظافة مسؤولية الجميع، فهي تحافظ على مدينتنا جميلة وتحمينا من الأوساخ والآفات.