ينبوع الشباب حكاية من قديم الزمان
ينبوع الشباب حكاية من قديم الزمان
كان يا مكان، في قديم الزمان، كان هناك بيت صغير يقع وسط غابة جبلية نائية. كان يعيش في هذا البيت رجل عجوز وزوجته، وقد تقدم بهما السن، وقلت حركتهما، وضعفت قواهما عما كانت عليه في أيام الشباب.
صار البيت قديما جدا وبحاجة ماسة للإصلاحات. وفي أحد الأيام، قال العجوز وهو يحاول رتق السقف:
— "يجب علي ان اوقف هذا التسرب".
فردت عليه زوجته بشفقة:
— "انك على حق، ولكنك لم تعد نشيطا كما كنت في السابق. في الماضي، كان الامر لا ياخذ منك سوى بضع دقائق".
تنهد العجوز وقال:
— "اجل اجل، ذهب الشباب فما له من عوده، واتى المشيب فاين منه المهرب".
فقالت الزوجة:
— "صح لسانك".
وهكذا كانت حالهما، وعلى الرغم من مظاهر الشيخوخة، كانت الايام تمضي بهما بهدوء، يملؤها الحب والرغبة في ان يظلا معا حتى اخر يوم في حياتهما.
رحلة الغابة المفاجئة
في صباح اليوم التالي، خرج العجوز لجمع قطع الحطب وقطف اوراق الشاي. وبعد ان جمع الحطب وحمله على ظهره ليعود الى بيته، تذكر فجأة امرا هاما:
— "أقسى ما فعلته الشيخوخة بي هي سلبها لذاكرتي حتى صرت أنسى أنني ناسي! سأعود لقطف أوراق الشاي لزوجتي".
وعندما وصل الى مكان شجر الشاي، اصابه العطش الشديد فجلس ليستريح قليلا. وفجأة، سمع صوت خرير ماء عذب من ينبوع قريب، فتعجب وقال:
— "لم أكن أعلم أن هنا ينبوع ماء! هذا ما كنت أريده وأتوق إليه.. ينبوع ماء يجري ونابض بالحياة". ثم قال مستشهدا بالآية الكريمة: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".
سر الينبوع العجيب
اقترب العجوز من الينبوع ورشف الرشفة الاولى، فاحس وكان طاقة قوية بدأت تسري في جسده. ارتشف رشفة ثانية، فشعر بانتعاش اقوى من السابق. وعندما وصل الى الرشفة الثالثة، حصل له امر غريب لا يصدق.. بدا وكان هذا العجوز قد عاد عشرين سنة الى الوراء!
عاد العجوز مسرعا بكل نشاط دون ان يلاحظ التغير الكامل في شكله وجسمه، فقد كان يظن فقط انه اصبح نشيطا بعد شربه للماء. وعندما دخل البيت نادى:
— "صباح الخير يا زوجتي، هل الشاي جاهز للشرب؟"
التفتت اليه الزوجة العجوز بذهول وقالت:
— "ها.. معذره منك ايها الشاب فانا لا اسمع بوضوح. من تريد؟ هل قلت انك تريد زوجي؟ تفضل انتظره حتى يعود".
ضحك وقال:
— "ها، ما الذي دهاك يا امراه؟ هذا انا زوجك!"
ردت مستنكرة:
— "ولكن زوجي عجوز مثلي وليس شابا!"
فقال ممازحا:
— "هكذا يبدو أنك عجوز تعانين من الخرف وفقدت الذاكرة تماما".
صاحت به:
— "توقف توقف أيها الشاب! هذا المكان لزوجي حقا.. وهذا الغليون لمن يا ترى؟ أمر مستحيل، لابد وأنني أحلم!"
أمسك يدها وقال:
— "كفى عن المزاح، هذه اليد ألا تتذكرين لمن تكون؟"
أجابت بحيرة:
— "أيضا أنا لا أمزح معك أيها الشاب ولا أتذكر من تكون.. ها، انتظر لحظة، قد تكون على حق، فهذه اليد مألوفة لدي".
فقال العجوز:
— "وماذا عن ملابسي؟ هل تغيرت أيضا؟"
قالت بنبرة متفاجئة:
— "ولكن صوتك غريب!"
— "ماذا تقصدين بأن صوتي غريب؟ هل أصبحت لهجتي مختلفة وصوتي مبحوح مثلا؟"
— "مثلاً يشبه صوتك عندما كنت شاباً!"
هنا، أسرع العجوز ليتحقق من حاله وما تغير في شكله وجسمه، فنظر في المرآة وصاح بذهول:
— "ماذا؟ أنا لا أعرف من يكون هذا! هل ركبت في عجلة الزمن إلى الوراء أو ما شابه؟ هذا أنا حقاً.. لقد عدت شاباً يافعاً! ذلك لأني شربت من ماء ينبوع الشباب. لقد عدت شاباً، عدت شاباً.. الحمد لله، الحمد لله".
عاقبة الطمع
التفت الى زوجته بحماس وقال:
— "سأملأ لك هذه القارورة من ينبوع الشباب. أجل أجل، ألا تريدين أن تعودي شابة مثلي أم أنك تفضلين أن تظلي عجوزاً هكذا؟"
أجابت بلهفة:
— "كلا بالطبع، أريد أن أعود شابة. هل ستذهب إلى ينبوع الشباب غداً؟"
— "نعم، يبدو بأنك متحمسة لعودتك للشباب. هل يمكنك الانتظار إلى الغد؟"
— "أجل أجل، ألا ليت الشباب يعود يوماً.. سأحاول الانتظار بفارغ الصبر".
"العجوز الذي ينتظر عودة شبابه غداً، تصبح ليلته طويلة كسنة". فعلاً، هذا صحيح حقاً.
في تلك الليلة، كان الزوج يغط في نوم عميق بعد تعب وعناء ذلك اليوم، بينما ظلت زوجته العجوز ساهرة لم تستطع النوم وهي تتخيل كيف سيكون شكلها عندما تعود شابة جميلة. ولم تطق الانتظار، فاخذت القارورة وتسللت في الليل لتذهب الى ينبوع الشباب وحدها، وهي تقول لنفسها:
— "كم كنت جميلة عندما كنت شابة.. سأجعله يتفاجأ بجمال شبابي".
في الصباح، استيقظ الزوج ولم يجدها، فانتظر وانتظر وهو يقول في نفسه:
— "لا أعلم لماذا تكون النساء بطيئات هكذا في كل أمور الحياة، ألا يعلمن أنهن يضعن وقتاً ثميناً؟"
تأخرت الزوجة كثيراً إلى أن جاء وقت الظهيرة، مما أقلق زوجها عليها بشدة. فذهب مسرعاً إلى طريق ينبوع الشباب باحثاً عنها. وما أن اقترب من المكان، حتى سمع خرير الماء، ولكنه تعجب من الصوت وقال بنبرة قلقة:
— "أنا متأكد أنني سمعت أحداً ما يصرخ، حيث كان مع صوت الينبوع صوت صراخ غريب!"
ركض نحو الينبوع ليرى المفاجأة.. لقد أسرفت الزوجة في شرب الماء بطمع شديد؛ فكلما بدت أصغر في السن، طمعت وشربت أكثر وأكثر، حتى تراجعت بها السنون وعادت طفلة صغيرة تبكي!
وقف الزوج الشاب مصدوماً، ونظر إليها وقال بحسرة:
— "ماذا فعلت بنفسك ايتها الحمقاء؟"
مسكين هذا الزوج، فلقد أصبح عليه الآن أن يهتم بتربية زوجته الطفلة مرة ثانية، ويرعاها إلى أن تكبر وتعقل من جديد!