الرِّحْلَةُ مِنْ مَمْلَكَةِ الغُرُورِ إِلَى رِحَابِ التَّوَاضُعِ
عَلَى ضَفَافِ النَّهْرِ العَظِيمِ، حَيْثُ تَنْسَابُ المِيَاهُ كَأَنَّهَا قِطَعٌ مِنَ الفِضَّةِ السَّائِلَةِ تَحْتَ سِتَارٍ مِنْ صَفَاءِ السَّمَاءِ، كَانَتْ تَعِيشُ جَمَاعَةٌ مِنْ طُيُورِ البَلَشُونِ، تِلْكَ الكَائِنَاتُ الَّتِي اتَّخَذَتْ مِنَ الوَقَارِ شِعَاراً وَمِنَ السَّكِينَةِ دِثَاراً. كَانَتْ تَقِفُ عَلَى ضِفَافِ النَّهْرِ بِسِيقَانِهَا الرَّشِيقَةِ، كَأَنَّهَا عِبَادٌ فِي مِحْرَابِ الطَّبِيعَةِ، تَرْقُبُ حَرَكَةَ السَّمَكِ بِصَبْرٍ أَيُّوبِيٍّ، لا تَهْتَزُّ لَهَا رِيشَةٌ إِلَّا حِينَ تَنْقَضُّ مَنَاقِيرُهَا الطَّوِيلَةُ كَالنِّصَالِ لِتَقْتَنِصَ رِزْقَهَا بِحِكْمَةٍ وَتُؤَدَةٍ. وَكَانَ يَرْأَسُ هَذِهِ الجَمَاعَةَ طَائِرٌ لَقَّبُوهُ "أَبُو رِيش الحَكِيم"، لَمْ يَكُنْ كِبَرُ سِنِّهِ عِبْئاً عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ مَنْبَعاً لِلرَّزَانَةِ وَالعَدْلِ، يَسْتَشِيرُ الصَّغِيرَ قَبْلَ الكَبِيرِ، وَيَنْشُرُ الأَمَانَ فِي أَرْجَاءِ المَكَانِ.
وَفِي يَوْمٍ اكْفَهَرَّتْ فِيهِ السَّمَاءُ وَأَرْسَلَتِ الرِّيَاحُ زَفِيرَهَا العَاتِيَ، انْشَقَّ عُبَابُ الغَمَامِ عَنْ ظِلٍّ جَثُومٍ هَبَطَ كَالصَّاعِقَةِ، نَسْرٌ عَظِيمُ المَنْكِبَيْنِ، ذُو مَخَالِبَ كَأَنَّهَا خَنَاجِرُ مَسْنُونَةٌ، وَأَجْنِحَةٍ سَوْدَاءَ إِذَا فَرَدَهَا حَجَبَتْ ضَوْءَ النَّهَارِ. لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ هَادِئاً كَمَا تَقْتَضِي أُصُولُ الجِوَارِ، بَلْ بَدَأَ بِعَرْضِ قُوَّتِهِ، فَمَزَّقَ سَطْحَ المَاءِ بِمَخَالِبِهِ، وَاصْطَادَ مِنَ الأَسْمَاكِ مَا يَفُوقُ حَاجَتَهُ أَضْعَافاً، نَاثِراً الرُّعْبَ فِي نُفُوسِ السُّكَّانِ الآمِنِينَ. بَنَى هَذَا النَّسْرُ عُشَّهُ فِي أَعْلَى قِمَّةِ شَجَرَةِ الأَرْزِ العَتِيقَةِ، لِيَنْظُرَ إِلَى العَالَمِ مِنْ عَلٍ بِنَظْرَةٍ مِلْؤُهَا الاحْتِقَارُ وَالازْدِرَاءُ، مُطْلِقاً عَلَى نَفْسِهِ لَقَبَ "مَلِكُ السَّمَاءِ وَسَيِّدُ الأَرْضِ".
مَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ، اسْتَفْحَلَ طُغْيَانُ النَّسْرِ، فَكَانَ يَتَعَمَّدُ إِثَارَةَ الفَوْضَى فِي المِيَاهِ الضَّحْلَةِ حَيْثُ تَصْطَادُ البَلَاشِينُ، فَقَطْ لِيَحْرِمَهَا مِنْ قُوتِهَا، وَكَانَ يَقْهَقِهُ بِصَوْتٍ رَعْدِيٍّ كُلَّمَا رَأَى صِغَارَ الطُّيُورِ تَبْكِي جُوعاً، مُدَّعِياً أَنَّ البَقَاءَ لِلأَقْوَى وَأَنَّ الضُّعَفَاءَ لا مَكَانَ لَهُمْ تَحْتَ جَنَاحَيْهِ. حَاوَلَ "أَبُو رِيش الحَكِيم" أَنْ يَنْصَحَهُ بِرِفْقٍ، قَائِلاً لَهُ: "يَا جَارَنَا العَزِيزَ، إِنَّ الرِّزْقَ وَاسِعٌ وَالقُوَّةَ أَمَانَةٌ، فَلا تَجْعَلْ قُوَّتَكَ سَوْطاً عَلَى رِقَابِ مَنْ حَوْلَكَ"، فَارْبَدَّ وَجْهُ النَّسْرِ وَقَالَ مُتَهَكِّماً: "أَيُّهَا العَجُوزُ المُهْتَرِئُ، أَتُعَلِّمُ المُلُوكَ كَيْفَ تَحْكُمُ؟ إِنْ لَمْ تَلْزَمُوا مَكَانَكُمُ القَصِيَّ، لَجَعَلْتُ مِنْ أَعْشَاشِكُمْ حَطَباً لِنَارِي!".
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ ذِي أَمْوَاجٍ هَائِجَةٍ، بَلَغَ بِالنَّسْرِ الغُرُورُ مَبْلَغَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ لِلطُّيُورِ أَنَّهُ لا يَهَابُ المَوْتَ وَأَنَّهُ سَيِّدُ الأَعْمَاقِ كَمَا هُوَ سَيِّدُ الآفَاقِ. حَلَّقَ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، ثُمَّ هَوَى كَالنَّيْزَكِ نَحْوُ مُنْتَصَفِ النَّهْرِ حَيْثُ التَّيَّارَاتُ الغَادِرَةُ، وَانْقَضَّ عَلَى سَمَكَةٍ ضَخْمَةٍ لَمْ تَرَ العَيْنُ مِثْلَهَا. نَشِبَتْ مَخَالِبُهُ فِي جِلْدِهَا الصَّلْبِ، وَلَكِنَّ السَّمَكَةَ كَانَتْ عِمْلَاقَةً، فَجَرَّتْهُ إِلَى الأَسْفَلِ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ. حَاوَلَ النَّسْرُ الإِقْلَاعَ، لَكِنَّ رِيشَهُ كَانَ قَدِ ابْتَلَّ، وَثَقُلَ جَنَاحَاهُ، وَخَانَتْهُ قُوَّتُهُ الَّتِي طَالَمَا تَبَاهَى بِهَا. سَقَطَ النَّسْرُ فِي لُجَّةِ المَاءِ، وَبَدَأَ يَغْرَقُ وَيَتَخَبَّطُ وَالتَّيَّارُ يَسْحَبُهُ نَحْوُ الشَّلَّالاتِ الصَّخْرِيَّةِ، هُنَا تَبَدَّدَ كِبْرِيَاؤُهُ وَتَحَوَّلَ زَئِيرُهُ إِلَى صُرَاخٍ مَبْحُوحٍ: "أَنْقِذُونِي.. رُحْمَاكُمْ!".
لَمْ تَتَرَدَّدْ طُيُورُ البَلَشُونِ، فَبِإِشَارَةٍ مِنْ قَائِدِهِمْ، تَنَاسَوْا كُلَّ الإِسَاءَاتِ، وَتَشَابَكُوا بِمَنَاقِيرِهِمْ وَأَجْنِحَتِهِمْ لِيُشَكِّلُوا جِسْراً مِنَ الرَّحْمَةِ، وَخَاطَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ وَسَحَبُوهُ بِمَشَقَّةٍ إِلَى اليَابِسَةِ. اسْتَلْقَى النَّسْرُ عَلَى الرَّمْلِ ذَلِيلاً كَسِيراً، لا يَقْوَى عَلَى رَفْعِ عَيْنَيْهِ فِي وُجُوهِهِمْ. أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو رِيشٍ وَمَسَحَ عَلَى جَنَاحِهِ بِرِفْقٍ قَائِلاً: "أَرَأَيْتَ يَا بُنَيَّ؟ المَاءُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَلِكٍ وَصُعْلُوكٍ، وَلَكِنَّ القُلُوبَ النَّقِيَّةَ هِيَ مَنْ تَصْنَعُ الفَرْقَ". انْهَمَرَتْ دُمُوعُ النَّسْرِ نَدَماً، وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، هَجَرَ لَقَبَهُ القَدِيمَ، وَصَارَ يُلَقَّبُ بِـ "أَبِي جَنَاحٍ المُتَوَاضِعِ"، يَحْمِي بِمَخَالِبِهِ مَنْ كَانَ يُرْهِبُهُمْ، وَيُشَارِكُهُمُ الرِّزْقَ بِمَحَبَّةٍ، فَتَعَلَّمَ الجَمِيعُ أَنَّ هَامَةَ التَّوَاضُعِ أَعْلَى بِكَثِيرٍ مِنْ قِمَمِ الجِبَالِ الَّتِي يَسْكُنُهَا المَغْرُورُونُ.
الدروس المستفادة
1. الغرور يؤدي إلى السقوط: التكبر والغرور يعميان البصيرة ويؤديان في النهاية إلى الهزيمة والإذلال.
2. القوة مسؤولية وليست امتياز: القوة يجب أن تُستخدم لحماية الضعفاء ومساعدتهم، وليس لإذلالهم.
3. الاحترام أساس العلاقات: احترام الآخرين وحقوقهم أساس التعايش السلمي والسعيد.
4. التعاون أقوى من الفردية: العمل الجماعي والتعاون يحققان نتائج أفضل من الاعتماد على القوة الفردية.
5. المسامحة فضيلة عظيمة: مسامحة من أساء إلينا تدل على نبل الأخلاق وعظمة الروح.
6. التوبة والتغيير ممكنان: مهما كانت أخطاؤنا كبيرة، يمكننا دائماً أن نتوب ونغير من أنفسنا.
7. التواضع سر السعادة: الشخص المتواضع يكسب محبة الآخرين ويعيش في سلام مع نفسه.
8. العواقب حتمية: كل فعل له نتيجة، والسلوك السيء لا بد أن يؤدي إلى عواقب وخيمة.
9. الحكمة في القيادة: القائد الحكيم يحل المشاكل بالحكمة والصبر، وليس بالعنف أو الانتقام.
أسئلة للتفكير والمناقشة
1. ما هي الصفات السيئة التي كان يتمتع بها النسر في بداية القصة؟
2. كيف أثر سلوك النسر المغرور على البيئة والكائنات الأخرى؟
3. لماذا لم يستمع النسر لنصائح أبي ريش الحكيم في البداية؟
4. ما رأيك في قرار طيور البلشون بإنقاذ النسر رغم إساءته لهم؟
5. كيف تغير النسر بعد الحادثة؟ وما الذي جعله يدرك خطأه؟
6. لو كنت مكان أبي ريش، كيف كنت ستتعامل مع النسر المغرور؟
7. ما هي الطرق التي يمكن بها للأقوياء أن يستخدموا قوتهم لمساعدة الآخرين؟
8. هل تعرف أشخاصاً في الواقع يتصرفون مثل النسر المغرور؟ كيف يمكن التعامل معهم؟
9. ما هو الدرس الأهم الذي تعلمته من هذه القصة؟
10. كيف يمكننا أن نتجنب الوقوع في فخ الغرور والتكبر؟
11. ما رأيك في مقولة أبي ريش "لا يجب أن نرد الإساءة بالإساءة"؟
12. كيف تعتقد أن الحياة تغيرت على شاطئ النهر بعد تغير النسر؟