بَطُّوطَةَ الصَّغِيرَةِ وَدَرْسُ الطَّاعَةِ

بَطُّوطَةَ الصَّغِيرَةِ وَدَرْسُ الطَّاعَةِ

بَطُّوطَةَ الصَّغِيرَةِ وَدَرْسُ الطَّاعَةِ

فِي بُحَيْرَةٍ رَقْرَاقَةٍ تَنْعَكِسُ عَلَى صَفْحَتِهَا زُرْقَةُ السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، وَتَحُفُّهَا أَعْوَادُ الْقَصَبِ الْخَضْرَاءِ التِي تَتَمَايَلُ مَعَ نَسَمَاتِ الصَّبَاحِ، كَانَتْ تَعِيشُ عَائِلَةٌ مِنَ الْبَطِّ فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ. كَانَ الأَبُ "أَبُو بَطَّةَ" يَمْتَازُ بِالرَّزَانَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَالأُمُّ "أُمُّ بَطَّةَ" تفيضُ رِقَّةً وَحَنَانًا، وَلَدَيْهِمَا ثَلَاثَةُ فِرَاخٍ صِغَارٍ: "بَطُّوطٌ" وَ"بَطِيطٌ" وَالصَّغِيرَةُ "بَطُّوطَةُ". كَانَتْ بَطُّوطَةُ أَكْثَرَ إِخْوَتِهَا مَرَحًا وَنَشَاطًا، تَقْفِزُ هُنَا وَهُنَاكَ وَتُحَاوِلُ اكْتِشَافَ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهَا لِلأَسَفِ كَانَتْ تَمْتَلِكُ رَأْسًا عَنِيدًا، وَتَظُنُّ أَنَّ تَوْجِيهَاتِ وَالِدَيْهَا مَا هِيَ إِلَّا قُيُودٌ تَمْنَعُهَا مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِجَمَالِ الْحَيَاةِ.

فِي كُلِّ إِشْرَاقَةِ شَمْسٍ، كَانَتِ الأُمُّ تَجْمَعُ صِغَارَهَا حَوْلَهَا قَبْلَ الانْطِلَاقِ فِي مِيَاهِ الْبُحَيْرَةِ، وَتَقُولُ لَهُمْ بِصَوْتٍ مَمْلُوءٍ بِالرِّعَايَةِ: "يَا فِلْذَاتِ كَبِدِي، الْبُحَيْرَةُ جَمِيلَةٌ لَكِنَّهَا تَخْبِئُ مَخَاطِرَ لَا تَعْرِفُونَهَا، اِسْبَحُوا بِقُرْبِي دَائِمًا، وَإِيَّاكُمْ وَالاِقْتِرَابَ مِنَ الصُّخُورِ الْكَبِيرَةِ حَيْثُ تَعْمُقُ الْمِيَاهُ وَتَشْتَدُّ التَّيَّارَاتُ الغَادِرَةُ". كَانَ بَطُّوطٌ وَبَطِيطٌ يَحْنِيَانِ رَأْسَيْهِمَا بِاحْتِرَامٍ قَائِلَيْنِ: "سَمْعًا وَطَاعَةً يَا أُمَّنَا الْغَالِيَةَ"، أَمَّا بَطُّوطَةُ فَكَانَتْ تَنْفُخُ رِيشَهَا الصَّغِيرَ وَتَهْمِسُ فِي نَفْسِهَا: "إِنَّ أُمِّي تُبَالِغُ كَثِيرًا، أَنَا قَوِيَّةٌ وَسَرِيعَةٌ وَلَا أَخْشَى شَيْئًا". وَكَانَ الأَبُ يُضِيفُ مُحَذِّرًا: "وَلَا تَنْسَوْا أَنَّ الثَّعْلَبَ الْمَاكِرَ يَتَرَبَّصُ بَيْنَ الشُّجَيْرَاتِ الْكَثِيفَةِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ظِلًّا غَرِيبًا فَاصْرُخُوا وَعُودُوا إِلَيَّ مُسْرِعِينَ". هُنَا أَيْضًا كَانَتْ بَطُّوطَةُ تَبْتَسِمُ بِغُرُورٍ قَائِلَةً لِإِخْوَتِهَا: "أَبِي يَتَحَدَّثُ وَكَأَنَّنَا لَا نَمْلِكُ عُقُولًا، أَنَا أَسْرَعُ مِنَ الثَّعْلَبِ بِمَرَاحِلَ!".

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ رَبِيعِيٍّ بَدِيعٍ، بَيْنَمَا كَانَتِ الأُسْرَةُ تَمْرَحُ فِي الْمِيَاهِ الضَّحْلَةِ، شَعَرَتْ بَطُّوطَةُ بِالْمَلَلِ مِنَ السَّبَاحَةِ الدَّائِرِيَّةِ حَوْلَ أُمِّهَا، فَقَرَّرَتْ أَنْ تَخُوضَ مَغَامَرَةً بِمُفْرَدِهَا دُونَ عِلْمِ أَحَدٍ. اِنْسَلَّتْ بِهُدُوءٍ مِنْ خَلْفِ الْقَصَبِ، وَتَوَجَّهَتْ نَحْوَ تِلْكَ الصُّخُورِ الْعِمْلَاقَةِ التِي طَالَمَا حَذَّرَهَا أَبُوهَا مِنْهَا. عِنْدَمَا وَصَلَتْ، بَهَرَهَا جَمَالُ الأَسْمَاكِ الْمُلَوَّنَةِ وَالنَّبَاتَاتِ الْمَائِيَّةِ الطَّوِيلَةِ، فَقَالَتْ بِزَهْوٍ: "اُنْظُرِي يَا بَطُّوطَةُ، لَقَدْ وَصَلْتِ وَلَمْ يَحْدُثْ أَيُّ مَكْرُوهٍ، الْكِبَارُ دَائِمًا يَخَافُونَ مِنْ لَا شَيْءٍ!". وَلَكِنْ، مَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ؛ فَقَدْ جَذَبَهَا تَيَّارٌ مَائِيٌّ خَفِيٌّ بِقُوَّةٍ نَحْوَ الأَعْمَاقِ، وَأَحَسَّتْ بِرِجْلَيْهَا الصَّغِيرَتَيْنِ تَعْجِزَانِ عَنْ مُقَاوَمَةِ دَفْعِ الْمَاءِ. بَدَأَتْ تَرْتَبِكُ وَتَضْطَرِبُ، وَكُلَّمَا حَاوَلَتِ النَّجَاةَ كَانَ الْمَاءُ يَسْحَبُهَا أَكْثَرَ. صَرَخَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: "النَّجْدَةُ! النَّجْدَةُ! أَنْقِذُونِي!".

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْعَصِيبَةِ، ظَهَرَ الثَّعْلَبُ الْمَاكِرُ مِنْ بَيْنِ الأَغْصَانِ، وَقَدْ لَمَعَتْ عَيْنَاهُ بِمَكْرٍ حِينَ رَأَى الْفَرِيسَةَ الصَّغِيرَةَ تُصَارِعُ الْمَوْجَ. اقْتَرَبَ مِنَ الشَّاطِئِ وَنَادَاهَا بِنَبْرَةٍ خَادِعَةٍ: "لَا تَقْلَقِي أَيَّتُهَا الْبَطَّةُ الْجَمِيلَةُ، اِقْتَرِبِي مِنِّي وَسَأَمُدُّ لَكِ يَدِي لِأُخْرِجَكِ". رَغْمَ رُعْبِهَا، تَذَكَّرَتْ بَطُّوطَةُ كَلَامَ أَبِيهَا عَنْ خِدَاعِ الثَّعْلَبِ، فَأَدْرَكَتْ أَنَّهَا بَيْنَ مِطْرَقَةِ الْغَرَقِ وَسِنْدَانِ الاِفْتِرَاسِ. صَرَخَتْ مَرَّةً أُخْرَى بِكُلِّ مَا أُوتِيَتْ مِنْ قُوَّةٍ: "يَا أَبِي! يَا أُمِّي! سَاعِدُونِي!". لَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى انْقَضَّ الأَبُ كَالسَّهْمِ فَوْقَ سَطْحِ الْمَاءِ، وَتَبِعَتْهُ الأُمُّ بِقَلَقٍ شَدِيدٍ. غَطَسَ الأَبُ بِشَجَاعَةٍ وَأَمْسَكَ بِبَطُّوطَةَ بِمِنْقَارِهِ الْقَوِيِّ رَافِعًا إِيَّاهَا فَوْقَ التَّيَّارِ، بَيْنَمَا رَأَى الثَّعْلَبُ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ خَاسِرَةٌ فَوَلَّى هَارِبًا إِلَى غَابَتِهِ.

عَادَتِ الْعَائِلَةُ إِلَى بَرِّ الأَمَانِ، وَكَانَتْ بَطُّوطَةُ تَرْتَجِفُ بَرْدًا وَنَدَمًا. اِحْتَضَنَتْهَا أُمُّهَا لِتُدْفِئَهَا، وَجَلَسَ الأَبُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ الْحَكِيمَتَيْنِ. بَكَتْ بَطُّوطَةُ مَرِيرًا وَقَالَتْ: "سَامِحُونِي يَا وَالِدَيَّ، لَقَدْ كُنْتُ مَغْرُورَةً وَظَنَنْتُ أَنَّنِي أَعْرِفُ مَصْلَحَتِي أَكْثَرَ مِنْكُمَا، لَوْلَا حِكْمَتُكُمَا لَضِعْتُ لِلأَبَدِ". مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، انْقَلَبَ حَالُ بَطُّوطَةَ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ؛ فَأَصْبَحَتْ تُصْغِي لِكُلِّ كَلِمَةٍ وَتَحْرِصُ عَلَى اتِّبَاعِ النَّصَائِحِ لَيْسَ خَوْفًا بَلْ إِيمَانًا بِأَنَّ حُبَّ الْوَالِدَيْنِ هُوَ أَعْظَمُ حِمَايَةٍ. صَارَتْ بَطُّوطَةُ مِثَالًا لِلأَدَبِ وَالرَّزَانَةِ، تَنْقُلُ تَجْرِبَتَهَا لِكُلِّ فِرَاخِ الْبُحَيْرَةِ، مُعَلِّمَةً إِيَّاهُمْ أَنَّ الطَّاعَةَ هِيَ سِرُّ النَّجَاةِ، وَأَنَّ خِبْرَةَ مَنْ سَبَقُونَا فِي الْحَيَاةِ هِيَ الْمِصْبَاحُ الذِي يُنِيرُ لَنَا دُرُوبَ الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ عَنَاءٍ أَوْ خَطَرٍ.


الدروس المستفادة

1. الطاعة حماية وليس تقييد: توجيهات الوالدين تأتي من حبهم وخبرتهم، وهدفها حمايتنا من المخاطر.

2. التجربة أستاذ قاسٍ: أحياناً نتعلم الدروس بالطريقة الصعبة، لكن من الأفضل أن نتعلم من نصائح الكبار.

3. الغرور يؤدي للخطر: عندما نظن أننا نعرف أكثر من الكبار، قد نقع في مشاكل كبيرة.

4. الاعتراف بالخطأ شجاعة: بطوطة اعترفت بخطئها وهذا ساعدها على التغيير.

5. التغيير الحقيقي ممكن: يمكن للإنسان أن يغير سلوكه عندما يدرك خطأه.

6. الحب يتجلى في الحماية: حب الوالدين يظهر من خلال حرصهم على سلامة أطفالهم.

7. الطاعة تجلب السعادة: عندما نطيع والدينا، نشعر بالأمان والسعادة ونكسب حبهم وفخرهم.

8. تعلم من أخطاء الآخرين: يمكننا أن نتعلم من تجارب الآخرين دون أن نمر بنفس المشاكل.


أسئلة للتفكير والمناقشة

1. لماذا كانت بطوطة لا تستمع لنصائح والديها في البداية؟

2. ما هي المخاطر التي واجهتها بطوطة عندما خالفت توجيهات والديها؟

3. كيف تغيرت مشاعر بطوطة تجاه طاعة والديها بعد الحادثة؟

4. ما رأيك في رد فعل الوالدين عندما أنقذا بطوطة؟ هل كان مناسباً؟

5. لو كنت مكان بطوطة، هل كنت ستتخذ نفس القرار بالذهاب للمنطقة المحظورة؟

6. كيف يمكن للوالدين أن يشرحا لأطفالهما أهمية الطاعة دون إجبار؟

7. ما هي النصائح التي يعطيها لك والداك والتي تشعر أنها مهمة؟

8. هل تعتقد أن بطوطة ستعود لعادتها القديمة أم أنها تغيرت حقاً؟

9. كيف يمكن أن تساعد أصدقاءك ليفهموا أهمية طاعة الوالدين؟

10. ما هو الدرس الأهم الذي تعلمته من هذه القصة؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم