الأرنوب الكسول

الأرنوب الكسول

الأرنوب الكسول

فِي قَلْبِ غَابَةٍ غَنَّاءَ، تَلْتَفُّ أَشْجَارُهَا كَالْعِمَامَاتِ الْخَضْرَاءِ، وَتَنْسَابُ جَدَاوِلُهَا بِصَفَاءٍ يَعْكِسُ زُرْقَةَ السَّمَاءِ، كَانَ يَعِيشُ أَرْنَبٌ صَغِيرٌ يُدْعَى "أَرْنُوبُ". كَانَ أَرْنُوبُ يَمْتَلِكُ فَرْواً نَاعِماً كَالْقُطْنِ، وَعَيْنَيْنِ تَشِعَّانِ بِالذَّكَاءِ، لَكِنَّ هَذَا الذَّكَاءَ كَانَ مَدْفُوناً تَحْتَ رُكَامٍ ثَقِيلٍ مِنَ الْكَسَلِ الَّذِي اسْتَحْوَذَ عَلَى رُوحِهِ. كَانَ يَقْضِي جُلَّ يَوْمِهِ مُسْتَلْقِياً عَلَى ظَهْرِهِ، يُرَاقِبُ السُّحُبَ وَهِيَ تَمُرُّ، أَوْ غَارِقاً فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ حَتَّى تَتَوَسَّطَ الشَّمْسُ كَبِدَ السَّمَاءِ، بَيْنَمَا كَانَتْ سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ تَهْرَعُ فِي نَشَاطٍ لِتَأْمِينِ مَعِيشَتِهَا.

عِنْدَمَا أَذِنَ الصَّيْفُ بِالرَّحِيلِ وَبَدَأَتْ نَسَمَاتُ الْخَرِيفِ الْبَارِدَةُ تُلَاحِقُ أَوْرَاقَ الشَّجَرِ، أَقْبَلَتْ أُمُّهُ تَنْصَحُهُ بِقَلْبٍ يَمْلَؤُهُ الْخَوْفُ عَلَيْهِ قَائِلَةً: "يَا بُنَيَّ، إِنَّ الشِّتَاءَ ضَيْفٌ ثَقِيلٌ لَا يَرْحَمُ الْغَافِلِينَ، فَاهْبِطْ إِلَى الْحُقُولِ وَاجْمَعْ مَا تَيسَّرَ مِنَ الْجَزَرِ وَالْخَسِّ، وَادَّخِرْهُ فِي مَخْزَنِكَ لِيَوْمٍ عَصِيبٍ". فَمَا كَانَ مِنْ أَرْنُوبَ إِلَّا أَنْ تَثَاءَبَ بِتَمَطٍّ وَقَالَ: "يَا أُمَّاهُ، مَا زَالَتِ الشَّمْسُ دَافِئَةً، وَالْأَرْضُ مَلِيئَةً بِالْخَيْرَاتِ، فَلِمَ الْعَجَلَةُ؟ سَأَفْعَلُ ذَلِكَ غَداً". وَتَكَرَّرَ هَذَا "الْغَدُ" حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَرْنُوبُ يَوْماً عَلَى صَوْتِ الرِّيَاحِ الْعَاتِيَةِ وَقَدْ غَطَّتِ الثُّلُوجُ مَعَالِمَ الْغَابَةِ، فَوَجَدَ نَفْسَهُ خَاوِيَ الْوِفَاضِ، يَرْتَجِفُ جُوعاً، مُضْطَرّاً لِلنَّبْشِ بَيْنَ الصَّقِيعِ عَنْ بَقَايَا جُذُورٍ يَبِسَتْ، فَعَاشَ شِتَاءً قَاسِياً ذَاقَ فِيهِ مَرارَةَ الْحِرْمَانِ.

وَمَا إِنْ حَلَّ الرَّبِيعُ بِأَزْهَارِهِ، حَتَّى جَاءَتْهُ نَصِيحَةٌ أُخْرَى بِتَرْمِيمِ جُحْرِهِ قَبْلَ مَوْسِمِ الْأَمْطَارِ الْغَزِيرَةِ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "لَقَدْ نَجَوْتُ مِنَ الشِّتَاءِ، فَلَا بُدَّ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَكُونُ سَهْلاً". وَظَلَّ يُسَوِّفُ وَيُؤَجِّلُ، مُسْتَمْتِعاً بِاللَّعْبِ مَعَ الْفَرَاشَاتِ، حَتَّى انْهَمَرَتِ السَّمَاءُ بِمَطَرٍ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ، فَغَرِقَ مَسْكَنُهُ بِالطِّينِ وَالْوَحْلِ، وَبَاتَ لَيْلَتَهُ مُشَرَّداً بَيْنَ أَغْصَانِ الشَّجَرِ، تَنْهَشُ الرَّعْدَةُ أَطْرَافَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ بِحَسْرَةٍ إِلَى أَقْرَانِهِ وَهُمْ يَنْعَمُونَ بِالدِّفْءِ فِي بُيُوتِهِمُ الْمُحْصَنَةِ.

وَلَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ زَادَ عِنَادُهُ حِينَ دَعَاهُ الْأَرْنَبُ الْحَكِيمُ "أَبُو رَشِيدٍ" لِيَتَعَلَّمَ فُنُونَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّبَاتَاتِ، فَاسْتَكْبَرَ أَرْنُوبُ وَظَنَّ أَنَّ فِطْرَتَهُ تَكْفِيهِ، فَلَمْ يَحْضُرْ مَجَالِسَ الْعِلْمِ. وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، دَفَعَهُ الْجُوعُ لِأَكْلِ عُشْبَةٍ زَاهِيَةِ اللَّوْنِ خَدَعَهُ مَنْظَرُهَا، فَكَانَتْ سَمّاً زُعَافاً أَوْرَثَهُ مَرَضاً أَلِيمَا، أَلْزَمَهُ الْفِرَاشَ أَيَّاماً طَوِيلَةً يَتَأَوَّهُ مِنَ الْوَجَعِ، وَلَوْلَا لُطْفُ اللَّهِ وَعِنَايَةُ جِيرَانِهِ لَكَانَ مِنَ الْهَالِكِينَ.

حِينَهَا، وَبَعْدَ أَنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الْجُوعِ وَالتَّشْرِيدِ وَالْمَرَضِ، جَلَسَ أَرْنُوبُ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةِ بَلُّوطٍ عَتِيقَةٍ، وَانْفَجَرَ بَاكِياً بُكَاءً يُمَزِّقُ الصَّدْرَ، فَدَنَتْ مِنْهُ السِّجَابَةُ الْحَكِيمَةُ "لُبْنَى" وَرَبَتَتْ عَلَى كَتِفِهِ قَائِلَةً بِلُطْفٍ: "لِمَاذَا هَذِهِ الدُّمُوعُ يَا صَغِيرِي؟" فَأَجَابَهَا وَصَوْتُهُ يَتَهَدَّجُ مِنَ النَّدَمِ: "لَقَدْ أَضَعْتُ حَيَاتِي فِي اللَّهْوِ، وَكَرَّرْتُ خَطَئِي مِرَاراً حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ لَا أَمَلَ فِيَّ". فَقَالَتْ لَهُ لُبْنَى بِيَقِينٍ: "اسْمَعْ يَا أَرْنُوبُ، إِنَّ الَّذِي يَسْقُطُ لَا يُعَابُ عَلَى سُقُوطِهِ، بَلْ يُعَابُ عَلَى بَقَائِهِ طَرِيحاً عَلَى الْأَرْضِ. لَقَدْ تَعَلَّمْتَ الْآنَ أَقْسَى الدُّرُوسِ، وَهَذَا النَّدَمُ هُوَ بَذْرَةُ النَّجَاحِ الْقَادِمِ".

اشْتَعَلَتْ شَرَارَةُ الْعَزِيمَةِ فِي صَدْرِ أَرْنُوبَ، وَمَعَ إِشْرَاقَةِ شَمْسِ الْيَوْمِ التَّالِي، وُلِدَ أَرْنُوبٌ جَدِيدٌ. لَمْ يَعُدْ لِلْكَسَلِ مَكَانٌ فِي قَامُوسِهِ؛ فَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، وَبَدَأَ بِتَرْمِيمِ جُحْرِهِ حَتَّى جَعَلَهُ حِصْناً مَنِيعاً، ثُمَّ انْطَلَقَ يَجْمَعُ الزَّادَ بِدِقَّةٍ وَنِظَامٍ، وَلَمْ يَفُتْهُ دَرْسٌ وَاحِدٌ مِنْ دُرُوسِ الْحَكِيمِ أَبِي رَشِيدٍ. وَبِمُرُورِ الْأَيَّامِ، تَبَدَّلَ حَالُهُ مِنَ الضَّيَاعِ إِلَى الِاسْتِقْرَارِ، وَمِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ. وَحِينَ جَاءَ الشِّتَاءُ التَّالِي، كَانَ أَرْنُوبُ يَجْلِسُ فِي مَسْكَنِهِ الدَّافِئِ، يُحِيطُ بِهِ جَنَى يَدَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ اللَّذِيذِ، وَقَلْبُهُ يَفِيضُ بِسَعَادَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا قَطُّ، لَقَدْ أَدْرَكَ أَخِيراً أَنَّ لَذَّةَ الْإِنْجَازِ تَفُوقُ رَاحَةَ الْخُمُولِ بِآلَافِ الْمَرَّاتِ، وَصَارَ قِصَّةً تُرْوَى لِلْأَجْيَالِ عَنِ الْأَرْنَبِ الَّذِي هَزَمَ نَفْسَهُ لِيَنْتَصِرَ لِحَيَاتِهِ.


الدروس المستفادة

1. الخطأ طبيعي لكن التكرار خطير: من الطبيعي أن نخطئ، لكن المشكلة تكمن في عدم التعلم من أخطائنا وتكرارها.

2. الكسل يجلب المشاكل: التأجيل والكسل قد يبدوان مريحين، لكنهما يؤديان إلى مشاكل أكبر في المستقبل.

3. التغيير ممكن في أي وقت: مهما كانت أخطاؤنا كثيرة، يمكننا دائماً أن نقرر التغيير ونبدأ من جديد.

4. الصبر والمثابرة مفتاح النجاح: التغيير الحقيقي يحتاج وقت وجهد، لكن النتائج تستحق العناء.

5. التعلم من الآخرين مهم: الاستماع للنصائح والتعلم من ذوي الخبرة يوفر علينا أخطاء كثيرة.

6. العمل يجلب السعادة: العمل المثمر والإنجاز يحققان سعادة حقيقية أكثر من الكسل والخمول.

7. المساعدة متاحة للجادّين: عندما نظهر جدية في التغيير، سيساعدنا الآخرون ويشجعوننا.


أسئلة للتفكير والمناقشة

1. ما هي الأخطاء الثلاثة التي ارتكبها أرنوب؟ وما النتائج التي واجهها؟

2. لماذا استمر أرنوب في ارتكاب الأخطاء رغم النصائح التي تلقاها؟

3. ما هي اللحظة التي قرر فيها أرنوب التغيير؟ وماذا جعله يتخذ هذا القرار؟

4. هل تعتقد أن أرنوب كان بإمكانه تجنب كل هذه المشاكل؟ كيف؟

5. ما هي الأخطاء التي ارتكبتها في حياتك وتعلمت منها؟

6. كيف يمكننا أن نساعد أصدقاءنا عندما نراهم يكررون نفس الأخطاء؟

7. ما رأيك في دور السنجابة لبنى في مساعدة أرنوب؟

8. لو كنت مكان أرنوب، في أي مرحلة كنت ستقرر التغيير؟

9. كيف تعتقد أن أرنوب شعر عندما رأى نتائج تغييره الإيجابية؟

10. ما هي النصيحة التي تود أن تقدمها لشخص يكرر نفس الأخطاء؟



إرسال تعليق

أحدث أقدم