نورة وسحر الرسم على الرمل

نُورَةُ وَسِحْرُ الرَّسْمِ عَلَى الرَّمْلِ

نُورَةُ وَسِحْرُ الرَّسْمِ عَلَى الرَّمْلِ

كَانَتِ الطِّفْلَةُ نُورَةُ تَعِيشُ فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ أَبْيَضَ، يَقَعُ عَلَى رَبْوَةٍ تُطِلُّ عَلَى بَحْرٍ وَاسِعٍ لَا تَنْتَهِي زُرْقَتُهُ. فِي كُلِّ صَبَاحٍ، كَانَتْ نُورَةُ تَسْتَيْقِظُ عَلَى رَائِحَةِ الْبَحْرِ الْمَنْعِشَةِ وَتَرْنِيمَةِ الْأَمْوَاجِ الَّتِي تُدَاعِبُ الشَّاطِئَ فِي لَحْنٍ هَادِئٍ وَمُسْتَمِرٍّ. لَمْ تَكُنْ نُورَةُ طِفْلَةً عَادِيَّةً، بَلْ كَانَتْ فَنَّانَةً صَغِيرَةً تَرَى فِي الْعَالَمِ لَوْحَةً كَبِيرَةً تَنْتَظِرُ أَلْوَانَهَا. كَانَ مَرْسَمُهَا الْمُفَضَّلُ هُوَ ذَلِكَ الشَّاطِئَ الذَّهَبِيَّ الْمُمْتَدَّ، وَأَدَاتُهَا السِّحْرِيَّةُ لَيْسَتْ رِيشَةً أَوْ قَلَمًا، بَلْ هِيَ أَصَابِعُهَا الصَّغِيرَةُ وَعَصًا خَشَبِيَّةٌ جَمَعَتْهَا مِنْ بَقَايَا الْأَشْجَارِ الَّتِي قَذَفَهَا الْمَوْجُ.

كُلَّ يَوْمٍ، كَانَتْ نُورَةُ تَرْكُضُ حَافِيَةَ الْقَدَمَيْنِ نَحْوَ الرَّمْلِ الْمَبْلُولِ، حَيْثُ تَتْرُكُ لِخَيَالِهَا الْعَنَانَ. فَتَرَةً تَرْسُمُ قِطَّةً صَغِيرَةً تَمْرَحُ بَيْنَ الْأَعْشَابِ، وَتَارَةً تَرْسُمُ عُصْفُورًا بَدِيعًا بَدَا وَكَأَنَّهُ سَيُحَلِّقُ مِنَ الْأَرْضِ نَحْوَ السَّمَاءِ. وَمَا كَانَ يُثِيرُ إِعْجَابَ كُلِّ مَنْ يَرَاهَا هُوَ إِصْرَارُهَا عَلَى كِتَابَةِ اسْمِهَا "نُورَةُ" بِحُرُوفٍ عَرِيضَةٍ وَمُزَخْرَفَةٍ، تَجْعَلُ الشَّمْسَ عِنْدَمَا تَتَعَامَدُ عَلَيْهَا تُحَوِّلُ الْحُفَرَ الصَّغِيرَةَ إِلَى خُطُوطٍ مِنَ الضَّوْءِ تَلْمَعُ كَالذَّهَبِ الْخَالِصِ. وَرَغْمَ أَنَّ مَدَّ الْبَحْرِ كَانَ يَأْتِي كُلَّ مَسَاءٍ لِيَمْحُوَ مَا أَبْدَعَتْهُ، إِلَّا أَنَّ نُورَةَ كَانَتْ تَبْتَسِمُ لِلْمَوْجِ وَتَقُولُ فِي نَفْسِهَا: "شُكْرًا أَيُّهَا الْبَحْرُ، لَقَدْ نَظَّفْتَ لِي لَوْحَتِي لِأَرْسُمَ عَلَيْهَا شَيْئًا أَجْمَلَ غَدًا".

فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، قَرَّرَتِ الْأُمُّ أَنْ تَأْخُذَ نُورَةَ فِي رِحْلَةٍ إِلَى حَدِيقَةِ الْحَيَوَانِ الْكَبِيرَةِ. كَانَتِ الرِّحْلَةُ مَلِيئَةً بِالْمُفَاجَآتِ، فَقَدْ رَأَتِ الْقِرَدَةَ وَهِيَ تَقْفِزُ بَيْنَ الْأَغْصَانِ بِرَشَاقَةٍ، وَالزَّرَافَةَ وَهِيَ تَمُدُّ عُنُقَهَا الطَّوِيلَ لِتَأْكُلَ أَوْرَاقَ الشَّجَرِ الْعَالِيَةَ. وَلَكِنْ، عِنْدَمَا وَقَفَتْ أَمَامَ حَظِيرَةِ الْفِيلِ، تَسَمَّرَتْ قَدَمَاهَا مِنَ الذُّهُولِ. كَانَ الْفِيلُ كَائِنًا عَظِيمًا، بِأُذُنَيْنِ تُشْبِهَانِ أَجْنِحَةَ الْفَرَاشَاتِ الْعِمْلَاقَةِ، وَخُرْطُومٍ قَوِيٍّ يَتَحَرَّكُ بِكُلِّ اتِّجَاهٍ، وَجِلْدٍ رَمَادِيٍّ مَلِيءٍ بِالتَّفَاصِيلِ. ظَلَّتْ نُورَةُ تُحَمْلِقُ فِيهِ طَوِيلًا، وَقَدِ انْطَبَعَتْ صُورَتُهُ فِي خَيَالِهَا كَمَا لَمْ تَنْطَبِعْ صُورَةٌ مِنْ قَبْلُ.

عِنْدَمَا عَادَتْ نُورَةُ إِلَى الْبَيْتِ، لَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ إِلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ: كَيْفَ سَتَنْقُلُ هَذِا الْجَمَالَ إِلَى شَاطِئِهَا؟ وَفِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، حَمَلَتْ عَصَاهَا الطَّوِيلَةَ وَانْطَلَقَتْ نَحْوَ الرَّمْلِ. بَدَأَتْ تَرْسُمُ بِحَمَاسٍ مُنْقَطِعِ النَّظِيرِ، فَرَسمَتْ أُذُنًا كَبِيرَةً، ثُمَّ الرَّأْسَ، ثُمَّ بَدَأَتْ تَمُدُّ الْخُرْطُومَ. مَشَتْ خُطُوَاتٍ كَثِيرَةً وَهِيَ تَجُرُّ الْعَصَا لِيَكُونَ الْخُرْطُومُ طَوِيلًا كَمَا رَأَتْهُ، وَلَكِنَّهَا فَجْأَةً وَجَدَتْ نَفْسَهَا تَقِفُ عِنْدَ حَافَةِ الْمَاءِ، وَمَا زَالَتِ الرَّسْمَةُ نَاقِصَةً! حَاوَلَتْ أَنْ تُصَغِّرَ الْحَجْمَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى، لَكِنَّ الرَّمْلَ لَمْ يَكُنْ يَسَعُ كُلَّ ذَلِكَ الطُّمُوحِ الَّذِي فِي رَأْسِهَا. شَعَرَتْ نُورَةُ بِضِيقٍ شَدِيدٍ، وَجَلَسَتْ عَلَى الرَّمْلِ تَنْظُرُ إِلَى خُطُوطِهَا الْمُبَعْثَرَةِ بِيَأْسٍ، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ مَرْسَمَهَا الْعَزِيزَ قَدْ خَذَلَهَا.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَقْبَلَتِ الْأُمُّ الْحَكِيمَةُ وَهِيَ تَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهَا سِرَّ السَّعَادَةِ الْجَدِيدِ. كَانَتْ تَمْسِكُ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الْأَوْرَاقِ الْبَيْضَاءِ النَّاصِعَةِ وَعُلْبَةِ أَلْوَانٍ مَائِيَّةٍ تَشِعُّ بِأَلْوَانِ الطَّيْفِ. جَلَسَتِ الْأُمُّ بِجَانِبِ نُورَةَ، وَرَبَّتَتْ عَلَى كَتِفِهَا قَائِلَةً: "يَا نُورَةُ، لَقَدْ كَانَ خُرْطُومُ فِيلِكِ رَائِعًا، وَلَكِنَّ الْإِبْدَاعَ لَا يَسْكُنُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. انْظُرِي إِلَى هَذِهِ الْأَوْرَاقِ، إِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَنْ تَحْمِلَ رَسْمَتَكِ، وَالْأَجْمَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا سَتَحْفَظُ لَكِ فِيلَكِ لِلْأَبَدِ، فَلَنْ يَقْدِرَ الْمَوْجُ عَلَى مُنَافَسَتِكِ فِيهَا".

نَظَرَتْ نُورَةُ إِلَى الْأَلْوَانِ بِتَرَدُّدٍ، فَقَدْ كَانَتْ تَعْشَقُ مَلْمَسَ الرَّمْلِ بَيْنَ أَصَابِعِهَا، لَكِنَّ فِكْرَةَ أَنْ يَبْقَى فِيلُهَا مَعَهَا جَعَلَتْ قَلْبَهَا يَدُقُّ فَرَحًا. غَمَسَتِ الرِّيشَةَ فِي اللَّوْنِ الرَّمَادِيِّ، وَبَدَأَتْ تَرْسُمُ عَلَى الْوَرَقَةِ. كَانَ الْأَمْرُ مُخْتَلِفًا وَمُدْهِشًا، فَقَدِ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَرْسُمَ الْعَيْنَيْنِ الصَّغِيرَتَيْنِ بِدِقَّةٍ، وَأَنْ تُضِيفَ لِلْفِيلِ مَلَامِحَ ضَاحِكَةً. وَفِي زَاوِيَةِ الْوَرَقَةِ، رَسَمَتْ نَفْسَهَا وَهِيَ تُمْسِكُ بِخُرْطُومِ الْفِيلِ، وَكَأَنَّهُمَا صَدِيقَانِ قَدِيمَانِ.

عِنْدَمَا انْتَهَتْ نُورَةُ، رَفَعَتِ الْوَرَقَةَ عَالِيًا لِتُجَفِّفَهَا نَسَمَاتُ الْبَحْرِ. لَقَدْ أَدْرَكَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الْفَنَّ لَا حُدُودَ لَهُ، وَأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فَنَّانَةَ الرَّمْلِ وَفَنَّانَةَ الْوَرَقِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. بَقِيَ الشَّاطِئُ مَلْعَبَهَا الْأَوَّلَ، لَكِنَّ غُرْفَتَهَا امْتَلَأَتْ بِاللَّوْحَاتِ الَّتِي تَحْكِي قِصَصَ مُغَامَرَاتِهَا، وَظَلَّتْ نُورَةُ تَرْسُمُ وَتَبْتَكِرُ، مُؤْمِنَةً بِأَنَّ مَوْهِبَتَهَا هِيَ السِّحْرُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي لَا يَمْحُوهُ مَوْجٌ وَلَا يَحُدُّهُ مَكَانٌ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم