كليلة و دمنة 07-3 الشريكُ المحتالُ
كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي بِلَادٍ بَعِيدَةٍ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلَانِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِكَا فِي تِجَارَةٍ وَاحِدَةٍ. كَانَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ طَيِّبَ الْقَلْبِ، سَلِيمَ النِّيَّةِ، يَثِقُ فِي النَّاسِ بِسُهُولَةٍ، فَيُسَمِّيهِ الْبَعْضُ "الْغَفْلَ" لِبَسَاطَتِهِ. أَمَّا الرَّجُلُ الثَّانِي، فَقَدْ كَانَ ذَكِيًّا لَكِنَّهُ خَادِعٌ وَمُحْتَالٌ، يُفَكِّرُ دَائِمًا كَيْفَ يَأْخُذُ حَقَّ غَيْرِهِ بَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ.سَافَرَ الشَّرِيكَانِ لِتَبَادُلِ الْبَضَائِعِ، وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمَا إِلَى دِيَارِهِمَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ، عَثَرَ الْمُحْتَالُ عَلَى كِيسٍ كَبِيرٍ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ. فَتَحَ الْكِيسَ بِلَهْفَةٍ، فَإِذَا هُوَ مَمْلُوءٌ بِدَنَانِيرِ الذَّهَبِ اللَّامِعَةِ، وَبَعْدَ عَدِّهَا وَجَدَا فِيهِ أَلْفَ دِينَارٍ. فَرِحَ الرَّجُلُ الطَّيِّبُ وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَقَدْ رَزَقَنَا اللَّهُ هَذَا الْمَالَ، فَلْنَقْتَسِمْهُ نِصْفَيْنِ، خُذْ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ وَأَعْطِنِي خَمْسَمِائَةٍ".
لَكِنَّ الطَّمَعَ مَلَأَ قَلْبَ الْمُحْتَالِ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْأَلْفَ دِينَارٍ كُلَّهَا لِنَفْسِهِ. رَسَمَ ابْتِسَامَةً مُزَيَّفَةً وَقَالَ لِشَرِيكِهِ: "يَا صَدِيقِي، إِنَّ تَوْزِيعَ الْمَالِ الْآنَ سَيَجْعَلُنَا نَنْفَصِلُ وَتَنْتَهِي شَرِكَتُنَا الْجَمِيلَةُ. عِنْدِي فِكْرَةٌ أَفْضَلُ، لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مَبْلَغًا صَغِيرًا، مِائَةَ دِينَارٍ مَثَلًا، لِيَقْضِيَ بِهَا حَاجَتَهُ، وَنَدْفِنُ الْبَاقِيَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الضَّخْمَةِ، فَهِيَ مَكَانٌ آمِنٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، وَكُلَّمَا احْتَجْنَا لِلْمَالِ جِئْنَا مَعًا وَأَخَذْنَا مَا نُرِيدُ". وَافَقَ الرَّجُلُ السَّاذَجُ عَلَى اقْتِرَاحِ صَاحِبِهِ، وَبِالْفِعْلِ دَفَنَا الْمَالَ وَعَادَا إِلَى بَيْتِهِمَا.
وَمَا إِنْ حَلَّ الظَّلَامُ، حَتَّى تَسَلَّلَ الْمُحْتَالُ وَحْدَهُ إِلَى الشَّجَرَةِ، وَحَفَرَ الْأَرْضَ وَأَخَذَ كُلَّ الدَّنَانِيرِ وَعَادَ مُسْرِعًا دُونَ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ. وَبَعْدَ مُرُورِ شَهْرٍ، احْتَاجَ الرَّجُلُ الطَّيِّبُ إِلَى بَعْضِ الْمَالِ، فَذَهَبَ إِلَى شَرِيكِهِ وَقَالَ لَهُ: "هَيَّا بِنَا إِلَى الشَّجَرَةِ لِنَأْخُذَ نَصِيبَنَا". وَعِنْدَمَا وَصَلَا وَحَفَرَا، صُدِمَ الرَّجُلُ الطَّيِّبُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا! أَمَّا الْمُحْتَالُ، فَقَدْ بَدَأَ يَمْثُلُ وَيَصْرُخُ وَيَلْطِمُ وَجْهَهُ صَائِحًا: "أَنْتَ السَّارِقُ! لَقَدْ جِئْتَ وَسَرَقْتَ الْمَالَ وَحْدَكَ!".
تَطَوَّرَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا حَتَّى وَصَلَا إِلَى الْقَاضِي. ادَّعَى الْمُحْتَالُ أَنَّ شَرِيكَهُ هُوَ مَنْ خَانَ الْأَمَانَةَ، فَسَأَلَهُ الْقَاضِي: "هَلْ لَدَيْكَ شَاهِدٌ عَلَى مَا تَقُولُ؟". أَجَابَ الْمُحْتَالُ بِمَكْرٍ: "نَعَمْ، إِنَّهَا الشَّجَرَةُ نَفْسُهَا، سَوْفَ تَشْهَدُ لِي لِأَنَّهَا رَأَتْ كُلَّ شَيْءٍ". تَعَجَّبَ الْقَاضِي مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، لَكِنَّهُ وَافَقَ عَلَى الذَّهَابِ مَعَهُمَا فِي الصَّبَاحِ.
كَانَ الْمُحْتَالُ قَدْ طَلَبَ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يَذْهَبَ لَيْلًا وَيَخْتَبِئَ دَاخْلَ تَجْوِيفِ الشَّجَرَةِ الْقَدِيمَةِ لِيُنَفِّذَ الْخُطَّةَ. وَفِي الصَّبَاحِ، وَقَفَ الْقَاضِي أَمَامَ الشَّجَرَةِ وَسَأَلَهَا بِصَوْتٍ عَالٍ: "أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ، مَنْ هُوَ الَّذِي سَرَقَ الدَّنَانِيرَ؟". فَخَرَجَ صَوْتٌ مِنَ الشَّجَرَةِ يَقُولُ: "إِنَّهُ الرَّجُلُ الْغَفْلُ، هُوَ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ!".
ارْتَابَ الْقَاضِي الذَّكِيُّ فِي الْأَمْرِ، فَلَا يُمْكِنُ لِلشَّجَرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ. فَهِمَ أَنَّ هُنَاكَ خَدِيعَةً، فَأَمَرَ حُرَّاسَهُ أَنْ يَجْمَعُوا الْحَطَبَ وَيُشْعِلُوا النَّارَ حَوْلَ الشَّجَرَةِ، قَائِلًا: "هَذِهِ شَجَرَةٌ مَسْكُونَةٌ وَيَجِبُ حَرْقُهَا حَتَّى لَا تَفْتِنَ النَّاسَ". عِنْدَمَا بَدَأَتِ النِّيرَانُ تَقْتَرِبُ وَأَحَسَّ وَالِدُ الْمُحْتَالِ بِالْحَرَارَةِ تَكَادُ تَحْرِقُهُ، صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ طَالِبًا النَّجْدَةَ وَقَفَزَ خَارِجًا.
أَمَامَ الْجَمِيعِ، اعْتَرَفَ الْأَبُ بِالْحَقِيقَةِ وَبِتَحْرِيضِ ابْنِهِ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ. غَضِبَ الْقَاضِي مِنْ مَكْرِ الْمُحْتَالِ، وَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ كُلِّ الدَّنَانِيرِ إِلَى الشَّرِيكِ الطَّيِّبِ، كَمَا أَنْزَلَ بِالْمُحْتَالِ عِقَابًا شَدِيدًا لِيَكُونَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، وَهَكَذَا عَادَ الْحَقُّ لِأَصْحَابِهِ وَانْكَشَفَتْ كِذْبَةُ الشَّرِيكِ الْخَائِنِ.
- كليلة و دمنة 09 الجرذ والغراب
- كليلة و دمنة 08 الحمامة المطوقة
- كليلة و دمنة 07-3 الشريكُ المحتالُ
- كليلة و دمنة 07-2 طائر البحر
- كليلة و دمنة 07-1 السلحفاةُ الطائرةُ
- كليلة و دمنة 06 الجمل المخدوع
- كليلة و دمنة 05 الأرنب والأسد
- كليلة و دمنة 04 محاكمة دمنة
- كليلة و دمنة 03 دمنة مجرماً
- كليلة و دمنة 02 الأسد والثور
- كليلة و دمنة 01 في خدمة الأسد