سَالِمُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ جَبَلًا

سَالِمُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ جَبَلًا

سَالِمُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ جَبَلًا


كَانَ فِي إِحْدَى الْقُرَى الْهَادِئَةِ مَدْرَسَةٌ صَغِيرَةٌ تَضُمُّ بَيْنَ جُدْرَانِهَا أَطْفَالًا مَرِحِينَ، لَكِنَّ هَذَا الْمَرَحَ كَانَ يَتَلَاشَى كُلَّمَا ظَهَرَ "سَالِمُ". لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ هَذَا، بَلْ طَغَى عَلَيْهِ لَقَبُ "جَبَلٍ" الَّذِي أَطْلَقَهُ عَلَيْهِ الصِّغَارُ لِضَخَامَةِ جُثَّتِهِ، وَطُولِ قَامَتِهِ الَّتِي كَانَتْ تَفُوقُ أَقْرَانَهُ بِكَثِيرٍ، وَقُوَّتِهِ الْبَدَنِيَّةِ الَّتِي بَدَتْ كَأَنَّهَا صَخْرَةٌ صَمَّاءُ لَا تَلِينُ. لَمْ يَكُنْ جَبَلُ يَسْتَخْدِمُ تِلْكَ الْقُوَّةَ فِي مُسَاعَدَةِ الضُّعَفَاءِ، بَلْ جَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ سُلْطَانًا جَائِرًا فِي سَاحَةِ الْمَدْرَسَةِ، يَنْتَزِعُ الْأَلْعَابَ مِنْ أَيْدِي الرِّفَاقِ، وَيَفْرِضُ رَأْيَهُ بِالصُّرَاخِ وَالتَّهْدِيدِ، فَبَاتَ الظِّلُّ الَّذِي يَخْشَاهُ الْجَمِيعُ.

فِي صَبَاحِ يَوْمٍ مُشْمِسٍ، وَعِنْدَمَا دَقَّ جَرَسُ الْفُسْحَةِ، انْدَفَعَ التَّلَامِيذُ نَحْوَ السَّاحَةِ يَرْكُضُونَ وَيَلْعَبُونَ. وَفِي زَاوِيَةٍ مَنْزَوِيَةٍ، جَلَسَ الطِّفْلُ "مَيْدُونُ"، ذَلِكَ الصَّغِيرُ الرَّقِيقُ، وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ حَقِيبَتِهِ قِطْعَةَ كَعْكٍ شَهِيَّةً صَنَعَتْهَا لَهُ أُمُّهُ بِالْعَسَلِ وَالسِّمْسِمِ. لَمْ تَمْضِ لَحَظَاتٌ حَتَّى خَيَّمَ ظِلٌّ كَبِيرٌ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَإِذَا بِـ "جَبَلٍ" يَقِفُ أَمَامَهُ شَامِخًا بِغُرُورٍ، نَاظِرًا إِلَى الْكَعْكَةِ بِعَيْنَيْنِ جَشِعَتَيْنِ. صَاحَ جَبَلُ بِصَوْتٍ أَجَشَّ يَمْلَؤُهُ الِاسْتِعْلَاءُ: "أَعْطِنِي هَذِهِ الْكَعْكَةَ فَوْرًا! إِنَّهَا لَا تَلِيقُ إِلَّا بِي". ارْتَجَفَتْ يَدَا مَيْدُونَ، وَتَسَارَعَتْ دَقَّاتُ قَلْبِهِ، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ تَسْلِيمِ طَعَامِهِ لِلْمُتَنَمِّرِ دُونَ نَبْسَةِ بِنِتِ شَفَةٍ، بَيْنَمَا كَانَ جَبَلُ يَلْتَهِمُ الْكَعْكَةَ أَمَامَهُ بِلَا مِبَالَاةٍ بِمَشَاعِرِ زَمِيلِهِ الْحَزِينِ.

حِينَ انْتَهَى الْيَوْمُ الدِّرَاسِيُّ، خَرَجَ جَبَلُ مِنْ بَوَّابَةِ الْمَدْرَسَةِ يَسِيرُ بِخُطًى ثَقِيلَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِالزَّهْوِ، كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ لِلْأَعْلَى، وَيُوَزِّعُ نَظَرَاتِ التَّخْوِيفِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً عَلَى الْأَطْفَالِ السَّائِرِينَ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمْ. وَمِنْ فَرْطِ غُرُورِهِ وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِالْأَرْضِ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْهَا، لَمْ يَلْحَظْ جُودَ حُفْرَةٍ عَمِيقَةٍ كَانَ الْعُمَّالُ قَدْ حَفَرُوهَا لِإِصْلَاحِ بَعْضِ الْأَنَابِيبِ. وَفِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ، تَعَثَّرَتْ قَدَمُهُ الضَّخْمَةُ، فَوَجَدَ نَفْسَهُ يَهْوِي فِي أَعْمَاقِ الظَّلَامِ. ارْتَطَمَ جَسَدُهُ بِقَاعِ الْحُفْرَةِ بِقُوَّةٍ، وَأُصِيبَ بِجُرْحٍ غَائِرٍ فِي ذِرَاعِهِ انْدَفَعَتْ مِنْهُ الدِّمَاءُ، فَأَحَسَّ بِأَلَمٍ لَمْ يَعْهَدْهُ مِنْ قَبْلُ.

حَاوَلَ "جَبَلُ" أَنْ يَنْهَضَ، فَتَشَبَّثَ بِجُدْرَانِ الْحُفْرَةِ التُّرَابِيَّةِ لِيَتَسَلَّقَهَا، لَكِنَّ التُّرَابَ كَانَ يَنْهَارُ تَحْتَ أَنَامِلِهِ، وَجَسَدُهُ الثَّقِيلُ يَسْحَبُهُ لِلْأَسْفَلِ مَرَّةً تِلْوَ الْأُخْرَى. بَدَأَ الْخَوْفُ يَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِهِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ قُوَّتَهُ الَّتِي كَانَ يَتَفَاخَرُ بِهَا لَا تَنْفَعُهُ فِي هَذَا الْمَأْزِقِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الْيَأْسُ يُطْبِقُ عَلَيْهِ، مَرَّ مَيْدُونُ مِنَ الْمَكَانِ، فَتَوَقَّفَ مَذْعُورًا حِينَ سَمِعَ أَنِينًا قَادِمًا مِنْ جَوْفِ الْأَرْضِ. نَظَرَ مَيْدُونُ إِلَى الْأَسْفَلِ فَرَأَى جَبَلًا جَرِيحًا خَائِفًا، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَهُ جَبَلُ بِهِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ مَيْدُونُ لَحْظَةً وَاحِدَةً، بَلْ أَسْرَعَ يَنْدَهُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "يَا رِفَاقُ! هَلُمُّوا إِلَيَّ! جَبَلُ سَقَطَ فِي الْحُفْرَةِ وَهُوَ فِي خَطَرٍ!"

تَجَمَّعَ الْأَطْفَالُ سَرِيعًا، وَوَقَفُوا عَلَى حَافَّةِ الْحُفْرَةِ يَنْظُرُونَ بِدَهْشَةٍ. كَانَ جَبَلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِانْكِسَارٍ، مُتَوَقِّعًا أَنْ يَنَالُوا مِنْهُ أَوْ يَشْمَتُوا بِعَجْزِهِ، لَكِنَّ مَيْدُونَ قَادَ الْمَوْقِفَ بِحِكْمَةٍ وَقَالَ: "لَا وَقْتَ لِلْكَلَامِ، يَجِبُ أَنْ نَتَّحِدَ لِنُنْقِذَهُ. أَمْسِكُوا أَيْدِيَ بَعْضِكُمْ بَعْضًا وَلْنُشَكِّلْ سِلْسِلَةً بَشَرِيَّةً". مَدَّ الْأَطْفَالُ أَيْدِيَهُمْ، وَتَشَبَّثُوا بِبَعْضِهِمْ بِقُوَّةٍ، ثُمَّ أَدْلَوْا حَبْلًا مَتِينًا كَانَ مَوْجُودًا بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَوْقِعِ. صَرَخَ مَيْدُونُ: "امْسِكْ بِالْحَبْلِ يَا جَبَلُ، وَنَحْنُ سَنَسْحَبُكَ مَعًا!". بَدَأَ الْأَطْفَالُ بِالْجَرِّ بِكُلِّ مَا أُوتُوا مِنْ عَزِيمَةٍ، يَهْتِفُونَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: "هَيَّا.. وَاحِدٌ.. اثْنَانِ.. ثَلَاثَةٌ!". وَبِفَضْلِ تَعَاوُنِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ، ارْتَفَعَ جَبَلُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى خَرَجَ إِلَى النُّورِ مَرَّةً أُخْرَى.

سَقَطَ جَبَلُ عَلَى الْعُشْبِ مُنْهَكًا، وَبَدَأَ يَنْظُرُ إِلَى الْوُجُوهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ؛ وُجُوهٌ كَانَ يُخِيفُهَا بِالْأَمْسِ، وَإِذَا بِهَا الْيَوْمَ تَمْسَحُ عَنْهُ الْغُبَارَ وَتُضَمِّدُ جُرْحَهُ بِقِطَعٍ مِنْ مَنَادِيلِهِمْ. غَلَبَتِ الدُّمُوعُ عَيْنَيْهِ، وَشَعَرَ بِخَجَلٍ لَمْ يَشْعُرْ بِمِثْلِهِ قَطُّ. وَقَفَ بِصُعُوبَةٍ، وَنَكَسَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، ثُمَّ نَطَقَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ غَيْرِ الَّذِي كَانُوا يَعْرِفُونَهُ: "لَقَدْ كُنْتُ مَغْرُورًا بِقُوَّتِي، وَظَنَنْتُ أَنَّنِي جَبَلٌ لَا يَنْحَنِي، لَكِنَّنِي الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْجَبَلَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ قُلُوبُكُمُ الصَّافِيَةُ الَّتِي لَمْ تَتْرُكْنِي فِي مِحْنَتِي. أَنَا آسِفٌ جِدًّا عَلَى كُلِّ لَحْظَةِ أَذًى سَبَّبْتُهَا لَكُمْ، وَأَعِدُكُمْ أَنْ أَكُونَ أَخًا وَصَدِيقًا يَحْمِيكُمْ وَلَا يُؤْذِيكُمْ".

تَقَدَّمَ مَيْدُونُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى كَتِفِهِ وَابْتَسَمَ قَائِلًا: "نَحْنُ نُسَامِحُكَ يَا جَبَلُ، فَالصَّدَاقَةُ أَقْوَى مِنَ الْخِصَامِ". نَظَرَ إِلَيْهِ "جَبَلُ" وَقَدْ لَمَعَتْ عَيْنَاهُ بِنُورٍ جَدِيدٍ، وَهَزَّ رَأْسَهُ بِرِقَّةٍ قَائِلًا: "أَرْجُوكُمْ.. لَا تَدْعُونِي جَبَلًا بَعْدَ الْآنِ.. بَلْ نَادُونِي بِاسْمِي الَّذِي اشْتَقْتُ إِلَيْهِ... نَادُونِي سَالِمًا". وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، صَارَ سَالِمُ مِثَالًا لِلشَّهَامَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَعَلِمَ الْجَمِيعُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُقَاسُ بِعَضَلَاتِهِ الْمَفْتُولَةِ، بَلْ بِنَقَاءِ رُوحِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى نَشْرِ السَّلَامِ.

القيم والدروس الأخلاقية

  • الْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي اللَّطَافَةِ: الْقُوَّةُ لَيْسَتْ فِي إِيذَاءِ الْآخَرِينَ، بَلْ فِي مُسَاعَدَتِهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ.
  • التَّنَمُّرُ فِعْلٌ سَيِّئٌ: اسْتِغْلَالُ الْقُوَّةِ لِإِخَافَةِ الْآخَرِينَ هُوَ تَصَرُّفٌ خَاطِئٌ يُؤْذِي مَشَاعِرَهُمْ.
  • الْعَفْوُ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ: عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ جَبَلَ لَهُمْ، سَامَحَهُ زُمَلَاؤُهُ وَسَاعَدُوهُ عِنْدَمَا كَانَ فِي حَاجَةٍ.
  • الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَأِ: الِاعْتِذَارُ الصَّادِقُ وَالْوَعْدُ بِالتَّغْيِيرِ هُوَ أَوَّلُ خُطْوَةٍ لِإِصْلَاحِ الْعَلَاقَاتِ.

أسئلة لفهم القصة

أسئلة بسيطة

  1. لِمَاذَا كَانَ الْجَمِيعُ يُنَادُونَ سَالِمَ بِـ "جَبَلَ"؟
  2. مَاذَا أَخَذَ جَبَلُ مِنْ زَمِيلِهِ مَيْدُونَ؟
  3. أَيْنَ سَقَطَ جَبَلُ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ؟
  4. مَنْ سَاعَدَ جَبَلَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْحُفْرَةِ؟
  5. مَا هُوَ الِاسْمُ الَّذِي طَلَبَ سَالِمُ أَنْ يُنَادُوهُ بِهِ فِي النِّهَايَةِ؟

أسئلة للتفكير النقدي

  1. لِمَاذَا تَعْتَقِدُ أَنَّ مَيْدُونَ قَرَّرَ مُسَاعَدَةَ جَبَلَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهِ؟
  2. مَا الَّذِي جَعَلَ جَبَلَ يَشْعُرُ بِالْخَجَلِ وَيُقَرِّرُ التَّغْيِيرَ؟
  3. مَاذَا يَعْنِي طَلَبُ سَالِمَ أَنْ يُنَادُوهُ بِاسْمِهِ الْحَقِيقِيِّ بَدَلًا مِنْ "جَبَلَ"؟

أسئلة لربط القصة بحياتك

  1. هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا يَتَعَرَّضُ لِلتَّنَمُّرِ مِنْ قَبْلُ؟ مَاذَا فَعَلْتَ؟
  2. مَاذَا تَفْعَلُ إِذَا ارْتَكَبْتَ خَطَأً فِي حَقِّ صَدِيقٍ لَكَ؟
  3. صِفْ مَوْقِفًا عَمِلْتَ فِيهِ مَعَ أَصْدِقَائِكَ كَفَرِيقٍ لِحَلِّ مُشْكِلَةٍ.

أنشطة تفاعلية ممتعة

  • ارْسُمِ الْبَطَلَ الْحَقِيقِيَّ: ارْسُمْ صُورَتَيْنِ: الْأُولَى لِـ "جَبَلَ" وَهُوَ يَأْخُذُ الْكَعْكَةَ، وَالثَّانِيَةَ لِـ "سَالِمَ" وَهُوَ يَلْعَبُ بِسَعَادَةٍ مَعَ أَصْدِقَائِهِ الْجُدُدِ.
  • لُعْبَةُ "سَحْبِ الْحَبْلِ": الْعَبْ لُعْبَةَ شَدِّ الْحَبْلِ مَعَ أَصْدِقَائِكَ. هَذِهِ اللُّعْبَةُ تُعَلِّمُكُمْ أَهَمِّيَّةَ الْعَمَلِ كَفَرِيقٍ وَاحِدٍ لِتَحْقِيقِ الْفَوْزِ.
  • بِطَاقَةُ اعْتِذَارٍ: تَخَيَّلْ أَنَّكَ سَالِمُ. اصْنَعْ بِطَاقَةَ اعْتِذَارٍ جَمِيلَةً لِتُقَدِّمَهَا لِمَيْدُونَ وَبَاقِي الْأَصْدِقَاءِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم