الْقُنْفُذُ الْفُضُولِيُّ الَّذِي أَفْسَدَ حَفْلَتَهُ
فِي أَعْمَاقِ غَابَةٍ بَعِيدَةٍ، حَيْثُ تَتَشَابَكُ أَغْصَانُ الْأَشْجَارِ الْعِمْلَاقَةِ وَتَنْسَابُ الْجَدَاوِلُ الرَّقْرَاقَةُ بَيْنَ الصُّخُورِ، كَانَ يَعِيشُ قُنْفُذٌ صَغِيرٌ يُدْعَى "شَوْكِي". كَانَ شَوْكِي يَمْتَلِكُ قَلْبًا طَيِّبًا وَفَرْوًا مَلِيئًا بِالْأَشْوَاكِ الْحَادَّةِ، لَكِنَّ أَكْبَرَ مَشَاكِلِهِ لَمْ تَكُنْ فِي أَشْوَاكِهِ، بَلْ فِي فُضُولِهِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ حُدُودًا. كَانَ شَوْكِي يَعْتَقِدُ أَنَّ مِنْ حَقِّهِ مَعْرِفَةَ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ تَحْدُثُ فِي الْغَابَةِ، وَكَانَ يَدُسُّ أَنْفَهُ الصَّغِيرَ فِي شُؤُونِ الْآخَرِينَ بِاسْتِمْرَارٍ، مِمَّا جَعَلَ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ تَتَحَفَّظُ فِي الْحَدِيثِ أَمَامَهُ.
ذَاتَ صَبَاحٍ مُشْرِقٍ، بَيْنَمَا كَانَ شَوْكِي يَتَمَشَّى بَيْنَ زُهُورِ الْأَقْحُوَانِ، لَمَحَ صَدِيقَيْهِ الْمُقَرَّبَيْنِ؛ "أَرْنُوبَ" الْأَرْنَبَ السَّرِيعَ وَ "صَدَفَةَ" السُّلَحْفَاةَ الْحَكِيمَةَ، وَهُمَا يَقِفَانِ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةِ بَلُّوطٍ عَتِيقَةٍ. لَاحَظَ شَوْكِي أَنَّهُمَا يَتَهَامَسَانِ بِحَذَرٍ وَيَلْتَفِتَانِ حَوْلَهُمَا بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، فَاشْتَعَلَتْ نَارُ الْفُضُولِ فِي صَدْرِهِ. عِوَضًا عَنْ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِمَا التَّحِيَّةَ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ، قَرَّرَ أَنْ يَنْهَجَ طَرِيقَ التَّجَسُّسِ. انْحَنَى بِجَسَدِهِ الصَّغِيرِ وَتَسَلَّلَ بَيْنَ الْأَعْشَابِ الطَّوِيلَةِ، مُحَاوِلًا أَلَّا يُصْدِرَ أَيَّ صَوْتٍ بِأَشْوَاكِهِ، حَتَّى اسْتَقَرَّ خَلْفَ شُجَيْرَةٍ كَثِيفَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُمَا.
أَرْهَفَ شَوْكِي سَمْعَهُ، فَالْتَقَطَتْ أُذُنَاهُ كَلِمَاتٍ مُتَقَطِّعَةً مِنْ "أَرْنُوبَ" وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ جَهَّزْنَا حَلْوَى التَّمْرِ الَّتِي يَعْشَقُهَا، سَتَكُونُ مُفَاجَأَةً مُذْهِلَةً!" رَدَّتْ "صَدَفَةُ" بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "نَعَمْ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَبْقِيَ الْأَمْرَ سِرًّا لِلْغَايَةِ، فَلَا نُرِيدُهُ أَنْ يَعْلَمَ قَبْلَ الْأَوَانِ". لَمْ يَتَمَالَكْ شَوْكِي نَفْسَهُ، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّ الصَّدِيقَيْنِ يُحَضِّرَانِ لَهُ أَمْرًا جَمِيلًا، قَفَزَ مِنْ مَخْبَئِهِ وَهُوَ يَصِيحُ بِانْفِعَالٍ: "أَهَا! كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تُخْفِيَانِ شَيْئًا! أَتَتَحَدَّثَانِ عَنْ حَلْوَى التَّمْرِ؟ هَلْ تَنْوِيَانِ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بِمُفْرَدِكُمَا دُونَ دَعْوَتِي؟" ارْتَبَكَ "أَرْنُوبُ" وَتَعَثَّرَتِ الْكَلِمَاتُ فِي فَمِ "صَدَفَةَ"، وَحَاوَلَا تَهْدِئَتَهُ دُونَ كَشْفِ السِّرِّ، لَكِنَّ شَوْكِي غَادَرَ الْمَكَانَ وَهُوَ يَنْفُخُ أَوْدَاجَهُ غَضَبًا.
لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، فَفِي بَعْدِ ظُهْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، رَأَى شَوْكِي أَصْدِقَاءَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُمْ يَرْسُمُونَ خُطُوطًا غَامِضَةً عَلَى التُّرَابِ بِاسْتِخْدَامِ عُودٍ خَشَبِيٍّ، وَيُشِيرُونَ نَحْوَ الْبُحَيْرَةِ الْكَبِيرَةِ. كَانَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ فِي الْحَقِيقَةِ خَرِيطَةً لِمَكَانِ الْهَدَايَا، لَكِنَّ ظُنُونَ شَوْكِي السَّيِّئَةَ كَانَتْ قَدْ عَمِيَتْ بَصِيرَتَهُ. وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي أَوْهَامِهِ، مَرَّ بِهِ الثُّعْبَانُ الْمَاكِرُ "رَقِيقُ"، الَّذِي كَانَ يَعْرِفُ نُقْطَةَ ضَعْفِ الْقُنْفُذِ. سَأَلَهُ شَوْكِي بِتَهَوُّرٍ: "أَيُّهَا الثُّعْبَانُ، أَنْتَ تَتَسَلَّلُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، هَلْ تَعْرِفُ مَاذَا يُخَطِّطُ أَرْنُوبُ وَصَدَفَةُ؟" ابْتَسَمَ الثُّعْبَانُ بِخُبْثٍ وَقَالَ: "آهٍ يَا شَوْكِي، لَقَدْ سَمِعْتُهُمَا يَقُولَانِ إِنَّهُمَا سَيَذْهَبَانِ غَدًا عِنْدَ الْفَجْرِ لِصَيْدِ أَفْضَلِ أَسْمَاكِ الْبُحَيْرَةِ لِيُقِيمَا مَأْدُبَةً خَاصَّةً لَيْسَ لَكَ فِيهَا نَصِيبٌ".
اسْتَشَاطَ شَوْكِي غَضَبًا، وَلَمْ يُفَكِّرْ لِحَظَةٍ فِي صِدْقِ الثُّعْبَانِ مِنْ كَذِبِهِ. قَرَّرَ أَنْ يَنْتَقِمَ لِكَرَامَتِهِ وَيُفْسِدَ عَلَيْهِمَا تِلْكَ "الرِّحْلَةَ" الْمَزْعُومَةَ. وَفِي الْفَجْرِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْغَابَةُ لَا تَزَالُ نَائِمَةً تَحْتَ لِحَافِ الضَّبَابِ، تَوَجَّهَ شَوْكِي إِلَى ضِفَّةِ الْبُحَيْرَةِ. بَدَأَ يَجْمَعُ الْحِجَارَةَ وَيُلْقِيهَا بِكُلِّ قُوَّتِهِ فِي الْمَاءِ، وَيُحْدِثُ ضَجِيجًا هَائِلًا وَيَصِيحُ لِيُخِيفَ الْأَسْمَاكَ وَيَجْعَلَهَا تَهْرُبُ إِلَى الْأَعْمَاقِ بَعِيدًا عَنْ الشِّبَاكِ. ظَلَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ وَهُوَ يَشْعُرُ بِنَصْرٍ زَائِفٍ، مُنْتَظِرًا وُصُولَ أَصْدِقَائِهِ لِيَرَى خَيْبَةَ أَمَلِهِمْ، لَكِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَتِ الْغَابَةُ تَعِجُّ بِالْحَرَكَةِ فِي جَانِبٍ آخَرَ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا. لَقَدْ زَيَّنَ "أَرْنُوبُ" وَ"صَدَفَةُ" وَ"سِنْجَابُ" وَكُلُّ الْأَصْدِقَاءِ سَاحَةً سِرِّيَّةً بِالْأَزْهَارِ الْمُلَوَّنَةِ، وَعَلَّقُوا بَالُونَاتٍ صَنَعُوهَا مِنْ ثِمَارِ الْغَابَةِ، وَوَضَعُوا فِي الْمُنْتَصَفِ أَكْبَرَ طَبَقٍ مِنْ حَلْوَى التَّمْرِ وَالْعَسَلِ. كَانَ الْجَمِيعُ يَنْتَظِرُ شَوْكِي لِيَحْتَفِلُوا بِعِيدِ مِيلَادِهِ الَّذِي نَسِيَهُ هُوَ بِسَبَبِ انْشِغَالِهِ بِمُرَاقَبَةِ الْآخَرِينَ. مَرَّتِ السَّاعَاتُ وَتَحَوَّلَ النَّهَارُ إِلَى مَسَاءٍ، وَبَدَأَ الْإِحْبَاطُ يَتَسَرَّلُ إِلَى قُلُوبِ الْأَصْدِقَاءِ بَعْدَ أَنْ طَالَ انْتِظَارُهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّ شَوْكِي رُبَّمَا لَا يَرْغَبُ فِي الِاحْتِفَالِ مَعَهُمْ، فَانْصَرَفُوا بِحُزْنٍ إِلَى مَنَازِلِهِمْ.
عِنْدَمَا أَسْدَلَ اللَّيْلُ سُتُورَهُ، عَادَ شَوْكِي إِلَى مَنْزِلِهِ مُنْهَكَ الْقُوَى، مَبْلُولَ الْأَطْرَافِ مِنَ الرَّذَاذِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَشْعُرُ بِثِقَلٍ غَرِيبٍ فِي صَدْرِهِ. وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ، مَرَّ بِالصُّدْفَةِ بِتِلْكَ السَّاحَةِ السِّرِّيَّةِ، فَتَوَقَّفَتْ أَنْفَاسُهُ. رَأَى بَقَايَا الزِّينَةِ تَتَمَايَلُ مَعَ النَّسِيمِ، وَرَأَى طَبَقَ الْحَلْوَى الَّذِي ذَابَ بَعْضُهُ، وَبِجَانِبِهِ لَافِتَةٌ خَشَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ نُقِشَ عَلَيْهَا بِعِنَايَةٍ: "عِيدُ مِيلَادٍ سَعِيدٌ لِصَدِيقِنَا الْغَالِي شَوْكِي.. نُحِبُّكَ كَثِيرًا". سَقَطَ شَوْكِي عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَانْهَمَرَتْ دُمُوعُهُ نَدَمًا؛ فَلَقَدْ أَفْسَدَ بِيَدَيْهِ أَجْمَلَ لَحْظَةٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَهَا، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّهُ اسْتَسْلَمَ لِفُضُولِهِ الْقَاتِلِ وَسُوءِ ظَنِّهِ، وَتَرَكَ لِأَكَاذِيبِ الثُّعْبَانِ مَكَانًا فِي عَقْلِهِ. تَعَلَّمَ شَوْكِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْقَاسِيَةِ أَنَّ السِّرَّ لَيْسَ دَائِمًا مُؤَامَرَةً، وَأَنَّ الثِّقَةَ هِيَ أَجْمَلُ ثَوْبٍ يُمْكِنُ أَنْ يَرْتَدِيَهُ الصَّدِيقُ.
القيم والدروس الأخلاقية
- احْتِرَامُ الْخُصُوصِيَّةِ: لَيْسَ مِنْ حَقِّنَا أَنْ نَتَنَصَّتَ عَلَى الْآخَرِينَ أَوْ نَتَدَخَّلَ فِي أُمُورِهِمُ الْخَاصَّةِ.
- خَطَرُ التَّسَرُّعِ فِي الْحُكْمِ: الظَّنُّ السَّيِّئُ وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ دُونَ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ يُؤَدِّي إِلَى أَخْطَاءٍ كَبِيرَةٍ.
- الثِّقَةُ بِالْأَصْدِقَاءِ: الصَّدَاقَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَتَطَلَّبُ الثِّقَةَ وَحُسْنَ الظَّنِّ بِالْأَصْدِقَاءِ.
- الْفُضُولُ السَّيِّئُ يُؤَدِّي لِلنَّدَمِ: السَّعْيُ لِمَعْرِفَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِطُرُقٍ خَاطِئَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُفْسِدَ أَجْمَلَ الْأَشْيَاءِ.
أسئلة لفهم القصة
أسئلة بسيطة
- مَا هِيَ الْعَادَةُ السَّيِّئَةُ لِلْقُنْفُذِ شَوْكِي؟
- مَاذَا كَانَ أَرْنُوبُ وَصَدَفَةُ يُخَطِّطَانِ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ؟
- مَنْ أَخْبَرَ شَوْكِي بِمَعْلُومَةٍ خَاطِئَةٍ عَنْ خُطَطِ أَصْدِقَائِهِ؟
- كَيْفَ حَاوَلَ شَوْكِي إِفْسَادَ "خُطَّةِ صَيْدِ الْأَسْمَاكِ"؟
- مَاذَا اكْتَشَفَ شَوْكِي عِنْدَمَا عَادَ إِلَى الْغَابَةِ لَيْلًا؟
أسئلة للتفكير النقدي
- لِمَاذَا صَدَّقَ شَوْكِي كَلَامَ الثُّعْبَانِ الْمَاكِرِ وَلَمْ يَثِقْ بِأَصْدِقَائِهِ؟
- لَوْ أَنَّ شَوْكِي سَأَلَ أَصْدِقَاءَهُ مُبَاشَرَةً عَنْ خُطَطِهِمْ، كَيْفَ كَانَتْ سَتَكُونُ نِهَايَةُ الْقِصَّةِ؟
- هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ أَصْدِقَاءَ شَوْكِي سَيُسَامِحُونَهُ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُهُ إِصْلَاحُ خَطَئِهِ؟
أسئلة لربط القصة بحياتك
- هَلْ شَعَرْتَ بِالْفُضُولِ مِنْ قَبْلُ لِمَعْرِفَةِ سِرٍّ مَا؟ مَاذَا فَعَلْتَ؟
- صِفْ مَوْقِفًا ظَنَنْتَ فِيهِ شَيْئًا عَنْ أَصْدِقَائِكَ، ثُمَّ اكْتَشَفْتَ أَنَّكَ كُنْتَ مُخْطِئًا.
- كَيْفَ تُظْهِرُ لِأَصْدِقَائِكَ أَنَّكَ تَثِقُ بِهِمْ؟
أنشطة تفاعلية ممتعة
- خَطِّطْ لِحَفْلَةٍ مُفَاجِئَةٍ: بِالْمُشَارَكَةِ مَعَ عَائِلَتِكَ، خَطِّطْ لِحَفْلَةٍ مُفَاجِئَةٍ صَغِيرَةٍ لِأَحَدِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ. قَسِّمُوا الْمَهَامَّ سِرًّا لِتَشْعُرُوا بِحَمَاسِ التَّحْضِيرِ لِمُفَاجَأَةٍ جَمِيلَةٍ.
- لُعْبَةُ "حَافِظُ الْأَسْرَارِ": يَكْتُبُ كُلُّ لَاعِبٍ سِرًّا لَطِيفًا عَلَى وَرَقَةٍ وَيُعْطِيهَا لِلَاعِبٍ آخَرَ لِيَحْتَفِظَ بِهِ. الْهَدَفُ هُوَ قَضَاءُ وَقْتٍ دُونَ مَحَاوَلَةِ كَشْفِ أَسْرَارِ الْآخَرِينَ، لِلتَّدَرُّبِ عَلَى احْتِرَامِ الْخُصُوصِيَّةِ.
- ارْسُمِ مَشْهَدَ النَّدَمِ: ارْسُمْ صُورَةً لِلْقُنْفُذِ شَوْكِي وَهُوَ يَجْلِسُ وَحِيدًا أَمَامَ بَقَايَا حَفْلَةِ عِيدِ مِيلَادِهِ، وَعَبِّرْ بِالرَّسْمِ عَنْ مَشَاعِرِ الْأَسَفِ وَالنَّدَمِ.