مُشَاكِسٌ وَلَكِنْ..
فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ يَمْلَؤُهُ الدِّفْءُ، كَانَتْ رَامَةُ تَعِيشُ مَعَ أَخِيهَا الصَّغِيرِ مُعَاذٍ، وَكَانَ مُعَاذٌ طِفْلًا مَرِحًا جِدًّا، يُحِبُّ اللَّعِبَ وَالْجَرْيَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ "مُشَاكِسًا" بَعْضَ الشَّيْءِ، فَتَارَةً يَأْخُذُ أَقْلَامَ رَامَةَ لِيَرْسُمَ بِهَا عَلَى أَوْرَاقِهَا، وَتَارَةً أُخْرَى يُخَبِّئُ دُمْيَتَهَا الْمُفَضَّلَةَ لِيُمَازِحَهَا، وَكَانَتْ رَامَةُ غَالِبًا مَا تَغْضَبُ وَتَصِيحُ: "يَا أُمِّي، لَقَدْ أَزْعَجَنِي مُعَاذٌ مُجَدَّدًا! أَتَمَنَّى أَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا وَاحِدًا بِدُونِ مُشَاكَسَاتِهِ". وَفِي صَبَاحِ أَحَدِ الأَيَّامِ، اسْتَيْقَظَتْ رَامَةُ لِتَسْتَعِدَّ لِلْمَدْرَسَةِ، فَمَالَتْ عَلَى سَرِيرِ أَخِيهَا وَقَالَتْ لَهُ بِحَنَانٍ: "أَخِي الْحَبِيبُ مُعَاذٌ، شَفَاكَ اللَّهُ وَعَفَاكَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَقَدْ كَانَ مُعَاذٌ يَرْقُدُ فِي فِرَاشِهِ وَقَدْ نَالَ مِنْهُ التَّعَبُ وَارْتَفَعَتْ حَرَارَتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "سَلَّمَكِ اللَّهُ يَا أُخْتِي، أَرْجُوكِ لَا تَنْسَيْ أَنْ تَأْتِي لِي بِمَا سَيَشْرَحُهُ الْمُعَلِّمُ فِي الْفَصْلِ الْيَوْمَ حَتَّى لَا يَفُوتَنِي الدَّرْسُ"، فَرَدَّتْ رَامَةُ وَهِيَ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَا بَطَلُ".
خَرَجَتْ رَامَةُ مِنَ الْبَيْتِ، وَمَشَتْ فِي الطَّرِيقِ بِمُفْرَدِهَا، وَبَعْدَ قَلِيلٍ تَنَهَّدَتْ وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: "لِمَاذَا الطَّرِيقُ طَوِيلٌ هَكَذَا؟! مَا كُنْتُ أَشْعُرُ بِكُلِّ هَذِهِ الْمَسَافَةِ مِنْ قَبْلُ!"، ثُمَّ حَاوَلَتْ أَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا بِالسَّعَادَةِ فَقَالَتْ: "وَلَكِنِّي الآنَ مُرْتَاحَةٌ مِنْ صَخَبِ مُعَاذٍ، فَقَدْ كَانَ يَجْرِي حَوْلِي هُنَا وَهُنَاكَ وَيَجْعَلُنِي أَصِلُ مُتْعَبَةً"، لَكِنَّ قَلْبَهَا كَانَ يَهْمِسُ لَهَا بِشَيْءٍ آخَرَ، فَالصَّمْتُ فِي الطَّرِيقِ كَانَ مُمِلًّا جِدًّا. وَعِنْدَمَا عَادَتْ إِلَى الْمَنْزِلِ، اسْتَقْبَلَتْهَا أُمُّهَا بِوَجْهٍ مُتْعَبٍ، فَقَالَتْ رَامَةُ: "حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِي يَا أُمِّي، لَقَدْ جِئْتُ بِكُلِّ الْوَاجِبَاتِ لِمُعَاذٍ، كَيْفَ حَالُهُ الآنَ؟"، فَأَجَابَتِ الأُمُّ بِقَلَقٍ: "مَا زَالَتْ حَرَارَتُهُ مُرْتَفِعَةً يَا ابْنَتِي، هَيَّا اذْهَبِي وَتَوَضَّئِي وَصَلِّي الْعَصْرَ، فَالصَّلَاةُ تَنْزِلُ بِهَا الرَّحَمَاتُ، وَأَنَا سَأُحَضِّرُ طَعَامَ الْغَدَاءِ"، سَأَلَتْ رَامَةُ بِتَلَهُّفٍ: "أَلَنْ يَأْكُلَ مَعَنَا مُعَاذٌ؟"، فَقَالَتِ الأُمُّ: "لَا يَا حَبِيبَتِي، سَآخُذُ لَهُ طَعَامَهُ إِلَى سَرِيرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى الْوُقُوفِ".
شَعَرَتْ رَامَةُ بِحُزْنٍ شَدِيدٍ وَقَالَتْ: "لَقَدْ وَحَشَنِي أَنْ نَتَقَاسَمَ الطَّعَامَ سَوِيًّا، وَحَتَّى تِلْكَ الْمُنَافَسَةُ بَيْنَنَا عَلَى مَنْ يَنْهِي طَبَقَهُ أَوَّلًا فَقَدْتُهَا، سَأَذْهَبُ وَآكُلُ بِجِوَارِهِ"، وَبَيْنَمَا هِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: "سَامِحْنِي يَا اللَّهُ؛ كَمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَسْتَرِيحَ يَوْمًا مِنْ مُشَاكَسَةِ أَخِي، وَلَكِنِّي اكْتَشَفْتُ أَنَّهُ لَا طَعْمَ لِلْحَيَاةِ مِنْ غَيْرِهِ"، وَتَخَيَّلَتْهُ وَهُوَ بَكَامِلِ نَشَاطِهِ يَمْزَحُ مَعَهَا، فَتَمَنَّتْ مِنْ كُلِّ قَلْبِهَا أَنْ يَنْهَضَ وَيَأْخُذَ أَدَوَاتِهَا كُلَّهَا فَقَطْ لِيَبْتَسِمَ مُجَدَّدًا. وَبَعْدَ الْغَدَاءِ، رَأَتْ رَامَةُ أُمَّهَا قَدْ غَلَبَهَا النُّعَاسُ مِنْ شِدَّةِ السَّهَرِ بِجَانِبِ مُعَاذٍ، فَاقْتَرَبَتْ مِنْهَا وَقَالَتْ: "حَبِيبَتِي أُمِّي، لَقَدْ نِمْتِ مِنَ التَّعَبِ، دَعِينِي أُكْمِلُ أَنَا عَمَلَ الْكَمَّادَاتِ لِمُعَاذٍ وَاذْهَبِي أَنْتِ لِتَسْتَرِيحِي قَلِيلًا"، فَشَكَرَتْهَا الأُمُّ وَقَبَّلَتْهَا.
جَلَسَتْ رَامَةُ تَمْسَحُ جَبِينَ أَخِيهَا بِرِفْقٍ، فَمَالَ عَلَيْهَا مُعَاذٌ وَقَالَ: "سَامِحِينِي يَا رَامَةُ لِأَنِّي كُنْتُ أُضَايِقُكِ"، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَالدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهَا: "بَلْ أَنْتَ سَامِحْنِي يَا أَخِي لأَنِّي كُنْتُ أَتَعَصَّبُ عَلَيْكَ، فَقَدْ شَعَرْتُ بِالْوَحْدَةِ الْقَاتِلَةِ بِدُونِكَ"، فَقَالَ مُعَاذٌ: "وَلَكِنِّي أُحِبُّكِ جِدًّا"، فَقَالَتْ رَامَةُ: "وَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّكَ، فَلْنَتَعَاهَدْ مُنْذُ الآنَ أَنْ نَكُونَ سَنَدًا لِبَعْضِنَا، وَكُلُّ مَا عِنْدِي هُوَ لَكَ فَنَحْنُ إِخْوَةٌ تَرَبَّيْنَا عَلَى الْحُبِّ"، ابْتَسَمَ مُعَاذٌ وَقَالَ: "أَتَمَنَّى أَنْ يَشْفِيَنِي اللَّهُ سَرِيعًا لِنَرْجِعَ وَنَلْعَبَ وَنَذْهَبَ لِلْمَدْرَسَةِ سَوِيًّا كَمَا كُنَّا"، قَالَتْ رَامَةُ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَا حَبِيبِي، هَيَّا الآنَ لِتَنَامَ وَتَرْتَاحَ، تُصْبِحُ عَلَى خَيْرٍ"، وَذَهَبَتْ رَامَةُ إِلَى سَرِيرِهَا وَهِيَ تَرْفَعُ يَدَيْهَا لِلسَّمَاءِ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ أَخَاهَا، وَعَاهَدَتْ نَفْسَهَا أَنْ تَمْلأَ بَيْتَهُمَا بِالرِّفْقِ وَالْمَوَدَّةِ حَتَّى يُحِبَّهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَرْضَى عَنْهُمَا وَالِدَاهُمَا، فَالإِخْوَةُ هُمْ أَجْمَلُ هَدِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ، وَمُشَاكَسَاتُهُمْ مَا هِيَ إِلَّا نَكْهَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي لَا نَعْرِفُ قِيمَتَهَا إِلَّا حِينَ نَفْتَقِدُهَا.
