حيلة الفراشة

حيلة الفراشة

حيلة الفراشة

في بستانٍ واسعٍ تملؤه الألوان، كانت الفراشة "زينة" تطير بخفة ودلال، تُحرّك الهوائي المعلَّق فوق رأسها يمينًا ويسارًا كأنها تبحث عن كنزٍ مفقود؛ فقد كانت تشم أزكى الروائح وتفتش عن أزهى الأزهار. حركت زينة جناحيها الرقيقين، وتنقلت من زهرة إلى أخرى، تشم هذه وتلك بفضول كبير "شم... شم"، حتى وجدت أخيرًا الرائحة الزكية التي تعشقها. مدت زينة أنبوب الامتصاص الطويل ببراعة، وأخذت تمتص الرحيق اللذيذ بصوت خفي "فوووو". كانت كلما وجدت زهرة فاتنة الجمال وطيبة الرائحة، تقف لتتأملها وتقول في نفسها: "ربما يكون هذا هو المكان المناسب لكي أضع فيه بيضي"، لكنها سرعان ما تجد مكانًا أجمل، فتقول بحماس: "ربما يكون هذا المكان الجديد مناسبًا أكثر من الأول".

ولما حان الوقت المناسب لتضع الفراشة زينة بيضها، اختارت بعناية فائقة بقعة آمنة تحت ورقة شجر خضراء نضرة، تقع في وسط مجموعة من الورود الصفراء الزاهية، وهناك وضعت بيضها بسلام. مرت الأيام سريعة، وظلت الأم زينة تطير بين الأزهار لكن عينيها لم تغيبا عن مراقبة بيضها الصغير. وفي صباح مشرق تملؤه أشعة الشمس، خرجت من البيضة دودة صغيرة جميلة؛ ففرحت الأم كثيرًا وقالت بحب: "يا لكِ من دودة جميلة!". بدأت الدودة الصغيرة رحلتها بأكل قشرة البيضة التي خرجت منها لتستمد القوة، ثم أخذت تمشي ببطء شديد فوق الأغصان، وهي تقضم أوراق الشجر الخضراء بشهية كبيرة.

كبرت الدودة يومًا بعد يوم، وتضاعف حجمها عدة مرات حتى أصبحت قوية. وبعد عدة أيام، ألصقت الدودة نفسها بفرع شجرة متين، وبدأت تنسج خيوطًا حريرية ناعمة حول جسمها بمهارة مذهلة، حتى كونت حولها شرنقة بيضاء لامعة. كانت الشرنقة تتمايل بهدوء مع نسمات الرياح وفروع الشجرة كأنها أرجوحة صغيرة. نظرت الأم زينة إلى الشرنقة بإعجاب وفخر وقالت: "يا لكِ من شرنقة جميلة!". ومع مرور الأيام، انشقت الشرنقة وخرجت منها فراشة صغيرة رقيقة أسمتها الأم "شذى"، وراحت الصغيرة تطير بسعادة غامرة بين الأزهار الفواحة. فرحت الأم زينة بابنتها كثيرًا وقالت لها: "يا لكِ من فراشة جميلة!".

في أول نهارها، خرجت الفراشة "شذى" إلى وسط الزرع والأزهار، وحركت جناحيها بقوة وثبات تمامًا مثل الفراشات الكبيرة، وطارت مع أمها وهي تشعر بالبهجة، تتنقلان معًا من زهرة إلى زهرة. وفي أحد الأيام، وبينما كانت الأم زينة تطير بجانب ابنتها شذى، لمحت الأم من مسافة بعيدة بومة واقفة بجمود على فرع شجرة وهي تراقبهم. كانت عيون البومة كبيرة ومخيفة، ومنقارها حادًا وقويًا، ورأسها يتحرك ببراعة في كل اتجاه. نظرت البومة بعينيها القويتين نحو الفراشتين، لكن الأم زينة لم تهرب، بل بقيت في مكانها وقالت لابنتها شذى بهدوء: "لا تتحركي يا صغيرتي، وافعلي مثلما أفعل تمامًا؛ فإذا كان للبومة عينان مخيفتان، فنحن أيضًا لنا عينان مخيفتان".

تحركت الأم ببطء شديد لكي تخفي جسمها الصغير بين بتلات الأزهار، وأظهرت فقط جناحيها اللذين يحملان رسمتين دائريتين كبيرتين تشبهان تمامًا عيون حيوان مفترس ومخيف. فعلت شذى مثل أمها بسرعة، فاختبأت بين الأزهار وأظهرت جناحيها اللذين يحملان نفس الرسمتين المخيفتين. هنا اندهشت البومة بشدة؛ فقد اختفت الفراشات الرقيقة فجأة، وظهرت مكانهما عيون كبيرة مرعبة تنظر إليها من بين الأزهار! شعرت البومة بالخوف الشديد وهربت بعيدًا عن المكان. ضحكت الفراشة الأم زينة بانتصار، وفرحت شذى بهذه المغامرة المثيرة التي تعلمت منها درساً مهماً.

وفي يوم آخر، كانت شذى تطير وحدها وتنتقل من زهرة إلى زهرة لتمتص الرحيق، وفجأة رأت حشرة "الدراجون" المفترسة تقترب منها وتنظر إليها بعيونها المرعبة. تذكرت شذى درس أمها، فلم تتحرك من مكانها وأظهرت بسرعة جناحيها اللذين يحملان العيون المخيفة. انتظرت شذى أن تهرب الحشرة، لكن حشرة الدراجون لم تخف بل استمرت في الاقتراب ببطء. شعرت شذى بالخوف وبدأ جناحاها يرتعشان، وعندما لاحظت الحشرة ذلك الخوف، واصلت الاقتراب أكثر فأكثر. فكرت شذى بسرعة: "لماذا لم تهرب هذه الحشرة؟ ولماذا لم تخف من العيون التي على جناحي؟". ومع اشتداد خوفها واقتراب الخطر، قررت شذى أن تتصرف بطريقة مختلفة.

طارت شذى بسرعة فائقة نحو الأعلى، ثم أخذت تنظر للأسفل وهي تبحث عن شيء محدد. انتبهت حشرة الدراجون لحركة شذى ولحقت بها إلى الأعلى. فجأة، نزلت شذى بسرعة البرق واختبأت بذكاء تحت زهرة مميزة تسمى "فينوس" صائدة الحشرات، ثم أغلقت جناحيها تمامًا وجلست بهدوء تراقب الموقف. نزلت الحشرة المفترسة خلفها ووقفت فوق زهرة الفينوس المتفتحة وهي تلتفت يمينًا ويسارًا تبحث عن شذى. وفجأة، أطبقت زهرة الفينوس أوراقها بسرعة مذهلة وابتلعت حشرة الدراجون داخلها. خرجت شذى من مخبئها بحذر، وطارت للأعلى لتتأكد من أن الزهرة قد أمسكت بالحشرة تمامًا، ثم أخذت تنادي صديقاتها الفراشات لتحكي لهن بطولتها. جاءت الفراشات من كل مكان، يرفرفن بأجنحتهن الجميلة، وهن يهنئن الفراشة الصغيرة شذى على ذكائها وشجاعتها في هذه المغامرة التي خلصت الجميع من حشرة الدراجون آكلة الفراشات.

إرسال تعليق

أحدث أقدم