الحِمارُ لا يَقْرَأُ

الحِمارُ لا يَقْرَأُ

الحِمارُ لا يَقْرَأُ

«دَوارُ بَنِي كِرْزاز» قَرْيَةٌ هادِئَةٌ تُطَوِّقُها البَساتينُ. وَبِسَبَبِ تَمَسُّكِ أَهْلِها بِالإِنْسانِيَّاتِ شَكَّلوا «جَمْعِيَّةَ الرِّفْقِ بِالحَيَواناتِ». وَبِصُورَةٍ طَبِيعِيَّةٍ، التَزَموا بِقانونِ الجَمْعِيَّةِ. امْتَنَعوا عَنْ صَيْدِ الأَرانِبِ وَالعَصَافِيرِ وَكُلِّ طَيْرٍ يَطِيرُ. لَمْ يَتَعَرَّضوا يَوْمًا لِضَرْبِ القِطَطِ وَالكِلابِ وَلَمْ يُثْقِلوا الأَحْمالَ فَوْقَ ظَهْرِ الدَّوابِ. وفي صَباحِ يَوْمٍ خَرِيفِيٍّ، هَجَمَ عَلى قَرْيَتِهِمْ حِمارٌ وَحْشِيٌّ. قَضَمَ المَزْروعاتِ بِنَهَمٍ، وَمَرَّ عَلى الثَّمارِ وَالخُضَرِ، وَأَتْلَفَ الشُّتولَ بِالحافِرِ وَالقَدَمِ. عِنْدَما رَأَى أَهْلُ القَرْيَةِ ما حَلَّ بِمَزارِعِهِمْ، قَرَّروا الذَّهابَ إِلى «جَمْعِيَّةِ الرِّفْقِ بِالحَيَواناتِ» يَشْكونَ هُمُومَهُمْ وَيَطْلُبونَ النَّجْدَةَ لِإِنْقاذِ رِزْقِهِمْ. لَمْ يَعْرِفْ أَعْضاءُ الجَمْعِيَّةِ ماذا يَفْعَلونَ، فَاسْتِعْمالُ القُوَّةِ مَمْنُوعٌ بِـ «نَصِّ القانونِ». اتَّفَقوا عَلى حيلَةٍ سِلْمِيَّةٍ، وَالْتَزَموا بِالصِّفاتِ الإِنْسانِيَّةِ. فَذَهَبوا إِلى حَيْثُ «الحِمارِ الوَحْشِيِّ» بِالذَّاتِ، يَرْفَعونَ بِوَجْهِهِ اللافتاتِ وَقَدْ كُتِبَ عَلَيْها بِاخْتِصارٍ: «نَرْجُوكَ أَخْرُجْ يا حِمارُ». لَمْ يَأْبَه الحِمارُ لِلْكِتاباتِ، وَاسْتَمَرَّ في تَلَفِ المَزْروعاتِ. تَنَبَّهَ أَحَدُ الأَعْضاءِ فَقالَ: نَسِينا أَنَّ الحِمارَ لا يَقْرَأُ، فَلْنُجَرِّبْ مَعَهُ الهُتافاتِ بَدَلَ رَفْعِ اللافتاتِ. بَدأَ الجَمْعُ يَهْتِفُ بِصَوْتٍ هَدَّارٍ: «أَخْرُجْ... أَخْرُجْ يا حِمارُ». لَكِنَّ الحِمارَ الوَحْشِيَّ حَيَوانٌ، وَالحَيَوانُ لا يَفْهَمُ لُغَةَ الإِنْسانِ. فَاسْتَمَرَّ في تَخْريبِ الشُّتولِ وَفي قَضْمِ البُقولِ. وَكَحَلٍّ آخَرَ، لَجَأَ الجَميعُ إِلى قَرْعِ الطَّناجِرِ النُّحاسِيَّةِ عَلَّ أَصْواتَها القَوِيَّةَ تَدْفَعُهُ لِمُغادَرَةِ القَرْيَةِ. إِلَّا أَنَّ الأَصْواتَ زادَتْهُ غَضَبًا. هَجَمَ الحِمارُ عَلى الأَشْجارِ الصَّغيرَةِ، وَكَسَرَ الأَغْصانَ الطَّرِيَّةَ، وَأَصْبَحَ أَكْثَرَ شِدَّةً وَحِدَّةً، وَاسْتَحالَ عَلى أَهْلِ القَرْيَةِ رَدُّهُ. كادَ الجَمْعُ يَفْقِدُ الأَمَلَ، وَلا يَعْرِفُ ما العَمَلُ! اجْتَمَعوا مِنْ جَدِيدٍ، وَبَحَثوا عَنِ الرَّأْيِ السَّديدِ. عادَ أَحَدُهُمْ وَاقْتَرَحَ طَرْدَهُ بِعُنْوَةٍ، فَرُفِضَ اقْتِراحُهُ بِقُوَّةٍ. وَبَعْدَ تَفْكِيرٍ طَويلٍ، قالَ أَحَدُهُمْ: لِنَتَّصِلْ بِحَديقَةِ الحَيَواناتِ فَلَدَيْهِم القُدْرَةُ وَالوَسائِلُ وَالإِمْكاناتُ. رَحَّبَ المُجْتَمِعونَ بِالاِقْتِراحِ فَرِحينَ، فَاتَّصَلوا بِمَسْؤُولِي الحَدِيقَةِ مُسْتَنْجِدِينَ. بَعْدَ حِينٍ، وَصَلَتْ شاحِنَةٌ إِلى «دَوارِ بَنِي كِرْزاز»، نَزَلَ مِنْها عُمَّالٌ يَحْمِلونَ الشِّباكَ وَالمُعَدَّاتِ. أَطْلَقوا عَلى «الحِمارِ الوَحْشِيِّ» سَهْمًا مُخَدِّرًا، فَهَدَأَ وَلَمْ يَعُدْ مُتَوَتِّرًا. أَلْقوا عَلَيْهِ شَبَكَةً أَفْقَدَتْهُ الحَرَكَةَ، حَمَلوهُ بِلُطْفٍ وَحَنانٍ، وَنَقَلوهُ إِلى حَدِيقَةِ الحَيَوانِ. عادَ الهُدوءُ إِلى «دَوارِ بَنِي كِرْزاز» وَعادَ أَهْلُها إِلى مَزارِعِهِمْ آمِنِينَ. صَحيحٌ أَنَّهُمْ خَسِروا بَعْضَ مَزْروعاتِهِمْ، لَكِنَّهُمْ ظَلُّوا سُعَداءَ بِالمُحافَظَةِ عَلى إِنْسانِيَّتِهِمْ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم