الضَّفْدَعَةُ النِّقَّاقَةُ
فِي إِشْرَاقَةِ صَبَاحٍ بَاكِرٍ وَنَدِيٍّ، اسْتَيْقَظَتِ الضَّفْدَعَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تُدْعَى «نَقْ نَقْ» مِن نَوْمِهَا العَمِيقِ بِنَشَاطٍ وَحَيَوِيَّةٍ. بَعْدَ أَنْ فَرَغَتْ مِن تَنَاوُلِ وَجْبَةِ فُطُورِهَا الشَّهِيَّةِ، انْدَفَعَتْ نَحْوَ أُمِّهَا وَهِيَ تُرْسِلُ نَقِيقَهَا العَالِي: «كرررر.. كرررر». قَالَتْ لِأُمِّهَا وَالبِشْرُ يَعْلُو وَجْهَهَا: «انْظُرِي يَا أُمِّي كَمْ هُوَ الطَّقْسُ بَدِيعٌ، وَكَيْفَ تُرْسِلُ الشَّمْسُ أَشِعَّتَهَا الذَّهَبِيَّةَ لِتَمْلَأَ الكَوْنَ ضِيَاءً؛ لَقَدْ عَزَمْتُ أَنْ أَقُومَ اليَوْمَ بِجَوْلَةٍ لِأَزُورَ فِيهَا جَمِيعَ أَصْدِقَائِي فِي أَنْحَاءِ البُسْتَانِ لِأَطْمَئِنَّ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَصِحَّتِهِمْ».
انْطَلَقَتْ «نَقْ نَقْ» تَقْفِزُ فَرَحًا وَحُبُورًا نَحْوَ البُسْتَانِ الفَسِيحِ. وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْضِي فِي طَرِيقِهَا، أَبْصَرَتْ صَدِيقَهَا طَائِرَ مَالِكِ الحَزِينِ يَقِفُ هَادِئًا، فَنَادَتْهُ بِنَبْرَةٍ فِيهَا تَدَخُّلٌ: «مَا بَالُكَ يَا صَدِيقِي تَبْدُو اليَوْمَ مُبَعْثَرًا وَمِنْ دُونِ تَرْتِيبٍ؟ فَلَمْ تُسَرِّحْ رِيشَ رَأْسِكَ، وَلَمْ تَغْسِلْ وَجْهَكَ كَالعَادَةِ؛ فَهَلْ أَنْتَ حَزِينٌ لِأَمْرٍ مَا؟». رَمَقَهَا مَالِكُ الحَزِينُ بِنَظْرَةِ عَجَبٍ وَرَدَّ عَلَيْهَا مُسْتَنْكِرًا: «وَمَنْ أَخْبَرَكِ أَنَّنِي حَزِينٌ؟ ثُمَّ مَاذَا تَبْتَغِينَ مِنِّي فِي هَذَا الوَقْتِ المُبَكِّرِ مِنَ الصَّبَاحِ؟». أَجَابَتْهُ «نَقْ نَقْ» بِبَرَاءَةٍ مُصْطَنَعَةٍ: «أَنَا لَا أُرِيدُ شَيْئًا، فَلِمَاذَا كُلُّ هَذَا الغَضَبِ؟». حِينَهَا طَارَ مَالِكُ الحَزِينُ مُبْتَعِدًا لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ، فَمَضَتْ هِيَ فِي سَبِيلِهَا وَهِيَ تَتَمْتِمُ بِتَعَجُّبٍ: «عَجَبًا لِأَمْرِ هَؤُلَاءِ، أَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقَدِّمَ نَصِيحَةً خَالِصَةً لِأَحَدٍ؟!».
وَفِي أَثْنَاءِ سَيْرِهَا، بَاغَتَ مَسَامِعَهَا صَوْتُ الدِّيكِ وَهُوَ يَصْدَحُ مِنْ بَعِيدٍ: «كِيكِي كِيكِي - كِيكِي كِيكِي»، فَسَارَعَتْ نَحْوَهُ وَقَالَتْ لَهُ بِنَبْرَةٍ آمِرَةٍ: «لِمَ هَذَا الصِّيَاحُ المُرْتَفِعُ أَيُّهَا الدِّيكُ؟ كُفَّ عَنِ الصَّخَبِ وَاهْدَأْ قَلِيلًا لِنَتَبَادَلَ أَطْرَافَ الحَدِيثِ». انْدَهَشَ الدِّيكُ مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ: «مَاذَا تَقُولِينَ يَا «نَقْ نَقْ»؟ أَتُسَمِّينَ صَوْتِي وَغِنَائِي صُرَاخًا؟! إِنَّنِي أُغَرِّدُ لِيَطْرَبَ الجَمِيعُ بِصَوْتِي الجَمِيلِ». فَرَدَّتْ عَلَيْهِ بِإِصْرَارٍ: «إِنَّ صِيَاحَكَ هَذَا يُزْعِجُ الصِّغَارَ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ نَائِمِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا غَضِبْتَ مِنْ كَلَامِي هَذَا فَلَنْ أَفْتَحَ مَعَكَ بَابًا لِلحَدِيثِ بَعْدَ اليَوْمِ». هَزَّ الدِّيكُ عُرْفَهُ الأَحْمَرَ بِتَأَفُّفٍ وَتَابَعَ مَسِيرَهُ وَهُوَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: «يَا لَهَا مِنْ ضَفْدَعَةٍ ثَرْثَارَةٍ!».
وَلَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى رَأَتْ دَجَاجَةً بَيْضَاءَ تَمُرُّ أَمَامَهَا مُحَاطَةً بِصِيصَانِهَا الصِّغَارِ. اقْتَرَبَتْ مِنْهَا «نَقْ نَقْ» وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ فِيهَا لَوْمٌ: «صَبَاحَ الخَيْرِ يَا صَدِيقَتِي، إِنَّنِي حَقًّا عَاتِبَةٌ عَلَيْكِ وَأَشْعُرُ بِالخَوْفِ مِن أَجْلِكِ». سَأَلَتْهَا الدَّجَاجَةُ بِاسْتِغْرَابٍ: «وَلِمَاذَا هَذَا العِتَابُ وَالخَوْفُ يَا عَزِيزَتِي؟». فَأَجَابَتْهَا الضَّفْدَعَةُ: «لِأَنَّكِ تُنْجِبِينَ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الصِّيصَانِ، وَهَذَا سَيُؤَدِّي إِلَى تَعَبِكِ وَإِرْهَاقِكِ الشَّدِيدِ، فَأَرْجُو أَلَّا تَنْزَعِجِي مِنْ صَرَاحَتِي». رَدَّتِ الدَّجَاجَةُ بِرَزَانَةٍ: «لَنْ أَغْضَبَ، وَلَكِنْ مَنْ أَوْهَمَكِ أَنَّ الأُمَّ تَشْعُرُ بِالتَّعَبِ مِنْ تَرْبِيَةِ فِلَذَاتِ كَبِدِهَا؟ إِنَّنِي لَمْ أَشْعُرْ يَوْمًا بِالعَنَاءِ، وَلَنْ أَشْكُوَ مِنْ شَيْءٍ سِوَى نَصَائِحِكِ الَّتِي لَا دَاعِيَ لَهَا».
شَعَرَتْ «نَقْ نَقْ» بِالحُزْنِ مِن كَلَامِ الدَّجَاجَةِ، فَجَلَسَتْ تَرْقُبُ العَابِرِينَ، وَإِذَا بِسُلَحْفَاةٍ وَئِيدَةٍ تَمُرُّ مِن أَمَامِهَا، فَصَرَخَتْ فِيهَا بِغَضَبٍ: «يَا لَبُطْءِ حَرَكَتِكِ أَيَّتُهَا السُّلَحْفَاةُ! أَسْرِعِي فِي خُطَاكِ وَلَا تَتْرُكِي خَلْفَكِ كُلَّ هَذَا الأَثَرِ». لَمْ تَتَوَقَّفِ السُّلحْفَاةُ، بَلْ تَابَعَتْ سَيْرَهَا وَهِيَ تَقُولُ بِلَهْجَةٍ مِلْؤُهَا الضَّجَرُ: «أُفٍّ لِهَذِهِ الضَّفْدَعَةِ الحُشْرِيَّةِ النِّقَّاقَةِ، مَتَى سَتَكُفُّ عَنِ التَّدَخُّلِ فِيمَا لَا يَعْنِيهَا؟».
وَبَعْدَ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، مَرَّ أَرْنَبٌ يَرْكُضُ بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ، فَنَادَتْهُ «نَقْ نَقْ» بِأَعْلَى صَوْتِهَا: «يَا هَذَا، مَا كُلُّ هَذِهِ العَجَلَةِ؟ تَوَقَّفْ قَلِيلًا، فَإِنَّ فِي العَجَلَةِ النَّدَامَةَ، وَنَصِيحَتِي لَكَ...». لَكِنَّ الأَرْنَبَ قَاطَعَهَا بِحَزْمٍ قَائِلًا: «وَنَصِيحَتِي لَكِ أَنْتِ يَا صَدِيقَتِي الثَّرْثَارَةَ هِيَ أَنْ تَتَوَقَّفِي عَنْ حُشْرِيَّتِكِ هَذِهِ».
مَضَى الأَرْنَبُ فِي حَالِ سَبِيلِهِ، وَبَقِيَتْ «نَقْ نَقْ» وَحِيدَةً تَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَمْ تَجِدْ أَحَدًا مِن أَصْدِقَائِهَا حَوْلَهَا. هُنَا دَاخَلَهَا حُزْنٌ عَمِيقٌ وَقَالَتْ بِأَسًى: «لَقَدْ فَقَدْتُ جَمِيعَ أَصْدِقَائِي، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ، سَأَعْتَزِلُ النَّاسَ وَأَجْلِسُ لِأُغَنِّيَ بِمُفْرَدِي، وَلَنْ أُحَادِثَ أَحَدًا بَعْدَ اليَوْمِ، لَكِنْ يَا تُرَى إِلَى أَيْنَ المَفَرُّ؟».
أَخِيرًا، وَقَعَ اخْتِيَارُ «نَقْ نَقْ» عَلَى بُرْكَةٍ مَائِيَّةٍ لِتَكُونَ مَسْكَنًا هَادِئًا لَهَا وَلِصِغَارِهَا. وَكَانَتْ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ تَخْرُجُ إِلَى اليَابِسَةِ وَتُنَادِي بِنَقِيقِهَا المَعْرُوفِ: «كرررر... كرررر أَيْنَ الأَصْدِقَاءُ؟». وَظَلَّتْ تُرَدِّدُ نِدَاءَهَا ذَاكَ مِرَارًا وَتَكْرَارًا حَتَّى نَالَ مِنْهَا التَّعَبُ، فَعَادَتْ إِلَى نَقِيقِهَا المُعْتَادِ، وَلَا تَزَالُ تَنْقُّ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا.
