الفيلُ والبَبَّغاءُ
اسْتَيْقَظَ الفِيلُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي وَقْتٍ بَاكِرٍ جِدًّا، وَكَانَ يَشْعُرُ بِرَغْبَةٍ كَبِيرَةٍ فِي أَنْ يَتَنَزَّهَ بَيْنَ أَشْجَارِ الغَابَةِ الخَضْرَاءِ لِيَسْتَمْتِعَ بِنَسِيمِ الصَّبَاحِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَسِيرُ بِهُدُوءٍ وَسَكِينَةٍ، رَأَتْهُ بَبَّغاءُ كَانَتْ تَتَّخِذُ مِنْ قِمَّةِ إِحْدَى الشَّجَرَاتِ مَسْكَنًا لَهَا. لَمْ يَرُقْ لَهَا مَنْظَرُهُ، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ تُلْقِيَ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ، رَاحَتْ تَسْخَرُ مِنْهُ قَائِلَةً بِتَهَكُّمٍ: "يَا ضَخْمَ الجُثَّةِ، وَيَا صَاحِبَ الأَنْفِ الطَّوِيلِ الَّذِي يَجُرُّ خَلْفَهُ قَوَائِمَ أَرْبَعًا ثَقِيلَةً، لِمَاذَا تُشَوِّهُ بِمَنْظَرِكَ هَذَا جَمَالَ غَابَتِنَا؟". لَمْ يَرُدَّ الفِيلُ عَلَى إِهَانَتِهَا، بَلْ آثَرَ الصَّمْتَ وَأَكْمَلَ جَوْلَتَهُ، رَغْمَ أَنَّ صَدَى كَلِمَاتِهَا القَاسِيَةِ بَقِيَ يَتَرَدَّدُ فِي عَقْلِهِ.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، خَرَجَ الفِيلُ كَعَادَتِهِ نَحْوَ المَسَاحَاتِ الخَضْرَاءِ، وَلَكِنَّهُ حَاوَلَ هَذِهِ المَرَّةَ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقًا بَعِيدًا عَنْ شَجَرَةِ البَبَّغَاءِ لِيَتَحَاشَى سَمَاعَ تَعْلِيقَاتِهَا المُؤْذِيَةِ. وَلَكِنْ، مَا إِنْ أَبْصَرَتْهُ مِنْ بَعِيدٍ، حَتَّى طَارَتْ خَلْفَهُ وَتَبِعَتْهُ إِلَى حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَفَعَتْ صَوْتَهَا بِسُخْرِيَةٍ أَشَدَّ مِنْ قَبْلُ. قَالَتْ لَهُ: "أَلَا تَشْعُرُ بِالخَجَلِ مِنْ نَفْسِكَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ هَذَا الكَرْشَ الوَاسِعَ؟ مَتَى سَيَرْتَاحُ سُكَّانُ الغَابَةِ مِنْ رُؤْيَةِ هَذَا المَنْظَرِ القَبِيحِ؟". مَرَّةً أُخْرَى، لَمْ يُجِبِ الفِيلُ، بَلْ مَضَى فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ يَتَعَجَّبُ مِنْ شِدَّةِ غُرُورِ هَذِهِ البَبَّغَاءِ.
عِنْدَمَا جَاءَ اليَوْمُ الثَّالِثُ، فَكَّرَ الفِيلُ فِي حِيلَةٍ لِيَنْعَمَ بِهُدُوئِهِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَتَنَزَّهَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ البَبَّغَاءَ سَتَكُونُ قَدْ آوَتْ إِلَى فِرَاشِهَا وَنَامَتْ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَسِيرُ فِي سُكُونِ اللَّيْلِ، فُوجِئَ بِصَوْتٍ يَهْتِفُ مِنْ بَيْنِ الأَغْصَانِ: "أَمَا زِلْتَ هُنَا؟ أَلَمْ تَخْجَلْ مِنْ شَكْلِكَ بَعْدُ؟ أَلَنْ تَتَغَيَّرَ لِتُصْبِحَ جَمِيلًا؟ هَلْ نَوَيْتَ أَنْ تُزْعِجَنَا بِمَنْظَرِكَ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَحَتَّى فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ؟".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، نَفَدَ صَبْرُ الفِيلِ، فَلَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى تَحَمُّلِ سُخْرِيَتِهَا المُسْتَمِرَّةِ. اقْتَرَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي تَقِفُ عَلَيْهَا، وَلَفَّ خُرْطُومَهُ القَوِيَّ حَوْلَ جِذْعِهَا، ثُمَّ هَزَّهَا وَشَدَّهَا بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ. وَمِنْ شِدَّةِ الِاهْتِزَازِ، فَقَدَتِ البَبَّغَاءُ تَوَازُنَهَا وَسَقَطَتْ مِنْ فَوْقِ أَغْصَانِهَا لِتَرْتَطِمَ بِالأَرْضِ.
حَاوَلَتِ البَبَّغَاءُ أَنْ تَنْهَضَ وَتَسْتَعِيدَ قُوَاهَا، وَعِنْدَمَا صَحَتْ مِنْ مَفْعُولِ السَّقْطَةِ، شَعَرَتْ بِدُوَارٍ شَدِيدٍ وَكَأَنَّ العَالَمَ يَدُورُ مِنْ حَوْلِهَا. أَدْرَكَتْ حِينَهَا كَمْ كَانَتْ مُخْطِئَةً وَمُذْنِبَةً فِي حَقِّ الفِيلِ، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَعْتَذِرَ لَهُ فَوْرًا. وَلَكِنْ، عِنْدَمَا فَتَحَتْ مِنْقَارَهَا لِتَتَكَلَّمَ، خَانَهَا صَوْتُهَا وَلَمْ تَسْتَطِعْ نُطْقَ الكَلِمَاتِ بِوضُوحٍ. حَاوَلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَلَكِنَّهَا فَشِلَتْ فِي إِخْرَاجِ جُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ.
وَفِي المَرَّةِ الثَّالِثَةِ، بَدَأَتِ الكَلِمَاتُ تَخْرُجُ مِنْ فَمِهَا بَعْدَ عَنَاءٍ كَبِيرٍ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَتَأْتِئُ وَتُكَرِّرُ الحُرُوفَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الكَلِمَةُ. وَبِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ، فَهِمَ الفِيلُ أَنَّهَا تَعْتَذِرُ عَمَّا فَعَلَتْ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، تَغَيَّرَ حَالُ البَبَّغَاءِ، فَصَارَتْ لَا تَنْطِقُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا لِتُؤْذِيَ الآخَرِينَ، بَلْ بَقِيَتْ تُقَلِّدُ فَقَطْ مَا يَقُولُهُ مَنْ حَوْلَهَا، وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى هَذِهِ الحَالِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
