عيدُ مِيلَادِ مَامَا
صَحَتْ يَاسْمِينُ الصَّغِيرَةُ مِنْ نَوْمِهَا، تَوَضَّأَتْ وَأَدَّتْ فَرِيضَةَ الصُّبْحِ، وَكَانَ قَدْ حَانَ مَوْعِدُ الْإِفْطَارِ، فَأَخَذَتْ يَاسْمِينُ مَكَانَهَا عَلَى الْمَائِدَةِ بَيْنَ أُسْرَتِهَا، وَسُرْعَانَ مَا تَنَاوَلَتْ طَعَامَهَا، ثُمَّ حَانَتْ مِنْهَا نَظْرَةٌ ذَاتُ مَغْزًى لِوَالِدِهَا، الَّذِي لَمَعَتْ أَسْنَانُهُ بِابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ دَسَّ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ وَأَخْرَجَ مَصْرُوفَهَا وَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا. تَقَافَزَتْ يَاسْمِينُ نَحْوَ الشَّارِعِ كَعَادَتِهَا كُلَّ صَبَاحٍ، وَتَوَقَّفَتْ هُنَيْهَةً تَسْأَلُ نَفْسَهَا: مَاذَا أَشْتَرِي؟ وَبِدُونِ أَنْ تُجِيبَ يَاسْمِينُ عَنْ سُؤَالِهَا، هَرَوْلَتْ نَاحِيَةَ أَوَّلِ بَائِعٍ يُصَادِفُهَا، وَاشْتَرَتْ مِنْهُ بِكُلِّ مَا فِي حَوْزَتِهَا كُلَّ مَا يَهُمُّهَا وَبَدَّدَتْ مَصْرُوفَهَا.
كَانَتْ يَاسْمِينُ عَلَى النَّقِيضِ مِنْ أَخَوَيْهَا مُحَمَّدٍ وَالزَّهْرَاءِ؛ إِذْ كَانَا يَصْرِفَانِ جُزْءاً مِنَ الْمَصْرُوفِ وَيُوَفِّرَانِ الْبَاقِيَ فِي حَصَّالَتَيْهِمَا، وَكَانَ مَا يَدَّخِرَانِهِ يَزِيدُ يَوْماً عَنْ يَوْمٍ، فِي حِينِ كَانَتْ حَصَّالَةُ يَاسْمِينُ فَارِغَةً تَمَاماً. وَكَانَتْ يَاسْمِينُ دَائِماً تُرَدِّدُ فِي نَفْسِهَا قَائِلَةً: لِمَاذَا أَدَّخِرُ مِنْ مَصْرُوفِي أَوْ أَسْتَقْطِعُ مِنْهُ جُزْءاً، وَأَحْرِمُ نَفْسِي مِنْ شِرَاءِ الْحَلْوَى وَالشِّيكُولَاتَةِ؟ أَمَّا مِنْ نَاحِيَةِ اللُّعَبِ وَالدُّمَى فَلَا دَاعِيَ أَنْ أَشْتَرِيَهَا مِنْ مَصْرُوفِي. ثُمَّ تَبْتَسِمُ وَتَسْتَطْرِدُ فِي حَدِيثِهَا لِنَفْسِهَا: إِنَّ أَخَوَيَّ يَشْتَرِيَانِ اللُّعَبَ وَالدُّمَى كُلَّ حِينٍ، وَيُمْكِنُنِي مُشَارَكَتُهُمَا الْأَلْعَابَ، وَأَشْتَرِي بِمَصْرُوفِي "بُونْبُوناً" أَوْ "مُلَبَّساً"، مَا أَحْلَاهُمَا وَمَا أَلَذَّهُمَا!
وَذَاتَ يَوْمٍ سَأَلَتْهَا أُمُّهَا: مَاذَا تَشْتَرِينَ يَا يَاسْمِينُ عِنْدَمَا تَمْتَلِئُ حَصَّالَتُكِ؟ كَانَ السُّؤَالُ مُفَاجِئاً لِيَاسْمِينُ، فَلَمْ تَتَوَقَّعْ أَنْ تَسْأَلَهَا أُمُّهَا هَكَذَا، عِنْدَئِذٍ احْمَرَّ وَجْهُهَا خَجَلاً وَارْتَبَكَتْ. وَمَعَ ذَلِكَ أَسْعَفَهَا تَفْكِيرُهَا وَرَدَّتْ عَلَى أُمِّهَا: سَأَشْتَرِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، سَأَشْتَرِي لِي دُمْيَةً لِأُوَفِّرَ عَلَى أَبِي ثَمَنَهَا. وَكَانَتْ أُمُّهَا تُصَدِّقُهَا، بَلْ وَتُحَدِّثُ وَالِدَهَا فِي زِيَادَةِ مَصْرُوفِهَا، وَلَا يُمَانِعُ قَائِلاً: الْأَبْنَاءُ وَالْبَنَاتُ الْعُقَلَاءُ هُمُ الَّذِينَ يَدَّخِرُونَ مَا يَزِيدُ عَلَى حَاجَتِهِمْ، فَقَدْ يَنْفَعُ فِي وَقْتِ الشِّدَّةِ.
وَسُرْعَانَ مَا كَانَتْ تَنْسَى يَاسْمِينُ نَصِيحَةَ وَالِدِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ سَأَلَتْ نَفْسَهَا مَرَّةً: مَاذَا لَوْ عَرَفَ أَبِي أَنَّنِي أَصْرِفُ كُلَّ مَصْرُوفِي وَلَا أَدَّخِرُ شَيْئاً؟ سَيَكُونُ مَوْقِفِي مُحْرِجاً، أَجَلْ.. وَلَكِنْ .. وَلَكِنَّ يَاسْمِينُ طَمْأَنَتْ نَفْسَهَا بِأَنَّ أَبَوَيْهَا لَنْ يَعْرِفَا شَيْئاً عَنْ ذَلِكَ، وَزِيَادَةً فِي الْحِرْصِ، قَامَتْ وَوَضَعَتِ الْحَصَّالَةَ فِي دُرْجِهَا وَأَغْلَقَتْهُ بِالْمِفْتَاحِ ثُمَّ ابْتَسَمَتْ فِي سَعَادَةٍ.
وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، رَأَتْ يَاسْمِينُ مَا يُثِيرُ الْعَجَبَ؛ فَعِنْدَمَا صَحَتْ مِنْ نَوْمِهَا رَأَتْ أُمَّهَا وَأَخَاهَا وَهُمْ يَرُوحُونَ وَيَغْدُونَ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، وَكُلُّهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْإِعْدَادِ لِأَمْرٍ مَا، اسْتَغْرَبَتْ يَاسْمِينُ. وَمَعَ ذَلِكَ حَاوَلَتْ أَنْ تَسْأَلَ أُمَّهَا عَنْ مَصْرُوفِ الْيَوْمِ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ مَشْغُولَةً لِلْغَايَةِ، جَعَلَتْ يَاسْمِينُ تُسَائِلُ نَفْسَهَا عَنِ السَّبَبِ بِدُونِ جَدْوَى، وَتَسْأَلُ أُخْتَهَا الزَّهْرَاءَ، فَرَدَّتْ عَلَيْهَا بِبَسَاطَةٍ قَائِلَةً: الْيَوْمُ عِيدُ مِيلَادِ مَامَا. هَتَفَتْ يَاسْمِينُ مُرَدِّدَةً مَا سَمِعَتْ، سُرَّتْ سُرُوراً كَثِيراً لِأَنَّ مَصْرُوفَهَا الْيَوْمَ سَيَكُونُ مُضَاعَفاً نَظَراً لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ السَّعِيدَةِ.
وَبَعْدَ الْعَشَاءِ رَأَتْ يَاسْمِينُ الْأَقْرِبَاءَ يَتَوَافَدُونَ، وَكَذَلِكَ الْجِيرَانَ وَالْأَصْدِقَاءَ، وَلَمَحَتْ أَيْضاً مَا بِأَيْدِي الضُّيُوفِ، فَكُلُّ ضَيْفٍ يَحْمِلُ هَدِيَّةَ عِيدِ الْمِيلَادِ. كَانَ الْجَوُّ يَمْلَؤُهُ السُّرُورُ، وَالِابْتِسَامَاتُ تَتَأَلَّقُ عَلَى الْوُجُوهِ، وَالْأَضْوَاءُ تَتَلَأْلَأُ فِي صَالَةِ الْمَنْزِلِ. وَبَدَأَ حَفْلُ عِيدِ الْمِيلَادِ، وَأَنْشَدَ الْجَمِيعُ أُنْشُودَةَ عِيدِ الْمِيلَادِ، ثُمَّ قَامَتِ الْأُمُّ لِتُطْفِئَ الشُّمُوعَ، وَتَنَاوَلُوا الْحَلْوَى وَالْمَشْرُوبَاتِ. ثُمَّ قَامَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِيُقَدِّمَ هَدِيَّتَهُ لِلْأُمِّ، نَجْمِ الْحَفْلِ، وَكُلٌّ يُرَدِّدُ الدُّعَاءَ الشَّهِيرَ: كُلُّ سَنَةٍ وَأَنْتِ طَيِّبَةٌ، وَالْعُقْبَى لِمِائَةِ سَنَةٍ.
كَمَا قَامَ مُحَمَّدٌ وَقَدَّمَ هَدِيَّتَهُ لِأُمِّهِ، وَتَنَاوَلَتْهَا الْأُمُّ فِي سَعَادَةٍ، وَطَبَعَ مُحَمَّدٌ قُبْلَةً عَلَى جَبِينِ أُمِّهِ، وَرَدَّتْ عَلَيْهِ الْأُمُّ بِعِدَّةِ قُبُلَاتٍ.. وَقَامَتِ الزَّهْرَاءُ كَذَلِكَ، وَقَدَّمَتْ هَدِيَّتَهَا لِأُمِّهَا. كَانَتْ مُفَاجَأَةً كَبِيرَةً لِيَاسْمِينُ، إِنَّهَا لَمْ تَشْتَرِ هَدِيَّةً لِأُمِّهَا، فَمَاذَا تُقَدِّمُ لَهَا فِي يَوْمِ مِيلَادِهَا؟! وَقَفَتْ تَتَلَفَّتُ يَمِيناً وَشِمَالاً، تَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهَا، إِنَّهُمَا خَاوِيَتَانِ كَحَصَّالَتِهَا! جَعَلَتْ تَنْقُلُ بَصَرَهَا بَيْنَ الضُّيُوفِ وَالسَّعَادَةُ تَلْمَعُ فِي وُجُوهِهِمْ، شَعَرَتْ يَاسْمِينُ بِارْتِبَاكِهَا، وَخَجَلِهَا، وَمَوْقِفِهَا الْحَرِجِ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: مَاذَا أَفْعَلُ؟! كُلٌّ تُقَدَّمُ لِأُمِّي بِهَدِيَّتِهِ، إِلَّا أَنَا، الْجَمِيعُ قَدَّمَ الْهَدَايَا لِأُمِّي، وَأَنَا لَمْ أُقَدِّمْ لَهَا شَيْئاً، لِأَنَّنِي لَمْ أَشْتَرِ هَدِيَّةً.
وَكَيْفَ أَشْتَرِي الْهَدِيَّةَ وَأَنَا لَا أَمْلِكُ نُقُوداً، وَحَصَّالَتِي فَارِغَةٌ فَارِغَةٌ؟ يَا لَلْحَرَجِ! كَانَتْ يَاسْمِينُ تُحَدِّثُ نَفْسَهَا حِينَ كَانَتْ أُمُّهَا تَرْقُبُهَا، وَابْتِسَامَةٌ مُشْفِقَةٌ تُظَلِّلُ وَجْهَهَا، رَفَعَتْ يَاسْمِينُ وَجْهَهَا فَالْتَقَتْ عَيْنَاهَا بِعَيْنَيْ أُمِّهَا.. طَالَتِ النَّظْرَةُ بَيْنَهُمَا، طَفَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيْ يَاسْمِينُ، فَاخْتَفَتِ الِابْتِسَامَةُ مِنْ وَجْهِ الْأُمِّ، وَنَادَتْ عَلَيْهَا، لَكِنَّ يَاسْمِينُ لَمْ تَذْهَبْ نَحْوَهَا، وَإِنَّمَا أَطْلَقَتْ سَاقَيْهَا إِلَى حُجْرَتِهَا.
وَقَدْ لَفَتَ ذَلِكَ نَظَرَ الضُّيُوفِ، مِمَّا أَثَارَ تَعَجُّبَهُمْ، وَقَامَتِ الْأُمُّ مِنْ فَوْرِهَا حَيْثُ ذَهَبَتْ يَاسْمِينُ، وَانْفَطَرَ قَلْبُ الْأُمِّ حِينَ سَمِعَتْ بُكَاءَهَا وَنَحِيبَهَا.. وَتَسْأَلُهَا الْأُمُّ عَنِ السَّبَبِ، وَتَقُولُ يَاسْمِينُ مِنْ بَيْنِ أَنِينِهَا: لَمْ أُقَدِّمْ إِلَيْكِ هَدِيَّةً يَا أُمِّي. وَقَالَتِ الْأُمُّ فِي حَنَانٍ: بِالطَّبْعِ لَمْ تَتَذَكَّرِي.. غَداً تَشْتَرِينَ الْهَدِيَّةَ وَتُقَدِّمِينَهَا إِلَيَّ.. وَوَاصَلَتْ يَاسْمِينُ بُكَاءَهَا وَقَالَتْ: كَيْفَ يَا أُمِّي..؟ كَيْفَ وَحَصَّالَتِي فَارِغَةٌ، فَلَمْ أَدَّخِرْ شَيْئاً، وَاشْتَرَيْتُ بِكُلِّ مَصْرُوفِي "شِيكُولَاتَةً وَبُونْبُوناً"؟! سَامِحِينِي.
هَزَّتِ الْأُمُّ رَأْسَهَا وَعَانَقَتْهَا قَائِلَةً: لَا عَلَيْكِ يَا حَبِيبَتِي.. يَكْفِينِي أَنْ أَرَى ابْتِسَامَتَكِ تُضِيءُ وَجْهَكِ، إِنَّهَا أَجْمَلُ هَدَايَا الدُّنْيَا. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي أَخَذَتْ يَاسْمِينُ مَصْرُوفَهَا، وَلَمْ تَنْزِلْ إِلَى الشَّارِعِ، بَلْ ذَهَبَتْ إِلَى حُجْرَتِهَا، وَدَسَّتْهُ فِي حَصَّالَتِهَا، وَكَانَتْ تَتَرَقَّبُ يَوْمَ مِيلَادِ أُمِّهَا التَّالِي، وَقَدْ سَطَّرَتْ تَارِيخَهُ فِي ذَاكِرَتِهَا