حِكايَةُ وَلَدٍ نَبيلٍ
مُحَمَّدٌ تِلْميذٌ مُجْتَهِدٌ، وَكَانَ بِجَانِبِ اجْتِهَادِهِ في دُروسِهِ ذَكِيّاً، عَاقِلاً، وَالدَّليلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُفَكِّرُ في كُلِّ عَمَلٍ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ في تَنْفيذِهِ، مَهْمَا كَانَ ذَلِكَ العَمَلُ سَهْلاً أَوْ بَسيطاً. وَفي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ كَانَ يَقْبِضُ مَصْروفَ الشَّهْرِ مِنْ وَالِدِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَصْروفَهُ يَزيدُ عَلَى حَاجَتِهِ، وَيَتَبَقَّى مِنْهُ جُزْءٌ لَا بَأْسَ بِهِ، عِنْدَئِذٍ حَدَّثَ نَفْسَهُ قَائلاً: «المَصْروفُ يَزيدُ عَلَى حَاجَتِي، لِمَ لَا أَدَّخِرُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، بَدَلاً مِنْ أَنْ أُضَيِّعَهَا هَبَاءً مَنْثوراً؟».
وَقَدْ أُعْجِبَ مُحَمَّدٌ بِفِكْرَتِهِ وَعَزَمَ عَلَى تَنْفيذِهَا، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ تَذَكَّرَ مَوْقِفاً صَعْباً وَقَفَتْهُ أُخْتُهُ يَاسْمينُ الصَّغيرَةُ في عِيدِ مِيلادِ أُمِّهَا، بِسَبَبِ تَبْديدِهَا لِكُلِّ مَصْروفِهَا وَعَدَمِ ادِّخَارِهَا، وَلَكِنَّهَا تَغَيَّرَتْ بَعْدَ أَنْ تَلَقَّنَتْ دَرْساً عَظيماً، كَانَ بِمَثَابَةِ نُقْطَةِ البِدَايَةِ في الطَّريقِ الصَّحيحِ، وَنَهَجَتْ نَهْجَ أَخَوَيْهَا مُحَمَّدٍ وَالزَّهْرَاءِ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ ضِمْنَ جَمَاعَةِ الرَّسْمِ وَالأَشْغَالِ بِالمَدْرَسَةِ، فَقَامَ بِجَمْعِ بَعْضِ القِطَعِ الخَشَبِيَّةِ المُهْمَلَةِ، وَصَنَعَ مِنْهَا حَصَّالَةً كَبيرَةً، وَوَضَعَهَا في صِيوانٍ - أَي «دُولابِهِ» الخَاصِّ، وَفي نِهَايَةِ كُلِّ شَهْرٍ كَانَ يَضَعُ في الحَصَّالَةِ مَا تَبَقَّى مِنْ مَصْروفِهِ.
وَكُلَّ فَتْرَةٍ كَانَ يَحْمِلُ الحَصَّالَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَتْ تَتَّسِعُ ابْتِسَامَتُهُ كُلَّمَا شَعَرَ بِازْدِيَادِ ثِقْلِهَا، وَحِينَ عَلِمَ أَبَوَاهُ أُعْجِبَا بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَشَجَّعَاهُ عَلَى المُضِيِّ، كَمَا قَرَّرَ وَالِدُهُ زِيَادَةَ المَصْروفِ في الشَّهْرِ التَّالِي. وفي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يَتَنَاوَلُ وَجْبَةَ الغَدَاءِ مَعَ أُسْرَتِهِ، سَأَلَهُ وَالِدُهُ نَفْسَ السُّؤَالِ الَّذِي سَأَلَتْهُ الأُمُّ لِيَاسْمينَ: «مَاذَا تَصْنَعُ بِمَالِكَ عِنْدَمَا تَمْتَلِىءُ بِهِ حَصَّالَتُكَ؟».
كَانَ السُّؤَالُ مُفَاجِئاً لِمُحَمَّدٍ كَمَا كَانَ مُفَاجِئاً لِيَاسْمينَ، وَلَكِنْ شَتَّانَ بَيْنَهُمَا، ظَلَّ مُحَمَّدٌ يُفَكِّرُ وَيُفَكِّرُ، وَلَمْ يُسْعِفْهُ عَقْلُهُ بِالإِجَابَةِ عَلَى سُّؤَالِ وَالِدِهِ، فَقَالَ بِصَرَاحَةٍ: «إِنَّنِي لَمْ أُفَكِّرْ فِيمَا أَصْنَعُهُ يَا وَالِدِي، وَكُلُّ مَا هَمَّنِي هِيَ فِكْرَةُ التَّوْفيرِ فَقَطْ». ابْتَسَمَتِ الأُمُّ مُتَسَائِلَةً: «وَلِمَاذَا فَكَّرْتَ في التَّوْفيرِ؟»، رَدَّ مُحَمَّدٌ مُبْتَسِماً: «بِالتَّأْكِيدِ سَتَكُونُ هُنَاكَ فَائِدَةٌ مَا»، فَعَلَّقَ الأَبُ قَائلاً: «المَفْرُوضُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْءِ هَدَفٌ مُحَدَّدٌ مِنْ وَرَاءِ أَعْمَالِهِ».
فَكَّرَ مُحَمَّدٌ قَليلاً، ثُمَّ ضَحِكَ ضَحْكَةً خَفيفَةً وَقَالَ: «عُمُوماً، أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ لي دَرَّاجَةٌ وَسَأَشْتَري دَرَّاجَةً بِمَا أُوَفِّرُهُ، وَفي رَأْيِي أَنَّ الدَّرَّاجَةَ نَافِعَةٌ، فَأَسْتَخْدِمُهَا في ذَهَابِي إِلَى المَدْرَسَةِ وَإِيَابِي مِنْهَا»، ثُمَّ وَجَّهَ نَظْرَةً إِلَى أُمِّهِ وَأَضَافَ: «وَأُسَاعِدُ أُمِّي فَأَشْتَري لَهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ السُّوقِ». رَبَتَتِ الأُمُّ كَتِفَ ابْنِهَا في حَنَانٍ وَامْتِنَانٍ، وَعِنْدَمَا انْفَرَدَ مُحَمَّدٌ مَعَ نَفْسِهِ، شَرَدَ يُفَكِّرُ في دَرَّاجَتِهِ الَّتي سَيَشْتَريهَا مِنْ مَالِهِ الخَاصِّ، وَكَبُرَتِ الفِكْرَةُ في رَأْسِهِ وَغَمَرَتْ مَشَاعِرَهُ، وَغَدَتْ حُلُماً تَمَنَّى أَنْ يُحَقِّقَهُ.
وَكَانَ كُلَّمَا حَمَلَ الحَصَّالَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَشَعَرَ بِثِقْلِهَا الَّذِي يَتَزَايَدُ شَعَرَ بِدُنُوِّهِ مِنْ تَحْقيقِ أَمَلِهِ، وَهَا هِيَ ذِي حَصَّالَتُهُ قَدْ أَشْرَفَتْ أَنْ تَمْتَلِىءَ إِلَى نِهَايَتِهَا، فَاتَّسَعَتِ ابْتِسَامَتُهُ وَدَبَّ قَلْبُهُ بِدَبِيبِ السَّعَادَةِ، وَجَعَلَ يَتَخَيَّلُ دَرَّاجَتَهُ وَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ: «تُرَى مَاذَا سَيَكُونُ لَوْنُ دَرَّاجَتِي؟ سَأَخْتَارُ دَرَّاجَةً حَمْرَاءَ اللَّوْنِ.. أَجَلْ حَمْرَاءَ.. فَإِنَّنِي أُحِبُّ اللَّوْنَ الأَحْمَرَ.. إِنَّهُ قَريبٌ مِنْ أَحَاسيسِي وَدَائِماً مَا أَجِدُ فُرْشَاتِي تَمْتَدُّ إِلَيْهِ لأُوَزِّعَهُ في لَوْحَاتِي».
ضَحِكَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ - وَمَا زَالَتِ الفَرْحَةُ تَشُوبُ قَسَمَاتِ وَجْهِهِ -: «وَلِذَا أَطْلَقَ عَلَيَّ أُسْتَاذُ التَّرْبِيَةِ الفَنِّيَّةِ: صَدِيقَ اللَّوْنِ الأَحْمَرِ. مَا أَحْلَى هَذَا اللَّوْنَ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ تَكُونَ دَرَّاجَتِي حَمْرَاءَ يَتَأَلَّقُ لَوْنُهَا وَيَتَلأْلأُ في العُيُونِ.. يَا لَهَا مِنْ دَرَّاجَةٍ وَفِكْرَةِ التَّوْفيرِ، يَا لَهَا مِنْ فِكْرَةٍ أَخَّاذَةٍ». وفي أَحَدِ الأَيَّامِ كَانَ مُحَمَّدٌ عَائِداً مِنْ مَدْرَسَتِهِ قَاصِداً بَيْتَهُ، فَلَمَحَ عَلَى بُعْدٍ رَجُلاً عَجُوزاً يَمْشي عَلَى مَهَلٍ، في يَدِهِ عَصاً يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا، حَثَّ مُحَمَّدٌ خُطَاهُ، وَأَصْبَحَ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ.
تَوَقَّفَ يَتَأَمَّلُ مَلابِسَهُ الرَّثَّةَ، وَأَسْمَالَهُ البَالِيَةَ، وَالكَآبَةَ الَّتِي تَغْمُرُ وَجْهَهُ، وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ سَائِلاً المَارَّةَ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ وَلَا يَأْبَهُونَ بِهِ، وَلَا يُعيرُونَهُ اهْتِمَاماً، كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ تَوَسُّلاتِهِ. تَفَرَّسَ مُحَمَّدٌ في وَجْهِ العَجُوزِ، وَنَدَّتْ مِنْهُ صَيْحَةٌ: «يَا إِلَهِي إِنَّهُ مَكْفوفُ البَصَرِ!»، وَاسْتَطْرَدَ مُحَمَّدٌ في حَديثِهِ لِنَفْسِهِ: «إِنَّهُ لَا يَرَى شَيْئاً، وَلَا يُبْصِرُ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِ، وَلَا الدُّنْيَا كَمَا نُبْصِرُهَا، لَقَدْ تَسَاوَى عِنْدَهُ النَّهَارُ وَاللَّيْلُ نَهَارُهُ مُظْلِمٌ وَلَيْلُهُ أَيْضاً هَكَذَا، وَكُلُّ حَيَاتِهِ يَفْتَرِشُهَا اللَّوْنُ الأَسْوَدُ القَاتِمُ».
شَعَرَ مُحَمَّدٌ بِقَلْبِهِ يَكَادُ أَنْ يَتَمَزَّقَ مِنْ فَرْطِ التَّأَثُّرِ، وَطَفَرَتِ الدُّموعُ مِنْ عَيْنَيْهِ يَتَسَابَقُ حَيَاتُهَا اللُّؤْلُؤِيَّةُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ الغَضَّتَيْنِ. وَاصَلَ العَجُوزُ سَيْرَهُ بَلْ زَحْفَهُ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ جَرّاً، وَتَطُلُّ أَصَابِعُهُ مِنْ حِذَائِهِ الكَالِحِ اللَّوْنِ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْتَوِيَ قَدَمَيِ العَجُوزِ، وَلَا أَنْ يَحْمِيَ أَصَابِعَهُ الَّتِي تُدْمَى بِمَا يُصَادِفُهَا مِنْ أَذَى الطَّريقِ!. وَمَا زَالَ مُحَمَّدٌ يَتأَمَّلُهُ، العَجُوزُ يَنْقُلُ عَصَاهُ، حَجَرٌ صَغيرٌ عَلَى بُعْدِ خُطْوَةٍ انْحَرَفَتِ العَصَا بَعيداً عَنِ الحَجَرِ.. أَخْطَأَتْهُ...
العَجُوزُ يَعْتَمِدُ عَلَى العَصَا وَكَأَنَّهَا عَيْنَاهُ لَا بَديلَ عَنْهَا، وَلَكِنَّ العَصَا ضَريرَةٌ مِثْلَهُ فَلَمْ تَرَ الحَجَرَ.. كَادَتْ أَصَابِعُهُ أَنْ تَصْطَدِمَ بِهِ، فَهَتَفَ مُحَذِّراً: «تَوَقَّفْ يَا سَيِّدِي!»، وَقَفَزَ مِنْ فَوْرِهِ لِيَنْأَى بِالعَجُوزِ عَنِ الحَجَرِ، سَأَلَهُ: «إِلَى أَيْنَ؟!»، فَأَجَابَ العَجُوزُ: «سَأَسْتَريحُ قَليلاً فَوْقَ الطَّوارِ». سَأَلَهُ مُحَمَّدٌ: «ثُمَّ مَاذَا يَا سَيِّدِي؟»، فَقَالَ العَجُوزُ: «فَرَجُهُ قَريبٌ يَا وَلَدِي». أَجْلَسَهُ مُحَمَّدٌ كَمَا أَرَادَ.. وَاسْتَمَرَّ في تَأَمُّلاتِهِ: «لَا بُدَّ أَنَّهُ جَائِعٌ لَمْ يَأْكُلْ طيلَةَ هَذَا اليَوْمِ، وَلَا بُدَّ أَنَّ أَبْنَاءَهُ جَائِعُونَ.. لَوْ، لَوْ كَانَ مَعي مَالٌ لأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ.. لَيْتَنِي اسْتَبْقَيْتُ جُزْءاً.. تَذَكَّرْتُ.. الحَصَّالَةُ.. بَلَى.. وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبْتُ لأُحْضِرَ بَعْضَ المَالِ فَلَنْ أَجِدَ العَجُوزَ».
فَكَّرَ مُحَمَّدٌ قَليلاً، ثُمَّ انْحَنَى عَلَى الرَّجُلِ لِيَقُولَ لَهُ: «هَلَّا أَتَيْتَ مَعي؟». سَمِعَ العَجُوزُ مَا طَلَبَهُ مُحَمَّدٌ فَقَالَ في نَفْسِهِ: «إِنَّهُ صَبِيٌّ صَغيرٌ - هَذَا يَبْدُو مِنْ صَوْتِهِ.. وَلَكِنْ لَيْسَ مِثْلَ أُولَئِكَ الصِّبْيَةِ الَّذِينَ يُعَاكِسُونَهُ وَيُضَايِقُونَهُ، وَيَتَجَاذَبُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، إِنَّهُ عَاقِلٌ، عَقْلُهُ يَسْبِقُ سِنَّهُ.. وَفي صَوْتِهِ رَنَّةُ عَطْفٍ، وَلَا يَسْتَوِي مَعَ الكَثيرِ مِنَ الكِبَارِ الَّذِينَ لَا يَرْحَمُونَهُ، وَلَا يُطَيِّبُونَ خَاطِرَهُ، وَلَا يَرُدُّونَهُ بِلُطْفٍ أَوْ لِينٍ...».
وَعِنْدَمَا كَرَّرَ مُحَمَّدٌ سُؤَالَهُ قَالَ العَجُوزُ: «إِلَى أَيْنَ يَا بُنَيَّ؟»، فَأَجَابَ: «إِلَى بَيْتِنَا»، فَقَالَ العَجُوزُ: «وَلَكِنِّي مُجْهَدٌ.. وَلَا أَقْوَى عَلَى السَّيْرِ»، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: «البَيْتُ قَريبٌ مِنْ هُنَا»، فَقَالَ العَجُوزُ: «أَخْشَى أَنْ أَضِلَّ طَريقَ العَوْدَةِ»، عِنْدَئِذٍ قَالَ مُحَمَّدٌ في حَمَاسٍ شَديدٍ: «سَأَقُودُكَ إِلَى حَيْثُ تَرْغَبُ». اطْمَأَنَّ العَجُوزُ إِلَى الصَّبِيِّ، وَشَعَرَ بِالرَّاحَةِ تَسْري في أَوْصَالِهِ.. اسْتَسْلَمَ لِيَدِ الصَّغيرِ الَّتِي سَاعَدَتْهُ عَلَى الوُقوفِ، ثُمَّ أَمْسَكَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ.. بِالضَّبْطِ كَمَا يُمْسِكُ يَدَ أَبِيهِ.. وَقَادَهُ عَلَى مَهَلٍ، حَيْثُ بَيْتُهُمُ القَريبُ.
وَأَمَامَ البَيْتِ، قَالَ مُحَمَّدٌ بِصَوْتِهِ الرَّقيقِ: «لِتَنْتَظِرْ لَحَظَاتٍ يَا عَمِّي.. سَأَعُودُ مُسْرِعاً.. أَرْجُوكَ يَا عَمِّي لَا تَتَحَرَّكْ مِنْ هُنَا.. حَتَّى لَا تَضِلَّ الطَّريقَ». وَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ يَقْفِزُ عَلَى دَرَجِ السُّلَّمِ بِخُطَوَاتٍ وَاسِعَةٍ.. تَارِكاً العَجُوزَ في دَهْشَتِهِ وَلِسَانُهُ يُرَدِّدُ: «الدُّنْيَا بِخَيْرٍ.. بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا بُنَيَّ». طَرَقَ مُحَمَّدٌ بَابَ شَقَّتِهِمْ، فَتَحَتْ أُمُّهُ البَابَ وَهِيَ مُنْدَهِشَةٌ، فَالطَّرَقَاتُ عَلَى البَابِ كَانَتْ مُتَوَالِيَةً مُسْرِعَةً، وَزَادَتْ دَهْشَتُهَا حِينَ رَأَتِ ابْنَهَا يَهْرُولُ مُسْرِعاً نَحْوَ حُجْرَتِهِ، حَتَّى أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يُحَيِّيَ أُمَّهُ.. تُرَى مَاذَا وَرَاءَهُ؟!.
خَطَتِ الأُمُّ خَلْفَهُ تَعْلُوهَا الدَّهْشَةُ.. فَتَحَ مُحَمَّدٌ الصِّيوانَ، وَاجْتَذَبَ الحَصَّالَةَ الَّتِي أَشْرَفَتْ عَلَى الامْتِلاءِ، أَفْرَغَ مَا بِهَا في كِيسٍ، ثُمَّ أَعْطَى الحَصَّالَةَ فَارِغَةً إِلَى أُمِّهِ، وَلَمْ يُعْطِهَا الفُرْصَةَ لأَنْ تَسْتَوْضِحَهُ عَمَّا يَدُورُ عَلَى مَرْآهَا.. نَظَرَتِ الأُمُّ إِلَى الحَصَّالَةِ ثُمَّ إِلَى وَلَدِهَا وَلَمْ تَفْهَمْ شَيْئاً!. هَرَوْلَتْ إِلَى النَّافِذَةِ - حِينَ انْطَلَقَ مُحَمَّدٌ إِلَى الشَّارِعِ - وَأَطَلَّتْ، فَرَأَتْهُ يُنَاوِلُ العَجُوزَ كِيسَ النُّقودِ، تَحَسَّسَ العَجُوزُ الكِيسَ قَائِلاً: «مَا هَذَا يَا وَلَدِي؟!»، قَالَ مُحَمَّدٌ: «إِنَّهَا.. إِنَّهَا نُقودٌ»، فَقَالَ العَجُوزُ: «كُلُّ هَذَا؟!»، فَرَدَّ مُحَمَّدٌ: «لَيْتَنِي أَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ»، فَسَأَلَ العَجُوزُ: «فَهِيَ مِلْكُكَ إِذَنْ؟!»، فَأَجَابَهُ مُحَمَّدٌ: «لَقَدْ وَفَّرْتُهَا مِنْ مَصْروفِي.. أَرْجُوكَ يَا عَمِّي أَنْ تَقْبَلَهَا هَدِيَّةً مِنِّي!».
يَأْخُذُ العَجُوزُ هَدِيَّتَهُ الَّتِي سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيْهِ عَنْ طَريقِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ المَلَاكِ، وَسَمِعَتْهُ الأُمُّ وَهُوَ يَلْهَجُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، فَسَقَطَتِ العَبَرَاتُ مِنْ عَيْنَيْهَا، وَتَأَمَّلَتْ صَفْحَةَ السَّمَاءِ، ثُمَّ عَادَتْ لِتَرْقُبَ المَشْهَدَ الرَّائِعَ، فَهَذَا وَلَدُهَا يَتأَبَّطُ ذِرَاعَ العَجُوزِ وَهُوَ يَسيرُ الهُوَيْنَى وَمَا زَالَتْ عَيْنَاهُ تَذْرِفُ بِالدُّموعِ. عَلِمَ الأَبُ - وَكَانَ رَدُّهُ نَظْرَةَ إِعْجَابٍ وَإِكْبَارٍ وَجَّهَهَا إِلَى ابْنِهِ الَّذِي كَبُرَ في عَيْنَيْهِ - وَمِنْ ثُمَّ وَعَدَهُ بِشِرَاءِ الدَّرَّاجَةِ في اليَوْمِ التَّالِي، غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّداً قَالَ في إِصْرَارٍ: «عَنْكَ يَا أَبي الحَبيبَ، وَلأَبْدَأْ في إِيدَاعِ النُّقودِ في حَصَّالَتِي، وَلَنْ أُفَكِّرَ في المُسْتَقْبَلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ - المُهِمُّ - أَنْ يَكُونَ لِلتَّوْفيرِ مَعْنًى وَفَائِدَةٌ.. أَيّاً كَانَتِ الفَائِدَةُ». وَشَاعَ في الجَوِّ فَرَحٌ وَسُرورٌ.. بَيْنَ نَظْرَةِ إِعْجَابِ الأَبَوَيْنِ لِابْنِهِمَا - الرَّجُلِ الكَريمِ.