أصابع زينب
عِنْدَمَا وُلِدَتْ زَيْنَبُ امْتَلأَ البَيْتُ بِالفَرَحِ والسُّرورِ،
وَلَكِنْ بَعْدَ أَيَّامٍ قَليلَةٍ مِنْ وِلادَتِهَا اكْتَشَفَ الأَطِبَّاءُ أَمْراً مُهِمّاً، وهو أَنَّهَا لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبْصِرَ الأشياءَ بِعَيْنَيْها. فَهِيَ لا تَرى نورَ الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّ فِي النَّهَارِ، ولا تُراقِبُ القَمَرَ الفِضِّيَّ وهو يَخْتَبِئُ خَلْفَ السُّحُبِ فِي اللَّيْلِ. لَكِنَّ زَيْنَبَ الصَّغيرَةَ لَمْ تَسْتَسْلِمْ، بَلْ تَعَلَّمَتْ أَنْ تَتَلَمَّسَ كُلَّ ما حَوْلَها بِأَصَابِعِهَا الرَّقيقَةِ؛ فَأَصْبَحَتْ تَرَى الأشياءَ بِاللَّمْسِ، وَتَعْرِفُ مَكانَ مَنْ تُحِبُّهُمْ مِنْ خِلالِ أَصْواتِهِمْ، مِثْلَ صَوْتِ بابا وماما وأُخْتِها الكَبيرَةِ سَوْسَن.
وفي عِيدِ مِيلادِها السَّادِسِ، فاجَأَها بابا بِهَدِيَّةٍ مُمَيَّزَةٍ جِدّاً، كانت عِبارَةً عَنْ كِتابٍ ضَخْمٍ يَحْتَوي حِكاياتٍ مُصَوَّرَةً، لَكِنَّ حُروفَهُ لَمْ تَكُنْ مَكْتوبَةً بِالحِبْرِ، بَلْ كانت بارِزَةً وَمَحْسوسَةً عَلَى شَكْلِ نِقاطٍ صَغيرَةٍ. فَرِحَتْ ماما كَثيراً حِينَ رَأَتْ زَيْنَبَ تَتَحَسَّسُ الكِتابَ بِبَراعَةٍ.
بَدَأَتْ زَيْنَبُ تَتَلَمَّسُ صَفَحاتِ الكِتابِ بِبُطْءٍ، فَوَجَدَتْ شَجَرَةً في مُنْتَصَفِ الصَّفْحَةِ، وَبِمُساعَدَةِ ماما، عَثَرَتْ أَصابِعُها الصَّغيرَةُ عَلَى عُشِّ عُصْفورٍ في أَعْلى الشَّجَرَةِ،
وَشَعَرَتْ بِأَنَّهُ كَوْمَةُ قَشٍّ مُدَوَّرَةٍ تَرْقُدُ فيها العُصْفورَةُ عَلَى بَيْضِها. قَرَأَتْ زَيْنَبُ بِأَصابِعِها أَنَّ هَذِهِ العُصْفورَةَ تَنْتَظِرُ فَقْسَ البَيْضِ لِتُطْعِمَ صِغارَها وَتُعَلِّمَهُمُ الطَّيَرانَ.
كَانَتْ ماما في غايَةِ السَّعادَةِ وَهِيَ تَرى أَصابِعَ ابْنَتِها تَتَهَجَّى الحُروفَ وَتُكَوِّنُ الكَلِماتِ، بَيْنَما كانت زَيْنَبُ تَبْتَسِمُ بِرِقَّةٍ مِثْلَ القَمَرِ المُنيرِ.
لَمْ تَتَوَقَّفِ الهَدايا عِنْدَ هَذا الحَدِّ، بَلْ أَهْدَتْها ماما كِتاباً ناطِقاً يُعَلِّمُها أَصْواتَ الحَيَواناتِ، وَأَحْضَرَتْ لَها سَوْسَنُ دُمْيَةً جَميلَةً تُغَنِّي. لَمْ تَكُنْ زَيْنَبُ تَخافُ مِنَ الظَّلامِ أَبَداً؛ لِأَنَّ حُبَّ عائِلَتِها ورِعايَتَهُمْ كانا هُما الضَّوْءَ الَّذي يُنيرُ حَياتَها، وَلَمْ تَكُنْ تَحْزَنُ أَوْ تَغْضَبُ لِأَنَّها لا تَرى مِثْلَ الآخَرينَ.
لَكِنْ في أَحَدِ الأَيَّامِ، مَرِضَتْ زَيْنَبُ بِحُبوبِ الجُدَرِيِّ الحَمْراءِ الَّتي غَطَّتْ جِسْمَها، وَارْتَفَعَتْ حَرارَتُها، فَطَلَبَ مِنْها الطَّبيبُ البَقاءَ في الفِراشِ لِمُدَّةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. شَعَرَتْ زَيْنَبُ بِمَلَلٍ شَديدٍ وَغابَتِ الابْتِسامَةُ عَنْ وَجْهِها، وَرَغْمَ أَنَّ سَوْسَنَ حَاوَلَتْ تَسْلِيَتَها بِالدُّمْيَةِ والكِتابِ النّاطِقِ، إِلا أَنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَكُنْ تَرْغَبُ بِهِما. حينَها اقْتَرَحَتْ سَوْسَنُ أَنْ تَلْعَبَ مَعَها "لُعْبَةَ الكَلِماتِ"، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ لَها مِنْ كِتابٍ عاديٍّ، لَكِنَّ زَيْنَبَ طَلَبَتْ مِنْ أُخْتِها أَنْ تَقْرَأَ لَها مِنْ كِتابِها الخاصِّ ذِي النِّقاطِ البارِزَةِ.
لَمْ تَكُنْ سَوْسَنُ تَعْرِفُ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذا الكِتابَ، فَحُروفُهُ تُشْبِهُ النِّقاطَ الَّتي تَمْلأُ وَجْهَ زَيْنَبَ بِسَبَبِ المَرَضِ. أَغْمَضَتْ سَوْسَنُ عَيْنَيْها وَحاوَلَتْ أَنْ تَقْرَأَ بِأَصابِعِها لَكِنَّها فَشِلَتْ في البِدايةِ، وَقَالَتْ بِيَأْسٍ: «لا أَعْرِفُ». لَكِنَّ زَيْنَبَ أَصَرَّتْ وَشَجَّعَتْها، وَبَعْدَ مُحاوَلاتٍ كَثيرَةٍ، اسْتَطاعَتْ سَوْسَنُ أَنْ تَقْرَأَ بِأَصابِعِها وَعَيْناها مُغْمَضَتانِ. ضَحِكَتْ زَيْنَبُ كَثيراً لِأَنَّ سَوْسَنَ كانت تَقْرَأُ مِنَ اليَمينِ إِلى اليَسارِ، فَخَرَجَتِ الجُمَلُ مَقْلوبَةً وَمُضْحِكَةً. عَلَّمَتْ زَيْنَبُ أُخْتَها أَنَّ القِراءَةَ في كِتابِها تَكونُ بِتَتَبُّعِ النِّقاطِ مِنَ اليَسارِ إِلى اليَمينِ.
أَمْسَكَتْ زَيْنَبُ يَدَ سَوْسَنَ وَمَرَّرَتْ أَصابِعَها عَلَى الحُروفِ، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ لَها قِصَّةَ خَروفٍ صَغيرٍ نَسِيَ تَحْذيراتِ أُمِّهِ وَابْتَعَدَ عَنِ القَطيعِ، حَتَّى اقْتَرَبَ مِنْهُ ذِئْبٌ ماكِرٌ، فَصاحَ الخَروفُ خائِفاً: «ماااااااااء.. ماااااااااء». وَصَفَتْ زَيْنَبُ جَمالَ الحُروفِ لِأُخْتِها، فَقَالَتْ إِنَّ حَرْفَ الأَلِفِ مَمْدودٌ مِثْلَ أَعْوادِ القَصَبِ، وَأَكْمَلَتْ قِصَّتَها حَتَّى جاءَ الكَلْبُ الشُّجاعُ وَطَرَدَ الذِّئْبَ. ضَحِكَتْ سَوْسَنُ وقَالَتْ إِنَّ حَرْفَ الواوِ يُشْبِهُ السِّلْكَ المَلْفوفَ.
ظَلَّتِ الفَتاتانِ تَقْرَآنِ مَعاً بانسِجامٍ حَتَّى حَلَّ اللَّيْلُ، ونامَتْ زَيْنَبُ وَهِيَ تَحْتَضِنُ كِتابَها الغالي. وفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَأَتْ سَوْسَنُ مَشْهَداً ساحِراً؛ فَقَدْ كانَ ضَوْءُ القَمَرِ يَتَسَلَّلُ بَيْنَ أَصابِعِ زَيْنَبَ وَهِيَ نائِمَةٌ. مَرَّتِ السَّنَواتُ وَكَبِرَتِ الفَتاتانِ، وَبَقِيَتْ سَوْسَنُ تَقْرَأُ لِزَيْنَبَ في كُتُبِها المُنَقَّطَةِ، حَتَّى أَصْبَحَتْ سَوْسَنُ مُعَلِّمَةً تُساعِدُ المَكْفوفينَ عَلَى التَّعَلُّمِ، بَيْنَمَا اسْتَمَرَّتْ زَيْنَبُ في القِراءَةِ بِشَغَفٍ لِتُحَقِّقَ حُلُمَها وَتُصْبِحَ هي أَيْضاً مُعَلِّمَةً مُبْدِعَةً مِثْلَ أُخْتِها.