جحا و المسمار
كَانَ لِجُحَا دَارٌ وَاسِعَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاضْطُرَّ يَوْمًا لِبَيْعِهَا بِسَبَبِ حَاجَتِهِ لِبَعْضِ المَالِ، فَعَرَضَهَا لِلْبَيْعِ بَعْدَ أَنْ فَكَرَ بِخِدْعَةٍ لَا تَخْطُرُ عَلَى بَالِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. فَعَرَضَ دَارَهُ لِلْبَيْعِ بِسِعْرٍ مَعْقُولٍ، وَأَضَافَ مَبْلَعًا إِضَافِيًّا كَبِيرًا عَلَى مِسْمَارٍ وَضَعَهُ فِي الحَائِطِ.
فَكَانَ كُلُّ مَنْ يَأْتِي لِيَشْتَرِيَ يُعْجِبُهُ البَيْتُ وَالسِّعْرُ، وَلَكِنَّهُ يَعْتَرِضُ عَلَى سِعْرِ المِسْمَارِ فَيَقُولُ لَهُ: إِذَنْ اشْتَرِ البَيْتَ وَاتْرُكِ المُسْمَارَ لِي. فَظَلَّ جُحَا عَلَى هَذِهِ الحَالِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى جَاءَهُ أَخِيرًا مُشْتَرٍ مُحْتَاجٌ لِلْبَيْتِ بِشِدَّةٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ سِعْرَ البَيْتِ وَلَا يَمْلِكُ سِعْرَ المِسْمَارِ. وَقَبِلَ بِشِرَاءِ الْمَنْزِلِ عَلَى أَنْ يَبْقَى المِسْمَارُ مُلْكًا لِجُحَا. وَقَالَ المُشْتَرِي فِي نَفْسِهِ: وَمَاذَا سَيَفْعَلُ جُحَا بِهَذَا المِسْمَارِ مَا دَامَ المِسْمَارُ دَاخِلَ دَارِي؟ فَوَافَقَ المُشْتَرِي دُونَ أَنْ يَلْحَظَ الغَرَضَ الخَفِيَّ لِجُحَا مِنْ وَرَاءِ هَذَا الشَّرْطِ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ إِثْمَامِ العَقْدِ وَانْتِقَالِ الشَّارِي إِلَى مَنْزِلِهِ الجَدِيدِ، ذَهَبَ جُحَا إِلَى بَيْتِهِ الَّذِي بَاعَهُ وَدَقَّ البَابَ. فَلَمَّا سَأَلَهُ الرَّجُلُ عَنْ سَبَبِ الزِّيَارَةِ أَجَابَهُ جُحَا: جِئْتُ لِأَطْمَئِنَّ عَلَى مِسْمَارِي! فَرَحَّبَ بِهِ الرَّجُلُ، وَأَجْلَسَهُ، وَأَطْعَمَهُ. لَكِنَّ الزِّيَارَةَ طَالَتْ وَعَانَى الرَّجُلُ حَرَجًا مِنْ طُولِ زِيَارَةِ جُحَا.
وَصَارَ جُحَا يَأْتِي مِنْ يَوْمٍ لِآخَرَ يَتَفَقَّدُ الْمِسْمَارَ وَيَجْلِسُ فَتْرَةً طَوِيلَةً، وَيَأْكُلُ مِنْ أَكْلِ صَاحِبِ الدَّارِ وَيَشْرَبُ مِنْ شَرَابِهِ حَتَّى ضَاقَ بِهِ ذَرْعًا وَرَاحَ وَاشْتَكَاهُ لِكَبِيرِ الشَّرْطَةِ. فَعَلِمَ جُحَا بِالْأَمْرِ فَحَضَرَ عَلَى الْفَوْرِ إِلَى بَيْتِ الرَّجُلِ، وَدَخَلَ مُسْرِعًا مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الحَائِطِ حَيْثُ مِسْمَارُهُ، وَخَلَعَ جُبَّتَهُ وَفَرَشَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَتَهَيَّأَ لِلنَّوْمِ. فَلَمْ يُطِقِ المُشْتَرِي صَبْرًا وَسَأَلَهُ: مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُهُ يَا جُحَا؟
فَأَجَابَ جُحَا بِهُدُوءٍ: أَنْتَ اشْتَكَيْتَنِي لِكَبِيرِ الشَّرْطَةِ، وَأَنَا أَتَيْتُ لَأَنْتَظِرَهُ هُنَا، وَسَأَنَامُ حَتَّى يَحْضُرَ فِي ظِلِّ مِسْمَارِي. لَكِنَّ كَبِيرَ الشَّرْطَةِ لَمْ يَأْتِ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ جُحَا جَيِّدًا وَيَعْرِفُ العَقْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ.
وَظَلَّ جُحَا يَذْهَبُ يَوْمِيًّا لِلرَّجُلِ بِحُجَّةِ مِسْمَارِهِ الْعَزِيزِ، وَيَخْتَارُ أَوْقَاتَ الطَّعَامِ لِيُشَارِكَ الرَّجُلَ فِي طَعَامِهِ. فَلَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ الاسْتِمْرَارَ عَلَى هَذَا الوَضْعِ، وَتَرَكَ لِجُحَا الدَّارَ بِمَا فِيهَا!